شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

قبل تامبا.. كيف ينتقل لبنان من الاتفاق إلى التنفيذ؟

قبل تامبا.. كيف ينتقل لبنان من الاتفاق إلى التنفيذ؟

يدخل لبنان أسبوع اجتماع تامبا أمام اختبار يتجاوز المشاركة في جولة جديدة من المفاوضات. فبعد إعلان رئيس الجمهورية جوزاف عون أنّ الوفد العسكري اللبناني سيشارك في الاجتماع الثلاثي المرتقب الثلاثاء ، تتقدّم مسألة النتائج الممكنة إلى واجهة النقاش: ما الذي يمكن أن تحققه هذه الجولة في وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وكيف تتحول المطالب اللبنانية إلى إجراءات يلمسها أهل الجنوب؟ Advertisement أهمية الموعد، بهذا المعنى، ترتبط بقدرته على تحريك اتفاق بقي تنفيذه موضع تعثر وخلاف، فيما تستمر كلفة الانتظار على الأرض. وقد عرض عون هذه المشكلة خلال لقائه الوفد الوزاري الفرنسي، عندما أشار إلى استمرار الاعتداءات والجرف وتدمير المنازل ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، معتبرًا أنّ إسرائيل لم تلتزم باتفاق الإطار الذي رعته الولايات المتحدة. وربط استمرار الاحتلال والتوتر بتعذّر انتشار الجيش حتى الحدود الدولية. تختصر هذه المقاربة إحدى العقد الأساسية، فالدولة مطالبة بتوسيع سلطتها، فيما تبقى أجزاء من الأرض التي يفترض أن تمارس عليها هذه السلطة خارج قدرتها على الوصول والتحرك. ومن هنا، تكتسب الجولة المقبلة أهميتها بوصفها اختبارًا لقدرة الخيار الدبلوماسي على إنتاج خطوات عملية. فالحكومة تحتاج إلى ما يثبت أنّ التزاماتها يمكن أن تقابلها إجراءات إسرائيلية محددة، والوساطة الأميركية تحتاج إلى إظهار قدرتها على متابعة تنفيذ ما ترعاه. فكيف يمكن إخراج المسار من حلقة يتقدّم فيها النقاش حول الالتزامات، فيما تتأخر النتائج التي يفترض أن تبرر الاستمرار فيه؟ ماذا يستطيع لبنان أن يحقق؟ تبدأ الإجابة من تحديد ما يريد لبنان تحقيقه في المرحلة الأقرب. فوقف الغارات وأعمال التفجير والجرف يشكّل مطلبًا عاجلًا، لأنّ استمرار تدمير المنازل والأحياء يزيد صعوبة العودة حتى لو توافرت لاحقًا ترتيبات أمنية تسمح بها. في المقابل، يتيح وقف هذه العمليات مناقشة الإجراءات التالية في ظروف أفضل، من وصول الجيش إلى مناطق جديدة إلى استعادة الخدمات الأساسية. ويمكن تقييم أي تقدّم أولي من خلال هذه النتائج المحددة، مع التمييز بين تهدئة مؤقتة وبين التزام يستمر بعد انتهاء الاجتماع ولا يُلغى بقرار إسرائيلي منفرد. لكنّ وقف التصعيد يحتاج إلى مسار يحمي استمراره. وهنا تبرز أهمية تحويل العناوين الكبيرة إلى التزامات محددة: المواقع التي تنسحب منها إسرائيل، والمناطق التي يتوسّع فيها انتشار الجيش، وكيفية التحقق من تنفيذ كل طرف ما تعهّد به، والجهة التي تعالج الخلاف عند حصوله. هذه مسائل سياسية بقدر ما هي عسكرية، لأنّ تركها مفتوحة يسمح بإعادة التفاوض على كل خطوة. كما أنّ ربط التنفيذ بشروط عامة، من دون معايير واضحة لتقييمها، يتيح لأي طرف اعتبار الالتزامات المقابلة غير مكتملة وإرجاء ما يقع عليه. وفي المقابل، يحتاج الوفد اللبناني إلى أهداف محددة من السلطة السياسية، وإلى التزامات تستطيع الدولة تطبيقها. فالجيش ينفّذ قرارات الحكومة، فيما تقع عليها مسؤولية معالجة الخلاف الداخلي حول حصرية السلاح وتوفير الدعم السياسي والموارد اللازمة للتنفيذ. وكل تعهّد يتجاوز قدرة المؤسسات الفعلية يضعف الموقف اللبناني عند مناقشة الالتزامات المقابلة. لذلك، يفترض أن يكون واضحًا ما يمكن إنجازه فورًا، وما يحتاج إلى وقت أو تجهيز أو قرار سياسي، بالتوازي مع المطالبة بوقف الاعتداءات والانسحاب. ما المطلوب من الوسيط الأميركي؟ يزيد الموقف الإسرائيلي صعوبة التوصل إلى ترتيبات متبادلة. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح "حزب الله"، وربط استمرار الوجود الإسرائيلي في ما يسميه "الحزام الأمني" ببقاء هذا السلاح. ويعني ذلك أنّ أي تقدّم لبناني قد يبقى غير كافٍ في التقييم الإسرائيلي ما لم تُحدَّد مسبقًا شروط التحقق والانسحاب. ومن هنا، تتوقف فاعلية الدور الأميركي على قدرته على ربط كل إجراء لبناني متفق عليه بإجراء إسرائيلي محدد، ومنع إضافة شروط جديدة بعد تنفيذ الخطوات المطلوبة. أما التحرك الفرنسي، فيستطيع دعم تنفيذ التفاهمات من خلال مساندة الجيش والمساهمة في ترتيبات المراقبة الدولية. وقد تناول لقاء رئيس الحكومة نواف سلام والوفد الفرنسي دعم العودة والإعمار، واستمرار حضور دولي يتولى المراقبة والإفادة والتواصل تحت مظلة مجلس الأمن. وتساعد هذه العناصر الدولة على تثبيت وجودها، لكنها تحتاج إلى اتفاق يسمح لها بالعمل. فتوفير التمويل والتجهيز لا يكفي لانتشار الجيش في منطقة تحتلها إسرائيل، كما أنّ وجود مراقبين لا يضمن وقف الاعتداءات إذا لم تتوافر إرادة سياسية لفرض الالتزام. وتتحمّل الحكومة كلفة داخلية كلما تأخرت النتائج. فهي تدافع عن التفاوض باعتباره وسيلة لاستعادة الأرض وحماية السكان، ويحق للناس سؤالها عمّا تحقق عبره. لكنّ تقييم أدائها يقتضي التمييز بين ما تستطيع تنفيذه بقرارها، وما تعرقله إسرائيل، وما تتعثر الوساطة في معالجته. وعلى هذا الأساس، تحتاج السلطة إلى إعلان ما أُنجز وما بقي عالقًا وأسباب التعثر، من دون رفع التوقعات قبل كل جولة. ويساعد ذلك أيضًا على تحديد المسؤوليات بدل الاكتفاء بسجال عام حول نجاح التفاوض أو فشله. في المحصلة، المطلوب من تامبا تحديد إجراء قابل للتنفيذ، والجهة المسؤولة عنه، والمهلة المتاحة لإنجازه، والخطوة التي تليه. ويمكن لتقدّم محدود بهذه المواصفات أن يحسّن الوضع الميداني ويمنح الدولة أساسًا لمواصلة التفاوض. أما الاتفاق على عناوين عامة مع ترك تطبيقها لشروط غير محددة، فسيُبقي أسباب التعثر قائمة. بالنسبة إلى لبنان، تبقى الأولوية لوقف الخسائر المستمرة وتأمين انسحاب يتيح للجيش الانتشار وللأهالي العودة، مع التزام واضح بتنفيذ ما يقع على الدولة من مسؤوليات.

المصدر: لبنان 24