استقرار السعودية والخليج: دفاع عن مستقبل المنطقة
م. سعيد المصري ما تتعرض له السعودية ودول الخليج من تهديدات أمنية واستنزاف اقتصادي يتجاوز حدودها الوطنية، ويمس مستقبل الاستقرار والتنمية في المنطقة بأسرها. فاستهداف منشآت الطاقة والمطارات والملاحة وثقة المستثمرين يطال قدرة الدول على حماية مجتمعاتها، وتمويل تنميتها، وممارسة قرارها السيادي. وحين تصبح هذه المقومات تحت الضغط المستمر، يصبح أمن المشرق العربي واقتصاده جزءًا مباشرًا من دائرة الخطر.من هنا أنظر إلى التهديدات التي تواجه السعودية: باعتبارها اعتداءً على استقرار دولة عربية محورية، وعلى قدرتها على أداء دور تحتاج إليه المنطقة. فالسعودية، بما تمتلكه من ثقل عربي وإسلامي واقتصادي، تمثل ركيزة يصعب تعويضها. وإنهاكها، إلى جانب بقية دول الخليج، يضعف إحدى أهم القدرات العربية على الاستثمار ودعم التعافي وإعادة الإعمار.الهجمات التي طالت مطار الرياض ومقر أرامكو ومنشآت سعودية حيوية تكشف خطورة استهداف البنية التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية. وقد وثقت رويترز إصابة مقر أرامكو في أكتوبر وسقوط قتلى في هجوم على مطار الرياض. ورغم الردود العسكرية السعودية واعتراض الصواريخ والمسيّرات، فإن استمرار الاعتداءات يفرض سؤالًا ملحًا حول كفاية الحماية وفعالية الردع. فالأمن يُقاس بقدرة الناس على مواصلة حياتهم، والمنشآت على أداء وظائفها، والاقتصاد على العمل دون تهديد متجدد.وتكمن قسوة هذه المواجهة في اختلال كلفتها. فالدولة التي تبني المطارات والموانئ والمصانع والمدن وتستقطب الاستثمارات تحتاج إلى حماية شبكة واسعة من الأصول، بينما يستطيع المعتدي إحداث أضرار كبيرة بوسائل أقل كلفة. ومع تكرار الهجمات، يتجاوز الضرر المباني والمعدات إلى قرارات الاستثمار والتأمين والنقل والتوظيف، ويصبح الخوف نفسه عبئًا على الاقتصاد.وقد ظهر جانب من هذا الأثر مع إعلان تأجيل مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار إلى عام ٢٠٢٧ بعد الهجمات الأخيرة. فهذا التأجيل يمس منصة رئيسية لاستقطاب رؤوس الأموال، ويبين كيف ينتقل التهديد الأمني إلى قلب مشروع التنمية.ولا يوفر ارتفاع أسعار النفط تعويضًا تلقائيًا عن هذه الخسائر. فالعائد الفعلي يتوقف على انتظام الإنتاج والتصدير وكلفة الشحن والتأمين وقدرة المشترين على الاستمرار. وقد وثقت التغطيات الاقتصادية ارتفاع تكاليف النقل والضغوط على منتجي المنطقة لتقديم خصومات للاحتفاظ بأسواقهم. إن الثروة التي يصعب إنتاجها أو نقلها بأمان تتعرض للاستنزاف، مهما ارتفع سعرها المعلن.وتزداد خطورة المشهد عندما تتحمل دول الخليج تبعات مواجهات لا تنفرد بقرار إشعالها أو وقفها. فالضربات الإيرانية التي طالت منشآت الطاقة الخليجية بعد استهداف منشآت الغاز الإيرانية تكشف استخدام المصالح الحيوية لدول الجوار في معادلة الرد على الخصوم. ولا يمنح الخلاف مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أي طرف حق تحويل أرض الخليج واقتصاده وسلامة سكانه إلى ساحة لتصفية الحسابات.وفي المقابل، تكشف حدود الاستجابة الأمريكية فجوة بين عمق الشراكات المعلنة وكفاية الحماية المقدمة. فاستمرار التعاون الاستخباري، مع الإحجام عن توسيع التدخل العسكري الذي تطلبه الرياض، يترك سؤالًا مشروعًا حول مضمون الشراكة ساعة الخطر. ومن حق السعودية ودول الخليج أن تنتظر من شركائها التزامًا بأمنها يتناسب مع حجم المصالح والعلاقات التي تجمعهم بها.وفي تقديري السياسي، فإن استمرار هذا الانكشاف يتيح توظيف الحاجة إلى الحماية للضغط على استقلال القرار الخليجي، وفي مقدمة ذلك دفع السعودية نحو ترتيبات تطبيع لا تختار شروطها بحرية. ويعزز هذا القلق حديث الرئيس ترامب في ١٦ أكتوبر عن المساعدة الإسرائيلية للسعودية وربطه بعودة التطبيع إلى الطاولة. وهو تصريح يعبر عن الموقف الأمريكي، لكنه لا يثبت قبول السعودية بهذه المقايضة.وأرى أن تنامي النفوذ الإسرائيلي في الخليج العربي، تحت المظلة الأمريكية وعبر قنوات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، يستوجب الانتباه إلى أثره على استقلال القرار وترتيب الأولويات. فالخطر، من وجهة نظري، أن تصبح الحماية مدخلًا لانتزاع تنازلات سياسية، وأن تتراجع قدرة دول الخليج على بناء موقف جماعي تحكمه مصالحها وسيادتها والتزاماتها العربية.وأنا أقرأ هذا المسار بوصفه استهدافًا تآمريًا لاستقلال السعودية والخليج وقدرتهما على الفعل، وأتحمل مسؤولية هذا التوصيف باعتباره موقفًا سياسيًا. ولا يعني ذلك أنني أثبت وجود غرفة عمليات واحدة تدير جميع أطراف الصراع؛ فقد تتقاطع مصالح قوى متخاصمة في إنهاك المنطقة، وقد يستثمر طرف اعتداءات طرف آخر لتحقيق مكاسب لم يكن قادرًا على انتزاعها في ظروف الاستقرار. صناعة الأزمة واستثمارها مساران مختلفان، لكن نتائجهما قد تتراكم على الدولة والمجتمع نفسيهما.أما اتفاق مكة، فإن قيمته ينبغي أن تظهر في حماية ملموسة. وقد أفادت رويترز ببدء تقديم دعم تركي تقني ودفاعي شمل معدات ومعلومات، مع قيود تتصل باستكمال الإجراءات الداخلية التركية. وهذه استجابة يجب البناء عليها، لكن معيار النجاح يبقى تقليص قدرة المعتدي على تكرار الهجمات، وتأمين المنشآت والإمدادات، ورفع كلفة الاعتداء.وتحتاج هذه الحماية أيضًا إلى تماسك خليجي يعالج الخلافات ويمنع تحولها إلى ثغرات ينفذ منها الآخرون. فالتباينات في الملفات الإقليمية لا يجوز أن تحجب حقيقة أن أمن دول الخليج مترابط، وأن إضعاف أي دولة منها يوسع مساحة الضغط على الجميع. المطلوب إرادة مشتركة تحول هذا الترابط إلى تعاون دفاعي واقتصادي ودبلوماسي فعلي.لكن ما يشغلني، من موقع أردني ومشرقي، أن فاتورة إنهاك الخليج لن تبقى فيه.إن اقتصادات بلاد الشام والعراق تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، وإلى استثمارات وأسواق وشبكات نقل وطاقة وتمويل تتيح لها التعافي وخلق فرص العمل. وفي تقديري، فإن استنزاف الموارد الخليجية في الحماية وإصلاح الأضرار، وإضعاف ثقة المستثمرين بالمنطقة، سيحدان من قدرة الخليج على الإسهام في هذا التعافي. وكل فرصة تنموية تضيع في الخليج قد تعني فرصة أخرى تضيع في المشرق.والأردن في مقدمة الدول التي ينبغي أن تنظر إلى هذا الخطر باعتباره مسألة مصلحة وطنية مباشرة. فاقتصادنا يعاني أصلًا من تبعات أزمات إقليمية ممتدة، تضغط على الاستثمار والتجارة والسياحة وفرص العمل. ومن خلال روابط العمل والتحويلات والأسواق والاستثمار، يمكن لأي إنهاك اقتصادي طويل في الخليج أن يضيف أعباء جديدة إلى الاقتصاد الأردني ويضيق خياراته التنموية.ولهذا، فإن وقوف الأردن مع السعودية وكافة دول الخليج ضرورة استراتيجية، وواجب أخوي، ودفاع عن مصالحه ومستقبله في آن واحد. وينبغي أن يتجسد هذا الموقف في رفض الاعتداءات على أراضيها ومنشآتها، وإسناد جهود حماية استقرارها، والعمل الدبلوماسي لوقف التصعيد، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني وفق المصالح المشتركة والقدرات الوطنية.ولا يعني هذا الموقف الدفع نحو حرب أوسع؛ فالمصلحة الأردنية والعربية تقتضي وقف استنزاف المنطقة وحماية دولها، وفتح مسار سياسي لا يكافئ الاعتداء ولا يفرض على المعتدى عليه التنازل عن سيادته. إن دعم السعودية والخليج ينبغي أن يجمع بين وضوح التضامن وجدية العمل لوقف الحرب، لأن استمرارها يبدد الموارد التي تحتاج إليها شعوبنا للتنمية.كما أن استعادة الدور السعودي والخليجي الفاعل في المنطقة يجب أن تكون هدفًا عربيًا مشتركًا. فنحن نحتاج إلى هذا الدور شريكًا في التعافي وإعادة الإعمار، وفي بناء الممرات الاقتصادية وربط الأسواق ودعم الإنتاج والتشغيل في بلاد الشام والعراق. وكلما استعاد الخليج أمنه وثقته وقدرته على الاستثمار، اتسعت فرص المنطقة في الخروج من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد التنمية.وقناعتي أن المؤامرة التي أرى السعودية والخليج يتعرضان لها ستمس مستقبل المنطقة كلها إذا استمر هذا الاستنزاف. وما أصفه بالمهزلة التآمرية هو أن تُضرب مقومات الاستقرار، ثم تتحول الحاجة إلى حمايتها إلى باب للمساومة السياسية؛ وأن تُستنزف ثروات المنطقة في مواجهة أخطار متجددة، بينما تتراجع فرص شعوبها في العمل والتنمية والأمان.إن خطورة هذا المسار تمس مقومات وجود الدول ووظائفها: قدرتها على حماية حدودها، وتأمين خدماتها، وصيانة اقتصادها، والحفاظ على سيادتها. وحين تصبح هذه المقومات عرضة للإنهاك المنظم، فإن مستقبل المجتمعات نفسه يدخل دائرة التهديد.لذلك، فإن الدفاع عن استقرار السعودية والخليج هو دفاع عن استقرار الأردن وبلاد الشام والعراق. وأمن الخليج مصلحة عربية مشتركة، واستعادة دوره ضرورة لمستقبل إقليمنا. ومن واجبنا أن نقول بوضوح: سيادة دولنا ليست ثمنًا للحماية، وثروات شعوبنا ليست وقودًا لحروب الآخرين، ومستقبل المنطقة لا يجوز أن يبقى رهينة الاستنزاف والابتزاز.
المصدر: عمون