شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الدعم القطري للبنان: الطاقة مدخل أساسي للتعافي وإنهاء استنزاف المواطنين

الدعم القطري للبنان: الطاقة مدخل أساسي للتعافي وإنهاء استنزاف المواطنين

د. علي حمّود — باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد

في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي يمر بها لبنان، تكتسب المواقف الداعمة للدولة اللبنانية أهمية خاصة، لا سيما عندما تقترن بإمكانية إطلاق مشاريع عملية تساعد على إعادة بناء البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تأكيد رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري استمرار دعم بلاده للبنان، خلال لقاءاته مع الرؤساء اللبنانيين الثلاثة: رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة، مع التشديد على دعم البنية التحتية، وخصوصاً قطاع الطاقة.
إن أهمية هذا الدعم لا تقتصر على البعد السياسي أو الدبلوماسي، بل تمتد إلى صميم الأزمة المعيشية التي يعاني منها اللبنانيون. فالكهرباء ليست مجرد خدمة عامة، بل هي عنصر أساسي في كلفة الإنتاج، واستمرارية المؤسسات، وجذب الاستثمارات، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
لقد أدى انهيار قطاع الكهرباء الرسمي إلى توسيع الاعتماد على المولدات الخاصة، التي أصبحت تشكل عبئاً مالياً كبيراً على الأسر والمؤسسات. وفي ظل غياب الرقابة الفعالة والشفافية الكافية في تحديد التعرفات، وصلت كلفة اشتراك الخمسة أمبير، وفق الأسعار المتداولة في بعض المناطق، إلى نحو 360 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ يثقل كاهل المواطنين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود.
وتكمن المشكلة في أن اللبناني يدفع فاتورة مزدوجة: فاتورة الكهرباء الرسمية، حيث تتوافر الخدمة، وفاتورة المولد الخاص الذي بات ضرورة يومية لا يمكن الاستغناء عنها. وهكذا تحوّل انقطاع الكهرباء من أزمة خدمية إلى عامل إضافي لاستنزاف الدخل، وإضعاف القدرة التنافسية للاقتصاد، ورفع كلفة الإنتاج والتجارة والخدمات.
لكن الأزمة لا يمكن اختزالها في نقص التمويل أو تقادم البنية التحتية وحدهما. فسنوات الهدر وسوء الإدارة وضعف الحوكمة وغياب المحاسبة أسهمت في تعميق الاختلالات التي يعاني منها القطاع، وأثارت تساؤلات جدية حول مصير الأموال التي أُنفقت، والنتائج التي تحققت مقابلها. كما أن اتساع الاعتماد على المولدات الخاصة يستدعي تعزيز الرقابة على التسعير، وضمان الالتزام بالمعايير القانونية والفنية، وحماية المستهلك من أي ممارسات احتكارية أو استغلالية.
من هنا، فإن استمرار الدعم القطري للبنان يمكن أن يشكل فرصة مهمة لإطلاق مقاربة مختلفة، تقوم على تمويل المشاريع ذات الأثر المباشر، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتحسين الجباية، والحد من الهدر الفني، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، بالتوازي مع إصلاح إداري ومالي يضمن الاستخدام الفعال للموارد.
غير أن نجاح أي مبادرة لا يتوقف على حجم التمويل وحده، بل على وجود خطة واضحة، وأولويات محددة، وآليات شفافة للمناقصات والتنفيذ، ورقابة مستقلة على الإنفاق والنتائج. فالدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع أن يحل مكان الدولة ومؤسساتها، ولا يمكنه أن يحقق أهدافه إذا لم يقترن بإصلاحات جدية ومحاسبة فعلية.
إن المطلوب من الحكومة اللبنانية أن تتعامل مع ملف الطاقة باعتباره أولوية اقتصادية واجتماعية وسيادية، وأن تضع برنامجاً زمنياً قابلاً للقياس، يحدد مراحل تحسين التغذية الكهربائية، وكلفة الإنتاج، ومصادر التمويل، وآليات الرقابة، والنتائج المنتظرة بالنسبة إلى المواطنين.
وفي المقابل، تستطيع قطر، بما تقدمه من دعم للبنان، أن تسهم في مسار التعافي من خلال مشاريع بنية تحتية واضحة الأهداف، تُنفذ وفق معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة، وتخضع لتقييم دوري يضمن وصول فوائدها إلى الاقتصاد والمجتمع.
في المحصلة، لا يحتاج لبنان إلى مساعدات مالية إضافية فحسب، بل إلى تحويل المساعدات إلى نتائج ملموسة في حياة الناس. فاستعادة الكهرباء تعني تخفيف الأعباء عن الأسر، وخفض كلفة المؤسسات، وتحسين بيئة الاستثمار، والحد من استنزاف الاقتصاد الوطني.
إن إنهاء أزمة الكهرباء ليس مجرد إصلاح لقطاع متعثر، بل هو خطوة أساسية لاستعادة ثقة المواطن بالدولة، ووضع حد للنزيف المالي الذي تتحمل الأسر اللبنانية كلفته منذ سنوات.
د. علي حمّود
باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد

المصدر: النهار