شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

مديونية الأفراد: ما وراء الأرقام وضغوط المعيشة

مديونية الأفراد: ما وراء الأرقام وضغوط المعيشة

ارتفع رصيد مديونية الأفراد في الأردن من 11.375 مليار دينار بنهاية الربع الثاني من 2021 إلى 14.508 مليارًا بنهاية الربع الثاني من 2026، بزيادة 3.133 مليارات دينار، وبنمو تراكمي بلغ 27.5%، يعادل متوسط نمو سنوي مركب يقارب 5%. لكن تقييم هذه الزيادة يتطلب تجاوز حجم الدين إلى تركيبته وأغراضه وتوزيعه بين المقترضين، وما إذا كانت دخولهم وأصولهم قد نمت بما يكفي لتحمل الالتزامات الجديدة.تكشف البيانات عن استقرار نسبي في الهيكل العام خلال السنوات الخمس، ترافق مع توسع واضح في بطاقات الائتمان وبعض التسهيلات الأخرى. أما خلال السنة الأخيرة، فبرز ارتفاع القروض الشخصية والبطاقات، مقابل تراجع القروض الاستهلاكية والسيارات. وتمثل الأرقام أرصدة قائمة في نهاية الفترات، وليست قيمة القروض الجديدة؛ إذ يعكس تغير الرصيد الإقراض والتسديدات والتسويات وأي تعديلات في التصنيف، ولا يتيح وحده تحديد دوافع الاقتراض.ظلت القروض السكنية المكون الأكبر، برصيد 5.804 مليارات دينار في حزيران 2026، مقابل 4.617 مليارات تقريبًا قبل خمس سنوات، بنمو 25.7%. وقد حققت أكبر زيادة نقدية، بنحو 1.187 مليار دينار، تعادل 37.9% من الزيادة الكلية. ومع ذلك، انخفضت حصتها قليلًا من 40.59% إلى 40.01% لأن نموها كان أدنى من نمو الإجمالي، دون أن يعني ذلك انكماش التمويل السكني.وارتفعت قروض السيارات خلال السنوات الخمس بنسبة 33.9% إلى 1.832 مليار دينار، وزادت حصتها من 12.03% إلى 12.63%. وبقيت حصة السكن والسيارات مجتمعتين شبه ثابتة عند 52.6%. وهذه نتيجة لا تدعم وصف الفترة بأنها انتقال شامل من تمويل الأصول إلى تمويل المعيشة. لكن الأصل الممول ليس ضمانة تلقائية للسلامة؛ فالمسكن يحتاج إلى دخل لخدمة قرضه، والسيارة قد تتراجع قيمتها رغم استمرار الالتزام.في المقابل، ارتفعت القروض الشخصية 21.2% إلى 4.775 مليارات دينار، بينما انخفضت حصتها من 34.63% إلى 32.91%. ونمت القروض الاستهلاكية 6.6% فقط إلى 1.018 مليار، فتراجعت حصتها من 8.40% إلى 7.02%. أما البطاقات فارتفع رصيدها من 273.4 مليونًا إلى 611 مليون دينار، بنمو 123.5%، وزادت حصتها من 2.40% إلى 4.21%، مسجلة أكبر مكسب نسبي بين المكونات.غير أن الصورة الحديثة تختلف جزئيًا عن الاتجاه الطويل. فقد نما إجمالي المديونية سنويًا بنسبة 2.49% في الربع الثاني من 2026، مقابل 1.50% في الأول، وارتفع بين الربعين 196 مليون دينار، أو 1.37%. وخلال السنة المنتهية في حزيران، ارتفعت القروض الشخصية 4.44%، والبطاقات 14.21%، بينما انخفضت الاستهلاكية 15.38% والسيارات 1.03%، ونمت السكنية 1.03%. فالشخصية استعادت حصة حديثًا بعدما فقدتها على امتداد خمس سنوات.اقتصاديًا، يتيح الاقتراض توزيع الإنفاق عبر الزمن؛ فالأسرة قد تحتاج إلى مسكن أو تعليم أو علاج قبل توافر المدخرات الكافية. وقد تمثل زيادة الدين تحسنًا في الوصول إلى التمويل وتكوين الأصول، أو تعويضًا عن نقص الدخل واستنزاف المدخرات. ولهذا تختلف دلالة قرض يدعم قدرة مستقبلية على الكسب عن قرض متكرر يغطي فجوة معيشية دائمة، وإن ظهر الاثنان ضمن المنتج المصرفي نفسه.وتشير أبحاث بنك التسويات الدولية، المستندة إلى بيانات 54 اقتصادًا، إلى أن زيادة مديونية الأسر تدعم الاستهلاك والنمو في الأجل القصير، بينما قد تصبح عبئًا على الأداء لاحقًا. فالقرض يقدم قدرة شرائية حالية، لكنه يرتب مدفوعات مستقبلية. وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما لا ينمو دخل المقترض بالوتيرة اللازمة، أو عندما يؤدي سداد الدين إلى خفض الإنفاق الضروري بصورة مستمرة.ولا يمكن تفسير الزيادة الأردنية بعامل منفرد. فمن جانب الطلب، قد تسهم زيادة عدد الأسر، والحاجة إلى السكن والتنقل، والنفقات التعليمية والصحية والعائلية، وارتفاع المستوى التراكمي للأسعار. ومن جانب العرض، تؤثر شروط الموافقة والسقوف والآجال والتسعير وسهولة الوصول إلى المنتجات. وقد تزيد المديونية نتيجة دخول مقترضين جدد، أو ارتفاع أرصدة المقترضين القائمين؛ وهما مساران مختلفان اجتماعيًا ورقابيًا، لا تفصل بينهما البيانات الإجمالية.كذلك لا يعني انخفاض التضخم عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. فقد تتراكم الضغوط على الأسرة رغم تباطؤ الزيادة السنوية، خصوصًا إذا لم يلحق دخلها بتكاليفها الأساسية. ومع ذلك، لا تسند البيانات تفسير نمو الدين كله بموجة تضخمية جديدة؛ فقد سجل التضخم 1.88% خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، مقابل 1.97% في الفترة المناظرة. والمطلوب مقارنة تكاليف معيشة المقترضين بدخولهم الفعلية، لا الاكتفاء بالمتوسط العام.وقد تساعد تخفيضات الفائدة على تنشيط التمويل أو إعادة هيكلة الالتزامات؛ إذ خفض البنك المركزي أسعار أدواته في أيلول وتشرين الثاني 2025 بمقدار 25 نقطة أساس في كل مرة. لكن انتقال الأثر يتوقف على أسعار البنوك وطبيعة العقود ومواعيد إعادة التسعير. كما أن تخفيض القسط عبر إطالة الأجل قد يخفف الضغط الشهري دون أن يخفض مجموع الكلفة، ولذلك ينبغي تقييم القدرة الشهرية والكلفة الكلية معًا.اجتماعيًا، يمكن أن يكون الاقتراض استجابة لالتزامات يصعب تأجيلها، كالعلاج والتعليم والزواج ومساعدة الأقارب. وقد تؤثر أيضًا توقعات المكانة الاجتماعية والمقارنة بالآخرين في قرارات الإنفاق. لكن اختزال المقترضين في الاستهلاك الاستعراضي يفتقر إلى الدليل؛ فالتمويل الشخصي قد يغطي ضرورة، أو شراء أصل، أو تسوية دين أعلى كلفة. ويتطلب التفسير معرفة الاستخدام الفعلي للأموال، والبدائل المتاحة للأسرة، ومدى انتظام دخلها واستقرار عملها.وهذا يفسر لماذا لا يساوي انخفاض القروض المصنفة استهلاكية انخفاض الاستهلاك الممول بالدين. ففي السنة الأخيرة تراجعت هذه القروض 185 مليون دينار، بينما زادت الشخصية 203 ملايين والبطاقات 76 مليونًا. وارتفع مجموع المكونات الثلاثة من 6.310 مليارات إلى 6.404 مليارات دينار، بنسبة 1.49%. ولا يمثل جمعها تصنيفًا رسميًا للاستهلاك، لكنه يكشف احتمال انتقال التمويل بين الأدوات بدلًا من انحسار الحاجة الاقتصادية إليه.وتستحق البطاقات متابعة خاصة؛ فنمو رصيدها 14.21% سنويًا و8.14% بين الربعين الأول والثاني يتجاوز نمو الإجمالي بوضوح. وقد يعكس ذلك اتساع استخدامها للمدفوعات مع التسديد الكامل، أو زيادة الاعتماد على الدين المتجدد. والفصل بين الحالتين يتطلب معرفة الأرصدة المرحّلة والسحوبات النقدية والتأخر في السداد. فالمرونة مفيدة لتغطية فجوة عابرة، لكنها تصبح مصدر هشاشة عندما تعالج بصورة متكررة عجزًا دائمًا في الموازنة الأسرية.ويبقى بند «أخرى» أكبر قيد على تفسير الزيادة الحديثة؛ فقد ارتفع من 234 مليون دينار إلى 442 مليونًا، مضيفًا 208 ملايين، أي 59.1% من صافي زيادة الإجمالي. وباستبعاده من الفترتين، يبلغ نمو بقية المكونات مجتمعة نحو 1.03% فقط. كما هبط البند من 311 مليونًا في الربع الثالث من 2025 إلى 85.3 مليونًا في الرابع، ثم ارتفع إلى 387 مليونًا في الأول من 2026، ما يستدعي تفسير التسويات والتصنيف.وتستدعي هذه النتائج مراقبة أعمق، لكنها لا تثبت أزمة. فمعدل نمو الرصيد الإجمالي، بمفرده، لا يكفي للحكم على مستوى المخاطر، وحصة تمويل السكن والسيارات مستقرة طويلًا. وفي المقابل، يستحق تسارع البطاقات وتذبذب «أخرى» الفحص. كما تختلف سلامة البنوك عن رفاه الأسر؛ فقد يستمر المقترض بالسداد عبر استهلاك مدخراته أو تقليص إنفاق أساسي، قبل أن يظهر التعثر في المؤشرات المصرفية. لذلك قد تتراكم ضغوط اجتماعية قبل أن تتحول إلى خسائر ائتمانية.وقد بلغ متوسط عبء الدين للمقترضين 43.1% في نهاية 2024، ونسبة الديون غير العاملة بمحفظة الأفراد 5.1%، وفق البنك المركزي. وهما مؤشران تاريخيان لا يقيسان وضع 2026، كما لا يكشف المتوسط تفاوت الأعباء. والأدق متابعة توزيع الأقساط حسب شرائح الدخل، والدخل المتبقي بعد النفقات الأساسية، وتعدد الالتزامات وإعادة الجدولة، والاقتراض لسداد ديون قائمة. فالدين نفسه قد يكون محتملًا لأسرة، ومرهقًا لأخرى.وفي ضوء هذه الضغوط، تكتسب زيادة الرواتب التي وجّهت الحكومة بإدراجها في موازنة 2027، بمقدار 30 دينارًا للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار، أهمية معيشية مباشرة. والأرجح لدى الأسر المقيدة بالسيولة أن تتوزع بين الاحتياجات الأساسية وتسديد الالتزامات، أو تقليل الاستدانة الجديدة. ولذلك أدعو إلى رفعها إلى ما لا يقل عن 100 دينارًا شهريًا للفئات المستهدفة لتصبح أكثر معقولية؛ فهي تعادل 20% من راتب 500 دينار، مقابل 6% للزيادة المقترحة. وهذا مقترح لتحسين أثرها، وليس تقديرًا بأنها تكفي لجميع الأسر، ويستلزم تمويلًا مستدامًا وحماية أثرها من الاستيعاب في أقساط جديدة.فالاختبار الحقيقي لتحسن معيشة الموظف هو أن تتيح له زيادة دخله تلبية احتياجاته بقدر أقل من الاستدانة، وأن يبقى له من راتبه ما يعيش به بعد سداد أقساطه.

المصدر: عمون