شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

سمر نور تفوز بكتارا عن آشا… ذاكرة النوبة وأسئلة الحرية

سمر نور تفوز بكتارا عن آشا… ذاكرة النوبة وأسئلة الحرية

تولد آشا في كهف، كأنّ الحياة اختارت أن تبدأ من الموضع الذي لجأ إليه الناس خوفاً من نهايتها. خارج المغارة، قرية تطاردها لعنة، وفي داخلها طفلة تأتي إلى أبوين مسنّين، فتفتح في الخوف منفذاً للدهشة. من هذه المفارقة تنسج سمر نور روايتها "آشا الجعران والقمر"، الصادرة عن دار ديوان، وتدخل إلى النوبة القديمة من سؤال شديد الحضور: ماذا يفعل الإنسان حين تصبح الحكاية التي تحميه قادرة أيضاً على تقييد حياته؟

يعيد فوز الرواية بجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2026 الضوء إلى تجربة تستثمر الموروث الشفهي في مساءلة العلاقة بين الإنسان وما يصدّقه. فالحكايات التي تمنح الجماعة تماسكها تحمل تصوّراتها عن الخطر والغريب والمرأة، وقد تتحوّل، مع الزمن، إلى حدود يصعب تجاوزها.

طفلة في مواجهة معنى اللعنة

في قرية "الشباك"، حيث يترك الحرمان من البنين أثره في الوعي الجماعي، تكتسب ولادة آشا دلالة تتجاوز الحدث العائلي. يمكن قراءة هذا الميلاد بوصفه مفارقة تكشف مقياس الجماعة للحياة: ففيما تنشغل باستمرار نسلها عبر الذكور، تمنح الرواية طفلةً موقعها المركزي، وتجعل تجربتها مدخلاً إلى فهم القرية ومخاوفها.

الروائية سمر نور

واللعنة، في هذا المستوى، لغة يلجأ إليها الناس حين يعجزون عن تفسير ما يصيبهم. تمنح المصيبة اسماً، وتجعل احتمالها ممكناً، لكنها تزرع الخوف في تفاصيل العيش. هكذا تنشأ آشا داخل عالم سبق أن وضع تفسيراته، وسيكون عليها أن تختبر المسافة بين ما ورثته وما تعرفه بنفسها.

تتشكّل شخصيتها بين "نوري"، الأب الحكيم وصانع السواقي، و"فاتي"، الأم التي تحفظ الحكايات وترويها. الماء الذي يديره الأب والكلمات التي تطلقها الأم يشتركان في حفظ الحياة: أحدهما يسقي الأرض، والأخرى تمنح الناس ذاكرة يتعرّفون فيها إلى أنفسهم.

الأم التي تمنح العالم صوته

تحتلّ فاتي موقعاً أساسياً في بناء هذا العالم. يلتفّ الناس حولها لأنّها تملك معرفة تنتقل بالصوت، وتستمدّ حضورها من قدرتها على جمعهم داخل حكاية. هنا تتقدّم المرأة بوصفها منتجةً للمعنى، وصاحبة أثر في خيال الجماعة وقراراتها.

ترث آشا هذه القدرة، وتوسّع مجالها حين تحكي للحيوانات والطيور، وتصغي إلى "فتيات الأمانجي" في النهر. يتيح لها الخيال علاقة بالعالم تتجاوز ما تقرّه القرية. وهو، من منظور نفسي، مساحة تختبر فيها مشاعرها وأسئلتها، وتجد مخاطبات لما يصعب قوله في العلن.

لكنّ هذا الإرث يضع أمامها امتحاناً آخر: كيف تصبح صاحبة صوتها؟ فأن ترث الحكاية لا يعني أن يكون مصيرها مكتوباً فيها. ومن هذه المسافة بين التلقّي والاختيار يتولّد جانب أساسي من توتّر الرواية.

الحبّ واختبار المعرفة

مع ظهور "كرم باش"، الغريب ذي الأصل البوسني، يدخل الاختلاف إلى حياة آشا في صورة حبّ. يختبر هذا اللقاء نظرة القرية إلى القادم من خارجها، كما يختبر قدرة الفتاة على معرفة من تحبّ بعيداً من الصورة التي تصنعها الرغبة.

وتزداد العلاقة تعقيداً مع طموح كرم باش إلى الاستفادة من التحوّلات الاقتصادية، بما فيها تجارة العبيد، في مقابل رفض نوري تحويل الإنسان إلى سلعة. يصبح الخلاف أخلاقياً واجتماعياً، وتجد آشا نفسها بين انجذابها إلى الرجل والعالم الذي يريد الانتماء إليه.

هنا يكتسب الحبّ ثقله الإنساني: قد يدفع إلى تجاوز خوف موروث، لكنه لا يعفي من مواجهة حقيقة الآخر. ويتيح هذا التوتر قراءة تمرّد آشا باعتباره مسار معرفة مؤلماً، تتغيّر خلاله علاقتها بمن تحبّ وبنفسها.

التاريخ يصل إلى البيوت

تتحرّك الرواية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين تعبر مطاردات المماليك وجنود محمد علي حياة القرى النوبية. يصل التاريخ إلى الناس في صورة نهب وجوع وخوف، ويترك أثره في مواردهم وخياراتهم اليومية.

تمنح هذه الخلفية الأسطورة وظيفة أكثر تعقيداً. فالقارئ يرى إلى جانب اللعنة أسباباً بشرية ملموسة للخراب، ويستطيع أن يسأل عمّا يُنسب إلى القدر فيما تصنعه القوة والمصلحة. وتستمدّ الرواية من هذا التجاور قدرتها على إبقاء التأويل مفتوحاً بين معتقد الشخصيات وما تكشفه الوقائع.

كذلك تمنح المفردات النوبية والأغاني والطقوس المكان خصوصيته. وقيمتها الفنية تتصل باندماجها في التجربة: أن نلمس أثرها في العلاقات والإيقاع اليومي، وأن نرى الناس يعيشون ثقافتهم، بما فيها من ألفة وتناقض.

وحين تعود آشا إلى الجبل الذي شهد ميلادها، يحمل المكان أثر ما عاشته. يمكن قراءة العودة بوصفها مواجهةً للبداية من موقع معرفة جديدة؛ فالمغارة التي احتضنت طفلة تحضر الآن أمام امرأة اختبرت الحبّ والسلطة وحدود الانتماء. وتبقى المسافة بين الولادة والعودة سؤال الرواية الأعمق: كم يحتاج الإنسان من الألم كي يروي حكايته بصوته؟

المصدر: النهار