شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حنين إلى «الرجل القوي».. قصة (8) ملايين مشاهدة لخبر وفاة نميري

حنين إلى «الرجل القوي».. قصة (8) ملايين مشاهدة لخبر وفاة نميري

تشييع مهيب لنميري ويظهر في الصورة الرئيس المعزول عمر البشير -31 مايو 2009 الخرطوم 20 أكتوبر 2026 -تدفع الأوضاع المأزومة واستمرار المعاناة التي أفرزتها تداعيات الحرب، السودانيين للتعلق بأستار الماضي والحنين إلى أيام خلت، عاشوا خلالها سنوات لا تضاهى بما يواجهونه اليوم من ضنك ومعاناة في شتى مناحي الحياة. فما إن نشر المدون السوداني المعروف واصل علي طه، الأحد، خبراً وصورة لتشييع الرئيس الأسبق جعفر نميري ونعشه محمولاً على أكتاف عديد من الضباط الآخرين، ويتقدم المشيعين الرئيس المعزول عمر البشير، حتى انهالت آلاف التعليقات تترحم عليه وتتحسر على أيامه التي خلت. وخلال أقل من 24 ساعة، قفزت مشاهدات المنشور إلى 8 ملايين، كرقم غير مسبوق للصفحة التي يديرها واصل على فيسبوك باسم «تاريخ السودان في خبر»، كما تجاوزت التفاعلات الثلاثين ألفاً خلال ساعات قليلة، بجانب آلاف التعليقات. صَدّر واصل المنشور بالعنوان: «السودان يودّع نميري.. البشير يتقدم المشيعين وستة ضباط يحملون الجثمان على عنقريب». https://www.facebook.com/sudanhistory280/posts/pfbid02emr2J5zUkm2aapNdqrhEkjJQUpHuTuHpvV4iXX7kGCuLZKv5vGXvjSaU82Jx5V5Ml لماذا كل هذه المشاهدات؟ يعزو واصل علي التفاعل العالي مع منشور وفاة وتشييع نميري إلى شخصية الرئيس الراحل؛ فقد كان ذا كاريزما، ترك لدى الناس انطباعاً بأنه حاكم قوي وحازم ووطني. بل إن بطشه بمعارضيه، كما يقول واصل لسودان تربيون، عمّق هذا الانطباع، ابتداءً بأحداث الجزيرة أبا عام 1970، مروراً بتصفية الشيوعيين عام 1971، وانتهاءً بإعدام زعيم الجمهوريين محمود محمد طه عام 1985. بجانب أنه كان أول رئيس بعد الاستقلال يعلن تطبيق الشريعة الإسلامية، فلامس بذلك المشاعر الدينية لدى كثير من السودانيين. بجانب كل ذلك، لا يمكن إغفال تميز نميري بالحضور الدولي؛ حيث كان الأكثر حضوراً بين رؤساء السودان على المسرح الدولي، والأكثر لقاءً بقادة القوى العظمى. ولا يزال السودانيون، وبينهم من لم يعاصروا فترة حكمه التي امتدت 16 عاماً، يتداولون صوره وتسجيلاته التاريخية بشغف كبير، يرون فيها هيبته ولياقته البدنية وخفة ظله. ويعتقد واصل أنه في ظل الحرب الحالية وما يعيشه الناس من غياب للدولة، يستدعي كثير من السودانيين صورة ذلك العهد بحنين، سواء اتفقوا أو اختلفوا مع سياساته. ويلفت كذلك إلى أن السودانيين بطبعهم شديدو التأثر بالموت، وفي لحظة الرحيل تتراجع الخلافات أمام واجب الترحم؛ فتفاعل مع الخبر من أحبّه ومن عارضه على حد سواء. جاءت صورة الجنازة العسكرية المهيبة لتشد الانتباه، فالصفحة المؤثرة لا تتقيد في كثير من الأحيان بالتسلسل الزمني للأحداث، ومع التفاعل الكبير في الساعات الأولى للنشر، دفع فيسبوك المنشور خارج دائرة متابعي صفحة «تاريخ السودان في خبر»، فوصل إلى ما يزيد على 8 ملايين مشاهدة خلال بضع ساعات. ولم يحدث أن وصل أي من منشورات هذه الصفحة إلى هذا الرقم الفلكي من المشاهدات والتفاعلات، وكان أعلى منشور يحصد اهتماماً عالياً هو خبر مقتل الطفلة أميرة الحكيم، والذي كان حدثاً وقضية رأي عام شغلت السودانيين في العام 1987 . يوضح واصل أن الهدف من إعادة نشر الأحداث في هذه الصفحة هو تقديم تاريخ السودان في صورة أخبار؛ فكل منشور يروي حدثاً تاريخياً كأنه خبر عاجل، بتاريخه ولغة صحافة ذاك الزمن، مع ذكر المصادر. ويضيف: «بهذا تصبح الأحداث الكبيرة، كوفاة نميري أو انقلاب أو اتفاقية، قريبة من القارئ وسهلة الهضم بدلاً من سرد تاريخي طويل. ولا يقتصر النشر فيها على الأخبار السياسية فقط، بل أيضاً الاقتصادية والاجتماعية والرياضية». واليوم، أصبحت الصفحة التي بدأت على منصة «إكس/تويتر» مرجعاً لكثير من الباحثين والمهتمين بالتاريخ السوداني، ويتابعها عدد كبير من الدبلوماسيين أيضاً. تحتاج عمليات تجميع المعلومات وترتيبها ورصدها ثم نشرها على الصفحة مجهوداً خارقاً، ويشرح واصل بالقول إن العمل مرهق جداً وينهض به منفرداً، من البحث وجمع المعلومات إلى الكتابة والنشر. ويضيف: «كل خبر يحتاج إلى قدر كبير من التركيز والتدقيق، لأن الخطأ في تاريخ أو اسم أو رقم يضر بمصداقية الصفحة التي بنيتها مع القراء». ويضاف إلى ذلك من الصعوبات شح المصادر وتضاربها؛ ففي كثير من الأحيان تُروى عديد من الأحداث بروايات مختلفة، فيما يكون الوصول إلى الصحف والوثائق الأصلية صعباً للغاية. إلى جانب الصعوبات الفنية، تبرز من جهة أخرى حساسية الموضوعات المثارة نفسها؛ فالتاريخ السياسي الحديث -حسب واصل- يثير الاستقطاب، وأي خبر قد يُقرأ على أنه انحياز لطرف، «لذلك أحرص على نقل الحدث كما وقع وبلغة صحافة زمنه». يغضب بعض الناس من أخبار يعتبرونها مسيئة لشخصية أو جهة يحبونها، أو يرونها غير مهمة ولا تستحق النشر. لكن التاريخ لا يُنتقى وفقاً لوجهة نظر المدون، والصفحة توثّق ما حدث لا ما نتمنى أنه حدث، وما يبدو صغيراً اليوم قد يكشف شيئاً مهماً عن المجتمع وحياته في زمنه. من أكثر الملاحظات التي يرددها القراء والمتفاعلون مع الأحداث المنشورة في الصفحة أنهم اكتشفوا أن مشاكل السودان مكررة منذ الاستقلال: الانقلابات، والصراع على الحكم، والأزمات الاقتصادية، والحروب، وتعثر الديمقراطية. الأخبار التي تُنشر عن الخمسينيات والستينيات تبدو أحياناً وكأنها كُتبت اليوم. وهذا جعل كثيرين يراجعون فكرة الزمن الجميل؛ فحين يقرأ الناس الأحداث كما نقلتها صحافة زمنها، يكتشفون أن الماضي لم يكن مثالياً كما في الذاكرة الشعبية، وأن الحنين أحياناً يكون لزمن متخيَّل أكثر منه لزمن عاشه السودان فعلاً. ويعتقد واصل أن هذه الخلاصة تبدو من أهم رسائل الصفحة، بأن فهم جذور أزمات السودان يبدأ بمعرفة التاريخ كما هو، لا كما نحب أن نتذكره.

المصدر: سودان تربيون