شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من الخليج إلى لبنان... كيف تهدّد أزمات المنطقة تحويلات المغتربين؟

من الخليج إلى لبنان... كيف تهدّد أزمات المنطقة تحويلات المغتربين؟

لم تعد اضطرابات الخليج شأناً إقليمياً يتابعه اللبنانيون من بعيد، فهي تصل إلى اقتصادهم من أقصر الطرق. فالمواجهة العسكرية الأوسع، من الحرب على إيران إلى الاعتداءات التي طالت دول مجلس التعاون، تضرب البيئة الاقتصادية التي يعمل فيها مئات آلاف اللبنانيين، وتدفع الشركات الخليجية إلى سياسات تقشف: كلفة أقل، وعقود أقل، ووظائف مهددة، وفي مقدمتها الرواتب المرتفعة التي تغذّي معظم الحوالات. Advertisement ولا يملك لبنان بديلاً. فبعد انهيار 2019 وتراجع القطاع المصرفي والإنتاج المحلي، صار المغتربون الشريان الاقتصادي الأساسي، وصارت حوالاتهم تقوم مقام الدولة في دعم العائلات ومقام الاقتصاد في توفير الدولار. لذلك ينتقل أي اهتزاز في أسواق العمل الخليجية خلال أسابيع إلى الإيجارات والفواتير والأقساط المدرسية، ثم إلى ميزان الدولة والاقتصاد ككل. وتأتي هذه الصدمة لتسلّط الضوء على هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد على الأموال الوافدة من الخارج، في وقت يواجه فيه لبنان أزمات أمنية واقتصادية متشابكة وإصلاحات لا تزال معلّقة. حجم الاعتماد في أحدث أرقامه، قدّر مصرف لبنان تحويلات المغتربين في 2025 بنحو 6.3 مليارات دولار، بعد أن بلغت ذروتها في 2024 عند 6.8 مليارات، أي بتراجع يقارب نصف مليار دولار في سنة واحدة. أما البنك الدولي فقدّر تحويلات 2024 بـ5.8 مليارات. وفي الحالتين تعادل التحويلات قرابة 30% من الناتج المحلي، وتغطي نحو 55% من العجز التجاري، ويأتي حوالي نصفها من دول الخليج. ووصف البنك الدولي هذه الأموال بأنها شبكة الأمان الاجتماعي الفعلية في لبنان. وتتجلى هذه الأهمية حيوياً على مستوى المعيشة اليومي؛ فبعد أن أظهرت مسوح مشتركة سابقة لوكالة ARK وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن 32% من الأسر المتلقية للتحويلات لا يمكنها تغطية نفقاتها الأساسية بدونها، تشير التقديرات الميدانية الأحدث إلى أن هذا الاعتماد قد تعمق بشكل حاد. ومع "الدولرة" الشاملة وارتفاع تكاليف المعيشة، تحوّلت هذه الأموال بنسبة تقارب 100% لتغطية الحاجات الحيوية والملحة، كالغذاء، والطاقة (اشتراكات المولدات)، والطبابة، مما جعل من تحويلات المغتربين شرطاً أساسياً لضمان بقاء واستمرار شريحة واسعة من العائلات وسط الأزمة المتمادية. وتتحدث الأرقام الأخيرة عن 450 إلى 500 ألف لبناني يعملون ويقيمون في الخليج. وهو تقدير غير رسمي، لكنه يعطي فكرة عن حجم القاعدة البشرية التي تعيش عليها عائلات كثيرة. من يتحمل الكلفة؟ تتحمل الأسر الكلفة أولاً، لأن الحوالات تذهب في غالبيتها إلى الإيجار والعلاج والتعليم، وفي جزء منها إلى الاستهلاك والعقارات، بحسب تحليل صندوق النقد وتقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وقليل منها يتحول إلى استثمار منتج. وعندما تتراجع الحوالات ينخفض الاستهلاك مباشرة، ولا يوجد قطاع إنتاجي يعوّض. وتتحمل الدولة الكلفة ثانياً، فإيراداتها تعتمد على الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك والواردات. وكان البنك الدولي قد توقع انكماش الاقتصاد 6.4% في 2026. وفي نيسان الماضي انتقل الوفد اللبناني في اجتماعات الربيع من ملف الإصلاحات إلى طلب تمويل طارئ بين 800 مليون ومليار دولار من صندوق النقد، ووقّع قرضاً بقيمة 200 مليون دولار مع البنك الدولي لشبكة الأمان الاجتماعي. الجانب السياسي قد تسند التحويلات معيشة الأسر، لكنها لا تكفي لبناء اقتصاد. وما يعوّض أي تراجع فيها هو ثقة الخارج واستعداده للاستثمار، وهي ثقة لا تُبنى بالنيات وحدها. فقد أبدت دول عربية عدة، منها الإمارات وقطر والسعودية ومصر والأردن وسوريا، استعدادها لدعم لبنان وفتحت أبواب الاستثمار والشراكات خلال 2026، لكن الأجواء على الأرض لا توحي بجدية كافية لمواكبة هذا الانفتاح. فالمستثمر العربي والأجنبي يبحث أولاً عن بيئة مستقرة وقوانين تحمي الرساميل، وما دامت الوعود لم تُترجم إصلاحات تشريعية وبنيوية ملموسة، فلن تتحرك هذه الدول عملياً ولن تضخ أموالها. داخلياً ايضاً، لم يُحسم مصيرأموال المودعين، ولم يصادق مجلس النواب على قانون الفجوة المالية الذي أقرّته الحكومة في كانون الأول 2025، وأُجّلت الانتخابات النيابية عامين. وتقدّمت الأولويات الأمنية والسياسية، وفي مقدمتها ملف سلاح حزب الله والتفاوض مع إسرائيل، على الإصلاحات. ويأتي ذلك في ظل وضع أمني لم يستقر بعد في الجنوب، إذ يستمر التصعيد بصيغة متقطعة: ضربات متفرقة، وتوغلات، وعمليات تفجير. إن اقتصاداً يدفع أبناءه إلى الهجرة، ثم يعتمد على تحويلاتهم، يهتزّ تلقائياً مع كل اهتزاز في أسواق عملهم. وكسر هذه الدائرة المفرغة لن يتأتّى إلا من الداخل؛ عبر توفير فرص عمل تُبقي الطاقات الشابة، وإقرار إصلاحات حقيقية تستعيد ثقة المودع والمستثمر. وما لم تترجم هذه الأولويات إلى خطط عملية تُقوّي البنية الاقتصادية والاجتماعية، سيبقى لبنان رهينةً لأي صدمة خارجية.

المصدر: لبنان 24