المدارس الخاصة في الجزائر بين ضبط القانون والجودة التربوية
يمثل تنظيم مؤسسات التربية والتعليم الخاصة أحد الملفات المهمة في مسار إصلاح المنظومة التربوية الجزائرية ، بالنظر إلى ما يطرحه من تحديات تتصل بجودة التعليم ، واحترام المرجعية الوطنية ، وضمان حقوق التلاميذ والأولياء ، وتحقيق التوازن بين المبادرة الخاصة ومتطلبات المصلحة العامة. وفي هذا الإطار يكتسي المرسوم التنفيذي رقم 26-310 المؤرخ في 22 سبتمبر 2026 والمتعلق بتحديد شروط وإجراءات اعتماد مؤسسات التربية والتعليم الخاصة وسيرها ومراقبتها أهمية خاصة ، باعتباره إطارا تنظيميا يرمي إلى ضبط نشاط هذه المؤسسات وتحديد مسؤولياتها والتزاماتها. إن القراءة التربوية لهذا النص لا ينبغي أن تقتصر على تعداد شروط فتح المدارس الخاصة أو الإجراءات الإدارية المرتبطة باعتمادها ، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى تحليل فلسفته التنظيمية ، واستشراف انعكاساته على المدرسة الجزائرية ، ومدى قدرته على إرساء قواعد أكثر وضوحا للحوكمة التربوية ، بما يجعل مصلحة التلميذ وجودة التعلمات في صدارة الأولويات. فالمدرسة الخاصة مهما كانت طبيعة تمويلها أو أسلوب تسييرها ، ليست مجرد مشروع اقتصادي يقدم خدمة مقابل رسوم ، وإنما هي مؤسسة تربوية تؤدي وظيفة ذات أثر مباشر في بناء الإنسان وتكوين المواطن ، ومن ثم فإن حرية الاستثمار في التعليم لا تعني التحرر من الالتزامات الوطنية ، كما أن خصوصية التسيير لا تمنح المؤسسة حق التصرف خارج الأطر البيداغوجية والتنظيمية التي تحددها الدولة. ويبرز هذا المبدأ بوضوح عند تناول مسألة البرامج التعليمية واللغة المعتمدة في التدريس. إن إخضاع المؤسسات الخاصة للمرجعية الوطنية يهدف إلى ضمان الانسجام بين مختلف مسارات التمدرس ، وتوحيد الحد الأدنى من المعارف والكفاءات التي ينبغي أن يكتسبها المتعلم ، وحماية حقه في الانتقال بين المؤسسات ومواصلة دراسته وفق القواعد المعمول بها ، فالمدرسة الجزائرية في جوهرها ليست مجرد فضاء لاكتساب المعارف ، بل هي أيضا مؤسسة للتنشئة الاجتماعية ، وترسيخ الهوية الوطنية وتنمية قيم المواطنة والانتماء. غير أن تطبيق هذه المرجعية يستدعي فهما دقيقا للفرق بين الالتزام بالبرامج الوطنية وبين الانفتاح على تعلم اللغات الأجنبية والأنشطة الإضافية المرخص بها. فالتحديث التربوي لا يتحقق بالانغلاق ، كما لا يتحقق باستيراد نماذج تعليمية جاهزة بمعزل عن الإطار الوطني ، وإنما يقوم على الجمع بين الأصالة والانفتاح ، وبين احترام الخصوصية الوطنية واكتساب الكفاءات التي يفرضها عالم سريع التحول. ومن الزاوية الإدارية فإن ضبط شروط الاعتماد يمثل انتقالا من مجرد التأكد من توفر مقر وتجهيزات لاستقبال التلاميذ إلى فحص قدرة المؤسسة على تقديم خدمة تعليمية منتظمة ومستقرة ، فالمؤسسة الناجحة لا تقاس بجاذبية بنايتها أو بمستوى الرسوم التي تتقاضاها ، وإنما بكفاءة تأطيرها وجودة تعليمها وشفافية تسييرها وقدرتها على ضمان الاستمرارية واحترام الالتزامات ، كما أن اشتراط الضمانات المالية ، في الحالات التي يحددها القانون ، يعكس توجها نحو حماية التلاميذ والأسر من الآثار المحتملة للتعثر المالي أو التوقف المفاجئ عن النشاط. وتبرز أهمية أخرى في تنظيم وظيفة المدير البيداغوجي باعتباره المسؤول عن قيادة العمل التعليمي ومتابعة تنفيذ البرامج وتنظيم الأداء التربوي ، فالإدارة البيداغوجية ليست وظيفة شكلية ولا ينبغي اختزالها في التوقيع على الوثائق أو تمثيل المؤسسة أمام الجهات الرسمية ، بل هي عملية قيادية تتطلب الكفاءة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار والتواصل والتقييم. ومن هنا تبرز ضرورة الفصل الواضح بين صلاحيات المؤسس المرتبطة بالتسيير المالي والاستثماري ، ومسؤوليات المدير البيداغوجي المرتبطة بجودة التعليم والانضباط ومتابعة المعلمين والتلاميذ. إن هذا الفصل لا يعني التعارض بين الجانبين بل يهدف إلى تحقيق التكامل بينهما ، فالمؤسسة التي يطغى فيها المنطق التجاري على القرار التربوي قد تجد نفسها أمام اختلال في ترتيب الأولويات ، كما أن الإدارة التي تفتقر إلى التنظيم المالي والشفافية لا تستطيع ضمان استمرارية العمل. ولذلك فإن الحوكمة الجيدة تقتضي وضوح المسؤوليات وتحديد الصلاحيات وربط كل مسؤولية بالمحاسبة ، مع جعل مصلحة المتعلم معيارا حاكما للقرارات. ولا تقل العلاقة بين المؤسسة الخاصة وأولياء التلاميذ أهمية عن بقية محاور التنظيم ، فعقد التمدرس والإعلان المسبق عن الرسوم والخدمات من شأنهما تعزيز الشفافية والحد من الخلافات الناشئة عن غموض الالتزامات ، لكن العلاقة التربوية لا يمكن أن تختزل في علاقة تعاقدية أو مالية ، لأن الولي شريك في متابعة المسار الدراسي لابنه ، والمؤسسة مطالبة بتوفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة ، وتقديم معلومات واضحة عن مستوى التلميذ واحتياجاته ، واحترام حقوقه وكرامته. ومن هذا المنطلق فإن تنظيم العلاقة مع الأولياء ينبغي أن يترافق مع ثقافة مؤسساتية تقوم على الحوار والإنصات والمعالجة المبكرة للصعوبات ، بعيدا عن منطق الصراع أو التعامل مع الأسرة باعتبارها مجرد مصدر لتمويل التمدرس. فالشراكة التربوية الحقيقية تقوم على توزيع المسؤوليات واحترام الاختصاصات ، وتوحيد الجهود من أجل تحسين نتائج التعلم. أما الرقابة الإدارية والبيداغوجية فهي الاختبار الفعلي لمدى نجاح المرسوم في تحقيق أهدافه ، ذلك أن صدور النصوص لا يكفي وحده لضمان الامتثال ما لم تدعمه آليات ميدانية فعالة ، وإطارات مؤهلة ومعايير واضحة للتقييم وإجراءات موحدة في معالجة المخالفات ، وتبرز هنا مسؤولية الجهات المختصة ومديريات التربية في حدود الصلاحيات المخولة لها قانونا ، من خلال متابعة البرامج والتأطير وظروف التمدرس ، والتأكد من احترام شروط الاعتماد والالتزامات التنظيمية. غير أن الرقابة الناجعة ليست تلك التي تكتفي بتسجيل الأخطاء وتحرير التقارير ، بل التي تجمع بين الوقاية والتقويم والمساءلة ، فهي مطالبة بتشخيص الاختلالات وتحديد أسبابها ، وتمكين المؤسسة من تصحيح ما يسمح القانون بتصحيحه ، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة عندما يتعلق الأمر بمخالفات خطيرة أو مستمرة ، وفي جميع الحالات ينبغي ألا يتحول النزاع الإداري أو المالي إلى سبب لإهدار حق التلميذ في مواصلة الدراسة ، لأن استمرارية التمدرس تمثل أولوية تربوية واجتماعية. وتكتسب الأحكام الانتقالية أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات القائمة ، إذ يتطلب الانتقال إلى نظام تنظيمي جديد وضوحا في الآجال والالتزامات والوثائق المطلوبة ، ولذلك فإن نجاح التطبيق يستدعي مرافقة المؤسسات المعنية ، وتوفير التوضيحات الرسمية اللازمة والتمييز بين الأحكام واجبة التنفيذ فورا وتلك التي يشملها أجل التسوية. فالغموض في تفسير الإجراءات قد يفضي إلى تفاوت في التطبيق بينما يسهم توحيد التعليمات في تعزيز الثقة وضمان تكافؤ المعاملة. وفي تقديري فإن الرهان الحقيقي لهذا المرسوم لا يتمثل في زيادة القيود الإدارية فحسب ، بل في تحويل التنظيم القانوني إلى أداة لتحسين الأداء التربوي. ويتطلب ذلك متابعة أثره على جودة التعلمات وكفاءة التأطير واحترام البرامج الوطنية ورضا الأولياء واستقرار المسار الدراسي للتلاميذ ، كما يقتضي تكوينا مستمرا للمسيرين وتطوير أدوات التقييم ونشر ثقافة المسؤولية والمساءلة داخل المؤسسات التعليمية. إن تنظيم التعليم الخاص ينبغي أن ينظر إليه ضمن رؤية أشمل لإصلاح المدرسة الجزائرية ، تقوم على اعتبار جودة التعليم مسؤولية مشتركة ، مع احترام الفوارق القانونية والإدارية بين القطاعين العمومي والخاص. فلا يجوز افتراض خضوع المؤسستين لجميع الأحكام نفسها ، لكن من المشروع التأكيد على أن حق التلميذ في تعليم جيد وآمن ، واحترام المرجعية الوطنية وصون كرامته مبادئ أساسية ينبغي أن تحكم الممارسة التربوية. وخلاصة القول إن قيمة المرسوم التنفيذي رقم 26-310 ستتحدد بمدى نجاح الجهات المعنية في تحويل أحكامه إلى ممارسة يومية ملموسة تحمي حقوق التلاميذ وتضمن شفافية التسيير وترفع مستوى الأداء البيداغوجي ، فالقانون يوفر الإطار والإدارة تضمن التنفيذ والرقابة تصحح المسار ، لكن الجودة تظل ثمرة كفاءة الإنسان ووضوح الرؤية وتكامل الأدوار. إن المدرسة الخاصة ليست خارج المشروع التربوي الوطني ، مثلما أن المدرسة العمومية ليست مجرد مرفق لتقديم الدروس ، فكلتاهما تشتركان في مسؤولية بناء الأجيال وإعدادها للمستقبل ، ومن ثم فإن نجاح تنظيم التعليم الخاص لا يقاس بعدد الملفات المعتمدة أو المخالفات المسجلة ، وإنما بمدى إسهامه في بناء مدرسة جزائرية أكثر جودة وأكثر عدالة وأكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع.
المصدر: الشروق