وجهة نظر: عندما يجتاز السهم الفحص الشرعي... ويفشل في الاختبار الأخلاقي
كشفت تحقيقات صحافية، أخيراً، عن أن صندوقاً استثمارياً متوافقاً مع الشريعة تُديره مجموعة HSBC اشترى أسهماً تتجاوز قيمتها 100 مليون دولار في شركات ترتبط أنشطتها بتوفير تقنيات ومعدات عسكرية للجيش الإسرائيلي، من بينها شركة بالانتير المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. لكن القضية تتجاوز هذه الاستثمارات، لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبح الالتزام بأحكام الشريعة في الاستثمار مجرَّد اجتياز لمجموعة من المعايير المالية والقطاعية، من دون النظر بصورة كافية إلى طبيعة أنشطة الشركات واستخدامات منتجاتها؟ تعتمد معظم المؤشرات الإسلامية على استبعاد قطاعات محددة، مثل: الخمور، والقمار، والخدمات المالية التقليدية، ثم تطبيق نسب مالية تتعلق بالمديونية والإيرادات غير المباحة. وقد أسهمت هذه المعايير في توسيع فرص الاستثمار المتوافق مع الشريعة، لكنها لا تعالج بالضرورة جميع الإشكالات المرتبطة بأنشطة الشركات واللافت في هذه القضية أن صندوق HSBC غيَّر مؤشره المرجعي في مارس 2026 من مؤشر داو جونز للسوق الإسلامية إلى مؤشر «S&P Global 1200 Shariah Select». وهذا التغيير ليس مجرَّد إجراء فني، فهناك اختلاف مهم بين المنهجيتين، إذ تسمح منهجية S&P عموماً بالاستثمار في الصناعات الدفاعية، فيما تستبعد منهجية «داو جونز» تصنيع وتوريد الأسلحة والأنظمة المستخدمة لأغراض غير دفاعية، ومنها الأنظمة الهجومية والتجسسية. أي أن الشركة نفسها قد تكون مؤهلة للاستثمار وفق مؤشر إسلامي، وغير مؤهلة وفق مؤشر آخر، من دون أن يتغيَّر نشاطها أو وضعها المالي، وهنا تكمن الإشكالية: ما الذي تعنيه فعلياً عبارة «متوافق مع الشريعة» إذا كانت النتيجة تختلف باختلاف منهجية الفحص؟ وتزداد المشكلة تعقيداً مع شركات التكنولوجيا الحديثة. فشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي قد تستوفي جميع النسب المالية، لكن بعض منتجاتها قد تُستخدم في عمليات عسكرية تستهدف المدنيين. وإذا لم تُصنَّف تلك الأنشطة ضمن المحظورات، فلن تعالج المشكلةَ قاعدةُ السماح بنسبة محدودة من الإيرادات غير المباحة، فالخلل هنا ليس في حساب النسبة، بل في تحديد الأنشطة التي ينبغي إخضاعها للفحص أصلاً. عدم انتقال أموال شراء السهم إلى الشركة لا يلغي التساؤل بشأن ملكية حصة في أنشطتها والاستفادة من أرباحها. كذلك، لا يمكن اعتبار تطهير الأرباح حلاً لكل إشكال شرعي؛ فالتخلص من الإيرادات غير المباحة المحدودة يختلف عن معالجة الاعتراض على النشاط الأساسي للشركة. أما تبرير مدير الصندوق بأنه يتبع مؤشراً إسلامياً بصورة آلية، فلا يعفيه من مسؤولية اختيار ذلك المؤشر. فإدارة الصندوق وهيئته الشرعية تتحمَّلان مسؤولية تقييم مدى ملاءمة المنهجية لأهداف المستثمرين، والإفصاح عن حدودها. لقد حققت الصناعة المالية الإسلامية تقدماً مهماً في تطوير معايير الفحص، لكنها مطالبة اليوم بتوسيع نطاق الرقابة، ليشمل: طبيعة المنتجات، واستخداماتها، وعلاقات الشركات التجارية، خصوصاً مع تطور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية. فالتحدي الحقيقي ليس إثبات أن السهم اجتاز اختبار الالتزام الشرعي، بل التأكد من أن الاختبار نفسه كافٍ للحكم على الاستثمار. وإذا كانت المالية الإسلامية تقدم نفسها بديلاً يقوم على مبادئ تتجاوز تحقيق الأرباح، فلا ينبغي اختزال تلك المبادئ في قائمة من النسب المالية والأنشطة المستبعدة. * أستاذ مشارك في قسم التمويل والمنشآت المالية - جامعة الكويت
المصدر: الجريدة