نزع السلاح ليس مجانياً.. وزارات جديدة ورفع الدولار لتغطية المصاريف الإضافية
بغداد/ تميم الحسن
تفاجأ الإطار التنسيقي، على ما يبدو، بحجم الغضب الذي أثاره قرار رفع سعر الدولار، وبدأ، بحسب معلومات (المدى)، الترويج لاحتمال إقالة علي الزيدي، في محاولة لاحتواء الضغط الشعبي.
لكن المفارقة أن القرار لم يكن مفاجأة داخل التحالف الشيعي نفسه. فبحسب مصادر مطلعة، وافقت قواه على رفع سعر الصرف، قبل أن يجد بعضها نفسه في مواجهة تداعيات قرار بات مطلوباً احتواؤها سياسياً.
ومنذ نهاية الأسبوع الماضي، بدأت فعاليات سياسية وشعبية تنظيم تظاهرات واحتجاجات على الإجراء الذي خفّض قيمة الدينار العراقي بنحو 15%.
قرار جماعي ومسؤولية فردية
في جلسة متأخرة لمجلس النواب، ليل الخميس على الجمعة، قدم علي الزيدي، رئيس الحكومة، دفاعه عن القرار، معلناً أنه المسؤول الوحيد عنه.
لكن هذا الإقرار بالمسؤولية، الذي بدا محاولة لوضع حد للجدل بشأن الجهة التي اتخذت القرار، لم ينه النقاش حول خلفياته السياسية.
فبحسب علي الجوراني، عضو تيار الحكمة، جاء رفع سعر الدولار من الإطار التنسيقي، وحصل على موافقة رؤساء الكتل السياسية وائتلاف إدارة الدولة.
وكانت (المدى) قد كشفت، في تقرير نشرته في 11 حزيران الماضي، أن الخطة الاقتصادية التي يجري تداولها داخل القوى السياسية تقوم على ثلاثة مسارات: تغيير سعر الصرف، وبيع المؤسسات المدينة، واستعادة أموال من الفاسدين.
وجرى بحث الخطة والموافقة عليها، وفق تلك المعلومات، خلال اجتماع للتحالف الشيعي عقد في الشهر نفسه بمنزل عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة.
وفي هذا المناخ، ظهرت رواية سحب الثقة من رئيس الوزراء. وقال فلاح الخفاجي، النائب عن دولة القانون، إن أطرافاً نيابية عدة قد تتجه إلى سحب الثقة عن حكومة الزيدي إذا استمر قرار رفع سعر الصرف.
لكن مصادر مطلعة تحدثت إلى (المدى) ترى أن الترويج لاحتمال سحب الثقة يستخدم أيضاً في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وإعادة توجيه الأنظار نحو مصير الحكومة، بدلاً من حصر النقاش في القرار نفسه والجهات التي وافقت عليه.
ثلاثة خيارات.. لكن أين التقشف؟
في البرلمان، أوضح الزيدي أن حكومته وجدت نفسها أمام 3 خيارات أحلاها مر، لتأمين الرواتب وتجاوز الأزمة المالية: "الادخار الإجباري وترك الموظف يعيش بالوعود، أو توزيع الرواتب كل 45 يوماً، أو الاقتراض وإغراق البلد بالديون".
وبحسب بيان لمكتبه الإعلامي، قال الزيدي إن حكومته "تسلمت المهمة والاقتصاد محاصر"، وإن الاقتراض لم يكن خياراً مناسباً في ظل حجم الديون القائمة.
وأضاف أن العراق يمر بـ"ظرف قاهر وحصار غير معلن" بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أن حكومته لا تريد اللجوء إلى مزيد من الاقتراض لتجنب إرهاق الاقتصاد.
وفي دفاعه عن تعديل سعر الصرف، قال الزيدي إن الفارق في سعر الدولار سابقاً "كان يستحوذ عليه المضاربون"، مشدداً على أن الحكومة ماضية في مواجهة الفساد، وأن الاقتصاد يجب أن يعامل بـ"عقلية اقتصادية".
كما أعلن أن "كميات جيدة" – تقدر بأكثر من 3 مليارات دولار – من العملة الأجنبية ستصل خلال الأيام القريبة المقبلة، مؤكداً أن الحكومة ستضخها في التداول.
لكن ما أثار اعتراض خبراء اقتصاديين لم يكن فقط ما قاله رئيس الوزراء، بل ما لم يتطرق إليه في خطابه: تقليص النفقات العامة، وإلغاء بعض الامتيازات، ومراجعة الرواتب والمناصب، والبحث في أبواب الهدر التي تستنزف المال العام.
وقال نبيل المرسومي، أستاذ الاقتصاد في البصرة، إن على الزيدي أن يجري إصلاحات في الرواتب، وأن يلغي رواتب التقاعد لمن لا يمتلكون خدمة فعلية، مستشهداً بأعضاء "مجلس الحكم".
ودعا كذلك إلى مراجعة البطاقة التموينية ورواتب الرعاية الاجتماعية، وإجراء تقشف في نفقات المؤسسات الرسمية وسفراتها.
أما زياد الهاشمي، الخبير والمستشار الاقتصادي، فرأى أن رئيس الوزراء "لف ودار" في خطابه خلال الجلسة التشاورية لتبرير خفض قيمة الدينار أمام الدولار، ثم ألزم نفسه بتحمل مسؤولية قرار مثير للجدل لا يمكن أن يتحمله فرد واحد.
وقال الهاشمي إن الزيدي لم يتطرق، لا من قريب ولا من بعيد، إلى طبيعة الاستنزاف الخطير الذي تتعرض له المالية العامة بسبب الهدر والترهل والفساد، وهي عوامل يرى أنها دفعت الحكومة إلى مواجهة الخيارات الثلاثة التي عرضها رئيس الوزراء.
وذهب منقذ داغر، الباحث والأكاديمي، إلى طرح بدائل أكثر مباشرة. وقال إن دفاع الزيدي عن قراره "للأسف غير موفق"، وإنه كان يستطيع تقليص رواتب الدرجات الخاصة جميعها، ابتداءً من رئيس الجمهورية، وإلغاء الرواتب المزدوجة ورواتب رفحاء.
وأضاف داغر أن أمام الحكومة خيار القبض على "حيتان الفساد الكبيرة"، فضلاً عن ضبط المنافذ الحدودية، مشيراً إلى أن أكثر من 20 منفذاً تسيطر عليها أحزاب وفصائل مسلحة، بحسب تقديره.
الحكومة تطلب الصبر.. والشارع يطالب بالتفسير
لم يتوقف الاعتراض عند الاقتصاديين. فقد بدأت قوى شيعية تتحدث عن احتمال عدم التصويت على موازنة عام 2027 ما لم يقدم رئيس الوزراء ضمانات بشأن تداعيات قرار رفع سعر الصرف.
وبعد الإعلان عن السعر الجديد، طرح الإطار التنسيقي حزمة مقترحات طالب الحكومة بتنفيذها فوراً. وشملت المقترحات السيطرة على السوق الموازية، التي ارتفع فيها سعر الدولار إلى أكثر من 1600 دينار، ودعم السلع الأساسية، وخفض أجور الدراسة في الجامعات.
وقال وزير المالية فالح الساري، خلال استضافته في مجلس النواب، إن الحكومة ملزمة بتأمين رواتب الموظفين، التي تبلغ 7.7 تريليون دينار شهرياً.
وأضاف الساري أن الحكومة اتخذت إجراءات لمعالجة الوضع المالي، من بينها تخصيص تريليون دينار من البنك المركزي لدعم قطاع السكن.
وأوضح أن نسبة الإيرادات غير النفطية في الموازنة المقبلة سترتفع إلى 19%، مقارنة بـ11% في الموازنة السابقة.
30 تريليون دينار فوق الأزمة
في الوقت الذي تدافع فيه الحكومة عن قرار رفع الدولار باعتباره أحد الخيارات المتاحة لتأمين الرواتب، تتداول معلومات عن احتمال توسيع التشكيلة الحكومية وإضافة وزارات ومناصب جديدة، في خطوة قد تزيد الأعباء المالية بدلاً من تخفيفها.
وبحسب مصدر سياسي تحدث إلى (المدى)، قد يرتفع عدد الوزارات المؤجلة من 9 إلى 12، بعد إضافة 3 وزارات جديدة، في سياق ما وصفه المصدر بتضخم المحاصصة السياسية.
ويقول المصدر إن توسيع الحكومة، إلى جانب استحداث 4 مناصب لنواب رئيس الوزراء، قد يضيف ما لا يقل عن 30 تريليون دينار سنوياً إلى الموازنة، في حين أن تعديل سعر الصرف قد لا يضيف للموازنة أكثر من 11 تريليون دينار سنوياً.
وتشمل المقترحات المتداولة استحداث وزارة للذكاء الاصطناعي، يفترض أن يتولاها محمد الدراجي، ضمن حصة كتلة شبل الزيدي "كتائب الإمام علي"، التي أعلنت، بحسب المعلومات الواردة، نوع سلاحها ونظّمت وضعها ضمن التحالف الشيعي.
وهناك أيضاً مقترح بفصل وزارة السياحة عن وزارة الثقافة، وتذهب إلى كتلة "سيد الشهداء"، بزعامة أبو آلاء الولائي، بعد إعلان موافقته على نزع السلاح.
أما الوزارة الثالثة، التي يرجح أن تكون وزارة دولة، فمن المتوقع أن تذهب إلى المكون التركماني.
وتزداد المفارقة وضوحاً عند النظر إلى المناصب الأربعة المقترحة لنواب رئيس الوزراء. فقد كشفت (المدى)، في تقرير نشرته الأسبوع الماضي، أن الراتب الشهري لكل نائب سيبلغ عشرة ملايين دينار.
وبحسب المعلومات، جرى كذلك تجديد قصر الزقورة في المنطقة الخضراء ليكون مقراً لأحد النواب الجدد وبكلفة بلغت سبعة مليارات دينار، مع تخصيص فوج حماية يضم 800 حارس.
The post نزع السلاح ليس مجانياً.. وزارات جديدة ورفع الدولار لتغطية المصاريف الإضافية appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى