شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

القادري: التصوف دعامة للتأطير الروحي للشباب.. وهذه حقيقة شعرة النبي

القادري: التصوف دعامة للتأطير الروحي للشباب.. وهذه حقيقة شعرة النبي

أكد رزقي كمال الشرقاوي القادري، رئيس وشيخ الطريقة الرازقية الدرقاوية، أن التصوف السني المعتدل يشكل دعامة أساسية للتأطير الروحي والتربوي للشباب، مستحضرا في الحوار التالي مع جريدة هسبريس الإلكترونية دور الزوايا المغربية عبر التاريخ في صيانة الثوابت الدينية والوطنية تحت ظل إمارة المؤمنين.

وشدد محاور هسبريس على أهمية الجمع بين أصالة المنهج المقيد بالكتاب والسنة وتجديد حوامل الخطاب لتلائم لغة جيل اليوم عبر منصات التواصل الحديثة، مسجلا أن الطريقة الرازقية الدرقاوية تعمل من خلال حضورها في المحافل الدولية على تعزيز إشعاع المغرب والتعريف بنموذجه القائم على مؤسسة إمارة المؤمنين، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، وبالرصيد الروحي العريق للمملكة والمرجعية الدينية للمغرب.

وفي تعليقه على الجدل المثار حول احتفاظ الطريقة التي يتولى مشيختها في خزانتها بجزء من شعر النبي محمد، أكد المتحدث ذاته بالفعل هذا الأمر، مدافعا في الوقت نفسه عن شرعية التبرك بآثار الرسول، مبرزا أن “الطريقة تتعامل مع هذه الأمانة الشريفة بوصفها أمانة تستوجب الصيانة والتوقير والتحري في النسبة”.

وهذا نص الحوار كاملا:

أولا، التصوف غالبا ما يُربط في الذهنية الشعبية المغربية بكبار السن والزهاد، كيف كانت بدايتك مع هذا الطريق في سن مبكرة؟

إن القرب من الله لا يختص بمرحلة من العمر، وقد ذكر القرآن فتية أهل الكهف بقوله تعالى: “إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدى”، وجاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله: “وشاب نشأ في عبادة ربه”، كما في صحيح مسلم. فالشباب زمن صالح لغرس معاني الإيمان، وتوجيه قوة الإرادة إلى ما ينفع.

وأنا العبد الفقير المفتقر إلى الباري جل في علاه، أنظر إلى إقبالي المبكر على هذا الطريق بوصفه مسؤولية متجددة في التعلم والتأدب والخدمة، ورعاية ومنة من الباري تعالى على عبدٍ لا حول له ولا قوة، كما صدق في قول أحد الصالحين: “من أدركته العناية، لا تضره أبدا الجناية”.

والحديث عن المشيخة يوجب على صاحبه أن يستحضر ثقل الأمانة قبل شرف الاسم؛ إذ يحتاج من يتقدم لتذكير الناس بدوام محاسبة نفسه، وصدق اصطفاء ربه، وسند إذن شيخه. وما أرجوه هو أن نسهم في تقريب معاني الإحسان من أبناء جيلنا، وأن يعبد الشاب ربه بصدق، ويبر أهله، ويتقن عمله، ويعرف لوطنه حقه. وفي تقديري، هذه هي الثمرة التي تستحق أن تُسأل عنها أي تجربة تربوية، فالعمر يُحصى بالسنين، وأثر التربية يُعرف بما يصل إلى الناس من خير.

كيف ترون الإقبال الشبابي المعاصر على التصوف؟ وهل يشهد التصوف “عودة روحية” لدى جيل الشباب؟

أرى أن سؤال المعنى حاضر وبقوة لدى الشباب، وإن اختلفت لغاته وصوره وتجلياته. وقد يجد الشاب وسائل كثيرة للاتصال، ثم يفتقد من يصغي إليه، ويملك معلومات واسعة، ثم يحتاج إلى ما يجمع شتات قلبه. وهنا نستحضر قول الله تعالى: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”، مع ما يقتضيه الذكر من حضور وصدق واستقامة، وعارف بالله يأخذ بيده إلى بر أمان الإحسان، وصدق معارف الرحمان؛ إذ قال تعالى: “الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرا”.

والتصوف في المغرب له جذور في الذاكرة والمعيش اليومي. فكثير من مدننا وقرانا وأحيائنا يحمل أسماء رجال عرفهم الناس بالصلاح، ونستحضر سيدي سليمان، وسيدي قاسم، ومولاي بوعزة، كما نستحضر ارتباط فاس بالمولى إدريس، وحضور الصالحين في ذاكرة مراكش وسائر جهات المملكة الشريفة. هذه الأسماء تفتح بابا لقراءة ما كان للزوايا والطرق الصوفية ولا يزال، من مكانة في وجدان المغاربة.

لكن الوفاء لهذا الميراث يقتضي أن نثبت نفعه لأبناء اليوم. فكما نحفظ معالمه، نحتاج إلى تجديد وظائفه التربوية والاجتماعية، وإلى تمكين القائمين عليها من أدوات العمل الجاد.

يُنظر للتصوف أحيانا بصفته انزواء وزهدا عن الحياة الدنيا، بينما يحتاج الشباب للعمل والإنتاج.. كيف يوازن التصوف القادري الرازقي بين السلوك الروحي والمشاركة الفاعلة في الحياة؟

يقول الله تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا”. ويقول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز”، وهذان أصلان في الجمع بين حسن الوجهة وحسن السعي.

فالتربية التي نرجوها وندعو لها تعين الطالب على الاجتهاد، والعامل على الإتقان، والتاجر على الأمانة، وصاحب المسؤولية على العدل. فالزهد يهذب علاقة القلب بما يملك الإنسان، حتى تكون النعمة وسيلة خير، ويظل صاحبها قادرا على أداء الحقوق.

وفي طريقتنا القادرية الرازقية، نريد للذكر أن يظهر في المعاملة، وللصحبة أن تثمر تحملا للمسؤولية. فمن حقوق الأسرة النفقة والرعاية، ومن حقوق العمل الأمانة، ومن حقوق الوطن الإسهام في عمرانه. ولهذا أرى أن دعم التربية الجادة استثمار في الإنسان الذي تعتمد عليه بقية جهود التنمية، فالمؤسسات تحتاج إلى كفاءات، وتحتاج معها إلى ضمير يحفظ الأمانة حين يغيب الرقيب.

ما الذي يُميّز السلوك الروحي في الطريقة القادرية الرازقية لجعله جاذبا وقريبا من لغة وفكر شباب القرن الحادي والعشرين الذي أصبح يعبر عن انتظاراته ورؤاه الفكرية غالبا على منصات التواصل الاجتماعي ويجد في الطرق الصوفية “مؤسسات تجاوزها” الزمن الرقمي؟

قرب الخطاب من الشباب يبدأ بحسن فهمهم، وبالصدق معهم، وبإتاحة السؤال دون امتهان لصاحبه. وقد قال الله تعالى: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”، والحكمة تقتضي معرفة المخاطَب، وحسن اختيار العبارة، ومراعاة ما يعيشه من أحوال.

وأصلنا في السلوك واضح، مما عبّر عنه سيدنا الإمام الجنيد بقوله: “علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”. وعلى هذا الأصل نجتهد في تقديم معاني التزكية بلغة مفهومة، تصل العبادة بأخلاق الحياة، وتجعل للمريد نصيبا من العلم والخدمة ومحاسبة النفس، ونعتمد في تربيتنا على التحلّي بمحاسن الأخلاق، ومجاهدة النفس للتخلّي عن مذموم الصفات، رجاء أن يصفو القلب ويتهيّأ لما يفتح الله به عليه من أنوار الهداية والمعرفة، وهو ما يعبّر عنه أهل السلوك بالتجلّي، في أفق التحقّق بمقام الإحسان الذي بيّنه سيدنا رسول الله ﷺ بقوله: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وبهذا تتكامل معاني التحلّي والتخلّي والتجلّي، وتظهر ثمرتها في صدق العبودية وحسن معاملة الخلق.

ونحن لا ندّعي احتكار باب الخير، فالطرق والزوايا المعتبرة لها جهودها، وما نسعى إليه أن نؤدي نصيبنا بأمانة. ونريد للشاب أن يجد في صحبتنا ما يعينه على نضج شخصيته، وحسن صلته بأهله، واستقامة مساره وصدق مراقبة ربه. وأحسب أن من واجب المؤسسات أن تتيح للتجارب التربوية الشابة الجادة فرصة إظهار أثرها، وأن تواكبها بمعايير واضحة، فاستمرار الميراث يحتاج إلى أجيال تحمل معناه وتنهض بأمانته.

في هذا الصدد، ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات والزوايا الصوفية في تقديم خطابها الروحي عبر الأدوات والوسائل الرقمية الحديثة دون الإخلال بأصالة المنهج؟

قال سيدنا النبي: “يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا”، ومن التيسير أن نصل إلى الناس بلغة يفهمونها، وبالوسائل التي يستخدمونها، مع حفظ أمانة العلم وأدب الخطاب.

ويمكن للوسائط الرقمية أن تفتح بابا للتعريف بالقرآن والسنة، وبأعلام المغرب وتراثه، وأن تقرّب معاني الإحسان من أبناء الجالية ومن المهتمين بثقافتنا الروحية. لكنها تحتاج إلى كفاءة في الإنتاج، وتثبت في المعلومة، واحترام لخصوصية الناس. ومن أجمع ما يضبط هذا الباب قوله تعالى: “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ”، فلا ينبغي أن ننشر كل ما يثير الانفعال، أو نختزل التربية في مشاهد منفصلة عن سياقها، أو نجعل عدد المشاهدات دليلا على صحة القول.

كما نطمح إلى محتوى يجمع المعرفة بالسكينة، والجمال بالوقار. وهذا مجال تتجلى فيه فائدة التعاون بين أهل العلم والتربية وأهل الاختصاص التقني، فالمضمون الأصيل يستحق وسائل تحسن تقديمه، والمبادرات الجادة تحتاج إلى تأهيل يضمن جودة حضورها واستمراره.

يواجه الشباب اليوم تحديات الفردانية والأزمات النفسية والقلق حول المستقبل، كيف تسهم “التربية بالصحبة” في بناء مناعة روحية ونفسية لدى المريد الشاب؟
قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ”، وشبّه النبي الجليس الصالح بحامل المسك، كما في الصحيحين، فالصحبة تؤثر في الإنسان بما يراه ويسمعه ويألفه من أحوال.

ومن جميل قول سيدنا ابن عطاء الله السكندري: “لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله”. وهذه كلمة تضع مسؤولية كبيرة على المربّي: أن يكون حضوره معينا على الخير، وأن تدل كلمته على الله، وأن يجد الناس في معاملته ما يصدق نصيحته.

نحن نرجو أن يجد الشاب في الزاوية من يسمعه، ورفقة تعينه على انتظام حياته، ومجالا لخدمة غيره، مع احترام إرادته وخصوصيته وصلاته الأسرية. والصحبة التي نعتز بها تنمي المسؤولية، وتحفظ للمريد قدرته على السؤال والاختيار.

ومن الأمانة كذلك أن نعرف حدود دورنا، فلا ننسب كل معاناة إلى ضعف الإيمان، ولا نستبدل الرعاية النفسية أو الطبية بالموعظة. وحين يحتاج الإنسان إلى مختص، يكون توجيهه إليه من حسن القيام بحقه. فالرحمة تقتضي الأخذ بالأسباب المناسبة لحاله.

من وجهة نظركم وتجربتكم، هل يمكن للتصوف المعتدل أن يشكل فعلا حصنا وفكرا وقائيا للشباب ضد الغلو والتطرف من جهة، وضد الإلحاد والفراغ الروحي من جهة أخرى؟

قال النبي محمد: “هلك المتنطعون”، كما رواه مسلم. وقال تعالى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطا”، وبالتالي فإن التربية على الاعتدال تحتاج إلى علم يضبط الفهم، وصحبة تهذب النفس، وقدوة تحترم حرمة الإنسان. ومن معاني التزكية أن يتعلم المرء محاسبة نفسه، وكف الأذى، والتواضع للحق. وهذه المعاني يمكن أن تسهم في مقاومة التعصب والاستعلاء وتبرير العنف.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نميز بين التطرف المؤذي وبين السؤال الفكري أو الشك الديني، فلكل حالة خطابها، والشاب المتسائل يستحق أن يُسمع ويُحاور بعلم وأدب. وقد أمر الله بالمجادلة بالتي هي أحسن، وجعل الإكراه منفيا عن الدين.

وفي المغرب، نرى عملنا الروحي والتربوي في ظل إمارة المؤمنين، وفي التكامل مع المؤسسات العلمية والدينية، وخدمة الثوابت الجامعة للأمة. ونرجو أن تحظى التربية الوقائية بما تستحقه من عناية مستمرة، فبناء الثقة وصيانة الروابط الإنسانية عمل يحتاج إلى زمن وحضور ومواكبة.

والزاوية المؤتمنة تستطيع أن تسهم في هذا الحضور، بما تقيمه من صلات قريبة، وما تغرسه من احترام للعلم والخلق وحرمة الاختلاف.

هل تعتقدون بأن التصوف قادر اليوم في ظل التغيرات المجتمعية والظروف الحالية سواء على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي أو حتى القيمي على تقديم أجوبة على مختلف الأسئلة التي يطرحها الشباب المغربي؟

هو بكل صدق أن التصوف يمد الإنسان بأخلاق النظر والسعي، ويعينه على فهم مسؤوليته، أما تفاصيل الاقتصاد والصحة والتعليم، فلها أهل اختصاصها. ومن كمال الأدب أن نعرف حدود ما نحسن، وأن نتعاون فيما ينفع.

فقد قال الله تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى”، وقال سيدنا النبي: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”، وفي هذا المعنى نرى أن التربية تكتمل بالخدمة، وأن للمقاصد الروحية مقتضيات عملية من تعليم وإيواء واستقبال ورعاية.

ومن هنا يأتي مشروعنا الديني الروحي بإقليم برشيد باعتباره صرحا دينيا هاما يجمع مسجدا ومدرسة قرآنية وغيرهما، على أرض مساحتها هكتاران، وبمساحة مبنية إجمالية تتجاوز الأربعة آلاف متر مربع. نرجو أن يكون وعاء مستقرا للعبادة والتربية الصوفية والتعلم واللقاء النافع، وأن تمتد منفعته إلى محيطه وإلى من يفد عليه.

ونعتز بما يوليه حضرة مولانا أمير المؤمنين، راعي شؤون الطرق الصوفية وما يتعلق بها من أمور الزوايا والأضرحة، حفظه الله وأدام على طول الدوام نصره، من عناية بخدمة القرآن وبيوت الله وأهل الله، وصيانة ثوابت المملكة. ورجاؤنا أن يحظى هذا المسعى بنصيبه من كريم النظر وجميل العناية، وأن نكون أهلا لما نتطلع إليه بحسن العمل وصدق الوفاء.

كما نقدّر مسؤولية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وما ينهض به السيد الوزير من أمانة في هذا المجال، ونتطلع إلى مواكبة تعينُ المشروع على أداء رسالته. فالمبادرات التي تجمع وضوح المقصد، وجدية الإعداد، وقابلية النفع، جديرة بأن تجد سبيلها إلى التنفيذ في وقت مناسب، ضمن الضوابط المرعية.

أنتم كطريقة أثير حولكم وشخصكم الكثير من الجدل حول تصريح متداول قيل فيه بتوفركم على خصلة من شعر النبي محمد، ما صحة ما قيل وما صحة هذه الشعرة “المباركة”؟

نعم، تحتفظ زاويتنا، ضمن خزانتها الرازقية، بخصلة نبوية شريفة من شعر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم. ولها سندها الذي نعتمده في إثبات نسبتها إلى سيدنا رسول الله. وقد وقع، في تقديرنا، سوء فهم لما قيل في هذا الموضوع، واتُّخذ أحيانا مادة للإثارة، مع أن مقتضى المقام هو التثبت والإنصاف وحسن الأدب.

وأحب أن أوضح أمرين: أولهما أصل التبرك بآثار سيدنا النبي محمد، وثانيهما ثبوت نسبة أثر بعينه إليه. فأصل التبرك له شواهده الصريحة في الصحيحين، وأما النسبة فتُبحث بالنظر في السند وما يتصل به من شواهد النقل والحفظ. وهذا تمييز نحرص عليه، لأن تعظيم مقام النبوة يقتضي التحري فيما يُنسب إليه.

ففي صحيح مسلم، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي أعطى أبا طلحة من شعره بعد الحلق، وقال له: “اقسمه بين الناس”، وهذه واقعة ثابتة تُبيّن أن تداول الصحابة رضي الله عنهم لشعره الشريف كان بعلمه وتوجيهه، عليه الصلاة والسلام. وفي صحيح البخاري أيضا، خبر احتفاظ سيدتنا أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها بشعرات من شعر سيدنا النبي، وإرسال الناس إليها الماء عند إصابتهم بعين أو غيرها، طلبا لبركة الأثر الشريف، وقد بيّن شُرّاح الحديث معنى ذلك.

وروى البخاري أيضا أن ابن سيرين أخبر عبيدة السلماني بأن عندهم من شعر النبي، فقال عبيدة: “لأن تكون عندي شعرة منه أحب إليّ من الدنيا وما فيها”. وهذا قول تابعي جليل، يكشف مقدار ما كان لهذه الآثار من منزلة في نفوس أهل الإيمان.

فالتبرك بما ثبت من آثاره صلى الله عليه وسلم له أصل معتبر، مع اعتقاد أن البركة من الله وحده، وأن النفع والضر بيده سبحانه، ومحبة الأثر تستدعي محبة صاحبه، واتباع سنته، والتأدب بأخلاقه، يقول تعالى: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ”. أما ما نحتفظ به، فنتعامل معه بوصفه أمانة تستوجب الصيانة والتوقير والتحري في النسبة. والسؤال العلمي عن سنده سؤال مشروع، وله مقامه لدى أهل الاختصاص، ولا نرى أن صدق المحبة يعفي أحدا من التثبت، بل يزيده حرصا عليه.

وفي هذا السياق، فقد تشرّفنا برفع شيء من هذه الشعرات الشريفة إلى المقام العالي بالله، مولانا أمير المؤمنين، سبط النبي الأمين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بواسطة الحجابة الملكية، تعبيرا عن خالص المحبة والولاء، وتوقيرا لما يجتمع في مقامه من أمانة إمارة المؤمنين وشرف الانتساب إلى البيت النبوي الكريم. ونقف في بيان هذه المبادرة عند ما صدر من جهتنا، ملتزمين ما يقتضيه المقام من أدب وتحفظ.

ونرجو أن يُتناول هذا الموضوع بما يستحقه من علم ووقار، فمن حق الناس أن يستوضحوا، ومن واجبنا أن نبيّن، ومن حق الحقيقة علينا جميعا أن تُطلب بالتثبت والإنصاف.

أخيرا، شاركت الطريقة الرازقية القادرية في مجموعة من الأنشطة الدولية سواء في أوروبا أو الهند أو تركيا أو غيرها، على ماذا تراهنون من خلال هذه المشاركات الدولية؟

ننظر إلى هذه الصلات باعتبارها أمانة في التعارف والتواصل وخدمة المعاني المشتركة، والتعارف يثمر حين يتجاوز المجاملة إلى تبادل العلم والخبرة، وتعميق الاحترام، والتعاون فيما ينفع الإنسان.

ولنا، بحمد الله ومنه، صلات ولقاءات مع أهل العلم والتصوف ومحبي ومريدي طريقتنا في تركيا والهند والعراق وبلدان أوروبية وغيرهم، تختلف طبيعتها من بلد إلى آخر، ويجمعها التعلق بالمحبة النبوية والتربية على الإحسان. ونحرص على أن تحمل هذه العلاقات أثرا طيبا عن المغرب، بما يظهر في خطابنا ومعاملتنا من اعتدال ووفاء وأدب.

والمغرب يحمل ميراثا روحيا وعلميا تتجاوز آثاره حدوده الجغرافية، ومن مسؤولية المنتسبين إلى هذا الميراث أن يحسنوا التعريف به. وحين نتحدث مع مريدينا وإخواننا في الخارج عن تجربتنا، نستحضر ما يجمع عليه المغاربة من إمارة المؤمنين، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، ونبيّن كيف تجتمع محبة الوطن مع الانفتاح على الناس واحترام خصوصياتهم.

ونعي في ذلك حدود صفتنا، فنحن نتحرك من موقعنا الروحي والتربوي، ونرجو أن تكون صلاتنا معينا على التعارف وحسن الفهم. فالثقة التي تنشأ بين الناس عبر صحبة صادقة ولقاء علمي متزن يمكن أن تفتح للمغرب أبوابا من التقدير يصونها الوفاء، ويعمقها استمرار التواصل.

وطموحنا أن تتطور هذه العلاقات إلى برامج واضحة: زيارات علمية متبادلة، ولقاءات للتعريف بالتراث المغربي، ومحتوى بلغات مختلفة، وفرص للتواصل مع الشباب وأبناء الجالية. وهذه آفاق تحتاج إلى إعداد وكفاءات ومواكبة مؤسسية، حتى تكون ثمرتها مستمرة وقابلة للتقييم.

ومن هنا سعت الطريقة ولا تزال إلى تعاون أوثق مع مؤسسات التأطير الديني، على رأسها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمؤسسات المعنية، في نطاق اختصاص كل جهة، فالعناية بالمبادرات الروحية الجادة، حين تقترن بوضوح المقصد وحسن التأطير، تعينها على خدمة إشعاع المملكة بما يليق بها. وفي النهاية، نزن حضورنا الدولي بما يبقى بعد اللقاء: معرفة تصحّح تصورا، ومودة تصل بين مجتمعين، وشاب يزداد صلة بقيمه، وتعاون يثمر نفعا. تلك هي الثمرة التي نسأل الله أن يبارك لنا فيها.

The post القادري: التصوف دعامة للتأطير الروحي للشباب.. وهذه حقيقة شعرة النبي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس