دراسة: السعودية قادرة على ربط الذكاء الاصطناعي الصحي بضمانات السلامة وكفاءة الإنفاق | صحيفة الاقتصادية
ترى دراسة أن أمام السعودية فرصة لربط طموحاتها في الذكاء الاصطناعي الصحي بضمانات قابلة للتقييم، تجمع بين سلامة المرضى وكفاءة الإنفاق واستدامة الاستثمار.وأجرى الدراسة البروفيسور عميد خالد عبد الحميد، الأستاذ الزائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن، والمقيم في السعودية منذ 27 عاماً، بعنوان "فجوة حوكمة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية". وبحسب الدراسة التي نشرت جامعة شرق لندن تقريراً عنها في 19 أكتوبر 2026، أن مسؤولية المؤسسة الصحية لا تنتهي عند شراء نظام للذكاء الاصطناعي؛ فالقيمة الحقيقية للاستثمار تبدأ باختبار ملاءمته للمرضى، وتأهيل الكوادر لاستخدامه، ومراقبة أدائه، وتحديد من يملك صلاحية التدخل عندما تظهر مشكلة.واستندت الدراسة إلى بيانات وأدلة منشورة لمنظمة الصحة العالمية، وتقدم توصيات عملية لتحويل سياسات الحوكمة إلى إجراءات داخل المستشفيات. الشراء ليس نهاية القرار يؤكد عبد الحميد أن تقييم الأنظمة الصحية الذكية ينبغي أن يتجاوز سعر الشراء ووعود الدقة والسرعة، ليشمل تكاليف دمجها في العمل، وتدريب الموظفين، والصيانة والتحديثات، والمراقبة المستمرة.ويقول: «شراء النظام بداية الالتزام، وليس نهايته. تحتاج المؤسسة إلى معرفة ما إذا كانت التقنية تحسن القرار السريري، وما الموارد اللازمة لتشغيلها بأمان، وكيف ستقيس فائدتها بعد إدخالها إلى الخدمة».وتشمل الأسئلة التي يقترح طرحها: هل يوفر النظام وقتاً يمكن الاستفادة منه فعلياً؟ هل يساعد على تحسين الرعاية؟ هل يضيف تنبيهات تتطلب مراجعات غير ضرورية؟ وهل تستمر فائدته بعد احتساب تكاليف التشغيل والإشراف؟ولا تتضمن الدراسة تقديراً مالياً للوفورات أو عائد الاستثمار في المستشفيات السعودية؛ إذ يتطلب ذلك بيانات خاصة بكل تطبيق ومؤسسة. لكنها تضع أسئلة تساعد متخذي القرار على فحص القيمة المتوقعة قبل الشراء وبعده.التحقق المحلي يحمي الاستثماريشدد عبد الحميد، الذي يجمع بين الممارسة السريرية والعمل في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، على ضرورة التحقق من ملاءمة الأدوات للبيئة السعودية قبل التوسع في استخدامها.ويقول: «نجاح أداة في بيئة معينة لا يكفي وحده للحكم على أدائها في مستشفى آخر. يجب فحص مدى ارتباط أدلة التحقق بالمرضى المستهدفين، والأجهزة المستخدمة، وإجراءات العمل، واللغة العربية حين تكون جزءاً من وظيفة النظام».ويشمل ذلك مراجعة الأداء لدى فئات المرضى ذات الصلة، وطبيعة الأخطاء المحتملة، وقدرة المؤسسة على اكتشافها والتعامل معها. ويُحدَّد حجم التحقق المطلوب وفق الاستخدام المقصود ومستوى الخطر، بدلاً من فرض عدد موحد من الحالات على جميع التطبيقات.ولا يعني هذا إعادة تطوير كل تقنية من البداية، بل تحديد ما إذا كانت الأدلة المتاحة كافية، وما الاختبارات الإضافية اللازمة قبل استخدامها محلياً.ويضيف: «التحقق المحلي يساعد المؤسسة على اتخاذ قرار شراء أكثر استنارة، وتحديد حدود الاستخدام، واكتشاف أوجه القصور قبل توسيع الاعتماد على النظام».فجوة تكشفها البيانات الدوليةتستعرض الدراسة نتائج مسح استجابت له 50 دولة في الإقليم الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية. وأفادت 64 في المائة منها باستخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في التشخيص، بينما أفادت 8 في المائة بوجود استراتيجية وطنية مخصصة للذكاء الاصطناعي في الصحة.وأفادت نسبة منفصلة تبلغ 8 في المائة بوجود معايير للمسؤولية القانونية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، أو إرشادات لتطبيق المعايير القائمة عليه. كما عدّت 86 في المائة الغموض القانوني عائقاً أمام تبني التقنية.وجُمعت البيانات بين يونيو 2024 ومارس 2025. وهي تخص الدول المستجيبة في الإقليم الأوروبي، ولا تمثل نسباً عالمية أو تقييماً للسعودية أو مستشفياتها.ويؤكد عبد الحميد أن غياب استراتيجية صحية مخصصة لا يعني غياب تنظيم الأجهزة الطبية أو قوانين الخصوصية أو الالتزامات المهنية. وبالمثل، لا يثبت وجود استراتيجية أن الضمانات تعمل بفاعلية داخل كل مؤسسة.ويوضح أن دراسته تحليل للأدلة المنشورة مع توصيات تنفيذية، وليست مسحاً ميدانياً جديداً أو ترتيباً عالمياً للدول.مساءلة تبدأ قبل توقيع العقدتحدد الدراسة ست ضمانات أساسية: وضوح المسؤولية، والتحقق المحلي، وكفاءة العاملين، والمراقبة المستمرة، والتحقيق في الحوادث، وصلاحية تعليق الاستخدام عند ظهور مخاوف تتعلق بالسلامة.ويرى عبد الحميد أن هذه المتطلبات ينبغي أن تنعكس في قرارات التعاقد، بحيث تعرف المؤسسة التزامات المورّد بشأن التحديثات، والإبلاغ عن الأخطاء، وحماية البيانات، وتوفير الأدلة اللازمة لمراجعة الأداء.ويقول: «من يتلقى بلاغ المشكلة؟ ومن يحقق فيها؟ ومن يقرر استمرار الاستخدام أو تعليقه؟ يجب الاتفاق على هذه المسؤوليات قبل أن يصبح النظام جزءاً من رعاية المرضى ».وتحتاج المؤسسة أيضاً إلى خطة لاستمرار الخدمات إذا تعطل النظام أو عُلِّق استخدامه، وإلى ضوابط واضحة للوصول إلى البيانات واستخدامها.الكفاءات الوطنية جزء من القيمةيشدد عبد الحميد على أن الاستثمار في الكوادر عنصر أساسي في الاستخدام المسؤول للتقنية. فالمؤسسات تحتاج إلى مهنيين يستطيعون فهم الأدلة، وتقييم حدود الأنظمة، ومراجعة النتائج، إلى جانب تشغيل الأدوات.ويقول: «يجب أن يبقى الطبيب قادراً على الاستجابة للأعراض والفحص السريري، حتى عندما يقدم النظام نتيجة مطمئنة أو لا يصدر تنبيهاً».كما ينبغي أن تستمر المراقبة بعد بدء التشغيل، لتشمل الأخطاء المهمة، والتفاوت بين فئات المرضى، والتغيرات المرتبطة بالتحديثات البرمجية.مراجعة عملية خلال 90 يوماًتقترح الدراسة أن تبدأ المستشفيات بمراجعة خلال 90 يوماً. تُخصَّص الأيام الثلاثون الأولى لحصر أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة وتسمية المسؤولين عنها، ثم تُراجَع التطبيقات الأعلى خطراً، وأدلة التحقق من ملاءمتها، وتدريب العاملين ومسارات الإبلاغ عن الحوادث.وبحلول اليوم التسعين، تختبر المؤسسة إجراءات تعليق الاستخدام واستمرار الرعاية، وترفع الثغرات غير المعالجة إلى مجلس إدارتها. وهذا جدول تنفيذي يقترحه مؤلف الدراسة، وليس متطلباً صادراً عن منظمة الصحة العالمية.ويخلص عبد الحميد إلى أن الفرصة السعودية تتمثل في جعل الحوكمة جزءاً من جودة الاستثمار: «كلما أصبحت القيمة السريرية والسلامة والمسؤوليات أوضح، استطاعت المؤسسات اتخاذ قرارات أفضل بشأن ما تشتريه، وما تتوسع في استخدامه، وما يحتاج إلى تعديل أو توقف».
المصدر: الاقتصادية