غابرييل خيسوس... كيف يصنع فليك نجوماً من أنقاض الشك؟
بينما ينشغل مدرّبو القارة العجوز بالمنافسة على استعراض أفكارهم التكتيكية داخل الملعب، يفرض هانسي فليك معادلة مختلفة تجعل منه حالة استثنائية.
ما يقدّمه المدرب الألماني مع برشلونة هو دور أهم بكثير من وضع الخطط وتوزيع الأدوار، حيث لا يتوقف عند الحدود التكتيكية التقليدية، بل يمتد ليمارس ما يشبه "البعث الفني" لأسماء ظنّ الجميع أنّ مسيرتها دخلت نفق النهاية، من خلال قدرته على إعادة تشكيل هويّتهم الكروية، وإظهار قدراتهم الحقيقية، وتحويلهم إلى نسخ أكثر شراسة وفاعلية داخل الملعب، لتصبح إعادة إحياء المواهب أشبه بعلامة مسجلة باسمه.
من دائرة الشك إلى ثبات الحضور
كان التعاقد مع المهاجم البرازيلي غابرييل خيسوس محاطاً بعاصفة من التساؤلات والشكوك الجماهيرية والإعلامية؛ فاللاعب خاض ثلاثة مواسم متراجعة في أرسنال الإنكليزي، ولم يقدّم المردود المرجوّ منه، ما جعله يتراجع في ترتيبه ليصبح الخيار الثالث في خط هجوم "الغانرز" خلف كاي هافيرتز وفيكتور غيوكيرس، ما جعل فكرة استقدامه إلى النادي الكاتالوني تبدو رهاناً غير مضمون، وخطوة غير محسوبة.
غير أنّ الواقع على أرضية الميدان قدّم إجابات قاطعة أربكت التوقعات؛ فقد نجح خيسوس خلال فترة قصيرة في تسجيل ثلاثة أهداف خلال 195 دقيقة لعب فقط، مشاركاً كلاعب أساسي مرتين من أصل خمس مباريات. هذا المعدل التهديفي المرتفع، المعزز بحضور بدني وتكتيكي لافتين في كل ظهور، أثبت أنّ الأزمة لم تكن تكمن في تراجع إمكانيات اللاعب الذاتية، بل في غياب البيئة الكفيلة باستخراج أفضل ما لديه.

إدارة الإنسان قبل التكتيك
تأتي تجربة خيسوس كامتداد لما حدث سابقاً مع الجناح البرازيلي رافينيا، الذي تحوّل تحت قيادة فليك إلى إحدى أهم الأوراق الهجومية وأكثرها تأثيراً وشراسة.
هذا النمط المتكرّر يعكس قدرة المدرب على تهيئة مناخ نفسي وبدني يزيل الضغوط عن كاهل اللاعبين، ويمنحهم الحافز للقتال على كل كرة واستعادة شغف التنافس في أعلى المستويات. ويكشف عن رؤية فنية ثاقبة للمدرب الألماني، تجعله يرى مميزات في لاعبين محاطين بشكوك النهاية.
ترتكز فلسفة فليك على القناعة بأنّ بناء الأفكار التكتيكية لا يكتمل إلا بالتركيز على العنصر البشري؛ فالمدرب الألماني يعي تماماً كيفية اختيار أدواته والأسلوب الأمثل لتوظيفها. فعمله لا يتوقف عند إعطاء التعليمات الرقمية، بل يمتد إلى غرس روح قتالية عالية تمنح اللاعب ثقة مطلقة لاستعادة مستواه المفقود، والمحاربة من أجل إظهار أفضل ما لديه من إمكانيات.
منظومة مستدامة لا تتأثر بالغيابات
في كل مباراة يخوضها فريق برشلونة تحت قيادة فليك، يظهر دوره أكثر، فالمدرب الألماني لا يسعى إلى بناء مشروع يكتفي بتحقيق نتائج وقتية أو الاعتماد على حلول فردية موقتة، بل يتجه إلى السعي نحو تأسيس بنية كروية صلبة، وهيكل جماعي متماسك قادر على الاستمرار لسنوات مقبلة، لا ينهار برحيل أفراده، ولا يهتز بغياب عنصر أو اثنين من الركائز الأساسية.
المصدر: النهار