الوجه الآخر لتحلية المياه: أين يذهب الملح؟
حين تتحول مياه البحر إلى ماء للشرب، لا يختفي الملح، إنما يبقى في محلول أشد تركيزاً، يعود معظمه إلى البحر. هنا تبدأ الكلفة البيئية لتحلية المياه. فكيف نحمي الأمن المائي من دون تحميل النظم البحرية فاتورة التحلية؟ وهل يحوّل استخراج المعادن هذا العبء إلى مورد اقتصادي؟
قدّرت دراسة دولية منشورة في عام 2019 إنتاج الرجيع الملحي عالمياً بنحو 142 مليون متر مكعب يومياً، مقابل 95 مليوناً من المياه المحلاة. واستأثرت السعودية والإمارات والكويت وقطر بنسبة 55% من الرجيع العالمي. وهذه أرقام مرجعية تاريخية، وليست إحصاءً محدثاً للطاقة التشغيلية الحالية.
تصريف الرجيع الملحي: ماذا يحدث للبيئة البحرية؟
تنتج التحلية مياهاً مركزة بالأملاح، قد تحمل أيضاً بقايا مواد التعقيم ومضادات الترسب، وتكون أكثر حرارة عند استخدام التقنيات الحرارية. ولأن الرجيع أشد كثافة، يمكن أن ينتشر قرب القاع، حيث تتعرض الأعشاب البحرية والكائنات القاعية والشعاب لضغط إضافي، خصوصاً في المواقع ضعيفة التجدد المائي.
لا يتحدد الضرر بكمية الملح وحدها، بل بتركيزه ومدة التعرض والتيارات وحساسية الأنواع. ففي تجربة على مرجان خليج العقبة، أدى التعرض لزيادة ملوحة قدرها 10% مع مضادات الترسب إلى تضرر المرجان وحدوث ابيضاض جزئي؛ وانخفضت معدلات التكلس بنحو 40–50%. لكنها نتائج تجريبية، لا نسبة خسائر تنطبق على جميع المحطات.
وفي الخليج، ينبغي التمييز بين الضرر قرب المصبات والتغير على مستوى الحوض. فقد خلص نموذج منشور في "ساينتيفيك ريبورتس" في عام 2022 إلى أن تبادل المياه عبر هرمز يحد من تراكم الملوحة الواسع. وهذا لا ينفي مخاطر التصريف الموضعي، إنما يؤكد أهمية اختيار الموقع وتصميم الناشرات والمراقبة المستمرة.

تكلفة معالجة الرجيع: لماذا يرتفع الثمن؟
أبسط الحلول تحسين الخلط والتخفيف، لكنه يوزع الأملاح ولا يزيلها. أما استعادة مزيد من الماء فتتطلب أغشية وضغوطاً أعلى، أو تبخيراً وبلورة للوصول إلى "التصريف السائل الصفري"، حيث تتحول البقايا إلى مواد صلبة تحتاج بدورها إلى تسويق أو التخلص الآمن.
توضح دراسة في "نيتشر ووتر" في عام 2024، قارنت 75 تصميماً، إمكان استرداد ما يصل إلى 98.6% من ماء الرجيع في بعض السيناريوات، لكن بمقايضات كبيرة بين الطاقة والكلفة والمساحة. ولا يعني ذلك استرداداً بهذه النسبة في كل محطة، أو معالجة مجانية بفضل بيع الأملاح.
وتورد دراسة استهلاكاً لبعض مركزات الرجيع يبلغ 20–39 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب ماء مقطر؛ وعند افتراض عشرة سنتات للكيلوواط ساعة، تبلغ الكهرباء وحدها 2–3.9 دولارات، قبل احتساب باقي التكاليف الرأسمالية والتشغيلية.
وتشمل الفاتورة الاستثمار الأولي والكهرباء والمواد الكيميائية واستبدال الأغشية ومقاومة التآكل ونقل الرواسب. لذلك، لا سعر عالمي موحداً للمتر المكعب المعالَج: تختلف النتيجة باختلاف الملوحة وسعر الطاقة وحجم المنشأة وكلفة التصريف البديل. وقد تجعل الحرارة المهدورة والطاقة النظيفة المعالجة أكثر جاذبية، بينما يرفع الاعتماد على الوقود بصمتها الكربونية.
فرص خليجية وتجارب عالمية
في السعودية، تعرض جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا مساراً تجريبياً لتحويل الرجيع إلى هيدروكسيد المغنيسيوم، ثم كلوريده، وصولاً إلى المعدن. وتذكر الجامعة قدرة تصل إلى 750 طناً سنوياً في المشروع التجريبي؛ وهي دلالة على تقدم تقني، وليست برهاناً مستقلاً على ربحية التوسع التجاري.
#Quote#
وفي أوروبا، اختبر مشروع "SEA4VALUE" تقنيات استرجاع المعادن في مختبر متنقل بتينيريفي الإسبانية، وحلل 123 عينة رجيع. وأعلن إثبات الجدوى التقنية، بما يمهد للتطبيق الصناعي؛ لكن نجاح الفصل لا يضمن وحده منافسة الخامات التقليدية.
العقبة الاقتصادية واضحة: كلوريد الصوديوم وفير، لكن قيمته منخفضة وتكاليف تنقيته ونقله قد تلتهم العائد. والمغنيسيوم أوفر حظاً في تطبيقات محددة، بينما يصطدم الليثيوم بندرة تركيزه وتنافس الأيونات وصعوبة الفصل الانتقائي. كذلك لا تتحول الأملاح المختلطة تلقائياً إلى منتجات بالمواصفات الصناعية.
وتقتضي الجدوى مقارنة إيرادات المبيعات والمياه المستردة وكلفة التصريف المتجنبة، بجميع نفقات الاستخراج والتنقية والطاقة والتسويق. ومن دون مشترين وعقود مستقرة، قد يستبدل المشروع مشكلة الرجيع بمخزون أملاح لا يجد سوقاً.
المطلوب أخيراً معالجة تلائم الموقع: تقليل الضرر البحري أولاً، واسترجاع الموارد حيث تثبت الأرقام فائدته. فالتحلية المستدامة لا تُقاس بالماء الخارج من المحطة وحده، بل بما تتركه وراءها أيضاً.
المصدر: النهار