الروبوتات الشبيهة بالإنسان... تصاميم مستقلة ومتعددة الأغراض
يُلوّح لي الروبوت، فأُلوّح له بتردد. وأُحدق في وجهه الأسود الزجاجي ولا أستطيع تماماً أن أُدرك ما إذا كان يستجيب فعلاً لما أفعله، أم يتبع أوامر من مشغّله الواقف على بُعد خطوات... أمدّ يدي إليه، فيُعيد الإيماءة ذاتها، وحين أحاول أن أصافح يده المكسوة بقفاز، فإن ذراعه لا تتحرك. أنا أعيش الآن في حديقة «غالاكسي روبوت بارك» في كوريا الجنوبية، تجربة المستقبل - أو على الأقل رؤية لما قد يكون عليه. حتى الآن، شاهد الملايين مقاطع مصورة متداولة عن الروبوتات الشبيهة بالإنسان. وفي أفضل حالاتها فإنها تكسر أرقاماً عالمية في الألعاب الرياضية وتُؤدي رقصات متزامنة ومعقدة. أما في أسوأ حالاتها، فهي تصطدم برأسها في الجدران وتشتعل فيها النيران. وقد أقدم بعضها على ركل الأطفال وصفعهم عن غير قصد. وتتمثل الوعود بشأن هذه الروبوتات في أنها ستتمكن يوماً من التصرف كالبشر. ويراها كثيرون التجسيد الأمثل لثورة الذكاء الاصطناعي. لكن إلى أي مدى نحن قريبون من ذلك المستقبل؟ وأي دور نريد أن تؤديه الروبوتات فيه؟ تُقدم هذه الحديقة في سيول التي افتتحتها شركة «غالاكسي كورب» للترفيه والتكنولوجيا، الممثلة لكبار نجوم موسيقى البوب الكورية، في صيف العام الحالي - رؤية واحدة تُخفف فيها الروبوتات أعباءنا، إذ إنها تُرفه عنا، وترقص إلى جانبنا، وتكون رفقاءنا. ويوحي هذا المكان بأن ذلك المستقبل بات على الأبواب. وفي صميم هذه الرؤية تقف شركة «يونيتري روبوتكس» Unitree Robotics الصينية، فهي العقل المدبّر وراء الروبوتات الشبيهة بالإنسان التي تظهر في أغلب مقاطع الفيديو المتداولة، والعرض الأكثر جذباً في الحديقة. ويُعدّ طراز «جي 1» G1 الرائد من إنتاج شركة «يونيتري» من أكثر الروبوتات الشبيهة بالإنسان توفراً في العالم. وبسعر يبلغ نحو 13500 دولار، فهو من الخيارات الأكثر تحمّلاً، مقارنة بنماذج بعض الشركات التي تتجاوز أسعارها مئات آلاف الدولارات. ويعلو أرضَ الحديقة تمثالٌ للروبوت «جي 1» يرتدي زيّ رائد فضاء. في لفتة لا تخلو من بلاغة مُثيرة للحيرة: لماذا يحتاج روبوت إلى بدلة فضاء؟ يبدو الأمر انعكاساً لجانب جوهري في صناعة الروبوتات الشبيهة بالإنسان، ألا وهو التنافر بين الرؤية والواقع، بين شكل يوحي بالذكاء وأجساد لا تزال تفتقر فعلياً إلى أي ذكاء حقيقي. لقد صارت الآلات تُجمّع المنتجات في المصانع، وتُقدّم لنا الطعام، وتُنظف أرضياتنا بالمكانس الكهربائية، بينما تنقلنا السيارات الآلية من مكان إلى آخر. ويُشارك الناس في برامج تلفزيون الواقع ليروا إن كان بمقدورهم الوقوع في الحب مع رفيق مدعوم بالذكاء الاصطناعي. غير أن الحدود القصوى التالية تتمثل في روبوتات قادرة على فعل ما نريده، متى أردنا، وباستقلالية تامة. ولتحقيق هذا الغرض، يتخيّل كثيرون روبوتات تبدو كالبشر، على افتراض أنها الأنسب للتنقل في عالم صُمم خصيصاً للإنسان. ويحمل هذا الشكل أيضاً دلالة خاصة، وإيحاء بالوعي الذي كان حتى وقت قريب حكراً على الخيال العلمي. يقول جون ماكورميك، الفنان والأستاذ في جامعة «سوينبرن» للتكنولوجيا في أستراليا الذي يعمل على برمجة روبوتاته الخاصة من إنتاج شركة «يونيتري»: «ثمة كمية كبيرة من الاحتمالات التي يتصورها الكثيرون منا في أذهانهم حول أعمال هذه الروبوتات الشبيهة بالإنسان». وتتعزّز هذه الإمكانية حين نرى الروبوتات ترقص بسلاسة تشبه الإنسان، كما فعلت روبوتات «يونيتري» في برنامج «أميركا غوت تالنت» أو في حفل رأس السنة القمرية الصيني. غير أن مثل هذه العروض تُولّد توقعات غير واقعية بشأن قدرات هذه الروبوتات، وفق ما أفاد ماكورميك، مُضيفاً أن حركاتها تبدو معقدة، لكنها لا تزال في معظمها تتبع برمجيات مُحددة مسبقاً. كما قد تكون هذه الروبوتات أقل إبهاراً في البيئات التجارية، مقارنة بالعروض المُتقنة التي تخضع لبرمجة دقيقة ومحيط تسوده سيطرة مُحكمة، وهو ما أدركته وأنا أتابع العرض الرئيسي في «حديقة غالاكسي للروبوتات»: مشهد استعراضي من الرقص والفنون القتالية يمتد لمدة 50 دقيقة ويُقدمه 10 روبوتات شبيهة بالإنسان. وبصفة عامة، لم يكن العرض مبهراً بالمستوى ذاته الذي بلغه حفل رأس السنة القمرية في الصين، حيث أدّت روبوتات «يونيتري» حركات بهلوانية متواصلة. ويُرجّح آلان فيرن، أستاذ الروبوتات في جامعة ولاية أوريغون، أن ذلك يعكس الفارق بين الفعاليات الاستثنائية التي تُكرّس الشركة جميع مواردها لصقلها وإتقانها، وما تستطيع هذه الروبوتات تقديمه في البيئات التجارية التي تستلزم عروضاً متكررة يومياً. وأضاف: «إن كنت ستجعل هذه الروبوتات تؤدي حركات بهلوانية مثل الشقلبة الخلفية وسواها من الحركات الصعبة، فسوف تكسر المزيد من الروبوتات، وسيكون أمراً مُكلفاً للغاية». وفي الوقت الراهن، يمكن إنجاز أي مهمة عملية، نود أن يُؤديها روبوت شبيه بالإنسان، بصورة أفضل بواسطة آلة أكثر تخصصاً وأقل شبهاً بالإنسان. فروبوت التجميع في المصنع، على سبيل المثال، لا يحتاج إلى أرجل أو وجه. وكان هذا جليّا في حديقة غالاكسي للروبوتات، حيث تكون الآلات الأكثر فائدة هي الأقل تشبهاً بالإنسان. لقد طلبت مشروب كوكتيل من نادل يتألف من ذراعين مثبّتتين على كرة ضخمة. وكانت الذراعان تضخّان جرعات من عصير البرتقال وعصير اليوزو في وعاء، وترجها لمزج المكونات. والمشروب الناتج يخرج بدرجة حرارة الغرفة، وذي طعم قوي للغاية. لكن في مرحلة ما من المستقبل، لن يكون من المجدي اقتصادياً بناء روبوت متخصص لكل سيناريو محتمل، حسبما قال فيرن، مُضيفاً أن الهدف هو صنع روبوتات مستقلة ومتعددة الأغراض وغير مثالية في تنفيذ مهمة واحدة، وإنما جيدة بما يكفي في أداء المهمات كافة. ولبلوغ تلك الغاية، يراهن المستثمرون على أن الروبوتات الشبيهة بالإنسان ستشهد طفرة تكنولوجية، على غرار ما حدث في صناعة الذكاء الاصطناعي عام 2022 عند إطلاق «تشات جي بي تي». غير أن فيرن أشار إلى أنه من غير الواضح كم سيستغرق ذلك من الوقت، مُضيفاً أن نماذج الذكاء الاصطناعي أتيح لها التدرب على محتوى الإنترنت بأسره، في حين لا توجد كميات ضخمة من بيانات التدريب للروبوتات الشبيهة بالإنسان. وفي الحديقة، كانت الروبوتات القادرة على «التفكير» من تلقاء ذاتها تبدو بعيدة المنال. لنأخذ على سبيل المثال الروبوت الذي صافحته. يبدو كأنه يتصرف باستقلالية، لكن حين تتأمله عن كثب: نجد أن مُشغّله الذي يضع يديه خلف ظهره بتراخٍ، يُمسك بجهاز للتحكم. وكانت روبوتات أخرى شبيهة بالإنسان في الحديقة تُدار أيضاً بصورة أكثر وضوحاً: مثل روبوت للملاكمة الذي يلكم ويركل، وروبوت لكرة قدم يمكن للزوار توجيهه لركل الكرة. وثمة أيضاً تساؤل حول نوع المستقبل الذي نتخيله في وجود الروبوتات. هل نريدها أن ترقص معنا إضافة إلى إنجاز مهامنا المنزلية؟ وماذا يحدث حين تزول رهبة الحداثة والابتكار؟ أبدى زوار الحديقة في سيول مشاعر متباينة. إذ قالت بريندا ستون (57 عاماً) من ولاية كولورادو، إنها وجدت الروبوتات المُؤدية للعروض مثيرة للإعجاب، لكنها لا تعتقد أنها ستعود لزيارة الحديقة مجدداً. وأوضحت أنها تحضر العروض والحفلات لترى البشر بكل نقائصهم. وقالت إن «الذكاء الاصطناعي سيكون مثالياً»، ولكن ليس بالمعنى الإيجابي للكلمة.
المصدر: الشرق الأوسط