خلف أبواب مركز تأهيل المدمنين.. حكايـات تعافٍ وتحديـات مـا بعـد العـلاج
عمان - كوثر صوالحة - تصوير: سامي الخشمان على مقعد خشبي تظلله الأشجار، وبين ممرات تحيط بها مساحات خضراء، يبدو الهدوء سيد المكان، لكن خلف هذا المشهد في المركز الوطني لتأهيل المدمنين التابع لوزارة الصحة، الذي يقدم خدماته مجانأ، حكايات مختلفة لشباب وشابات فقد بعضهم عمله، وخسر آخرون علاقاتهم الأسرية، فيما لا يزال كثيرون يحاولون استعادة أعوام أخذها الإدمان من صحتهم ومستقبلهم. هنا لا تتشابه البدايات؛ فقد تكون تجربة في سن المدرسة، أو وسيلة للهروب من ضغط نفسي، أو إساءة استخدام دواء، لكن نقطة الالتقاء واحدة: الحاجة إلى العلاج وفرصة جديدة للحياة. خلال جولة ميدانية لـ«الدستور» ولقاء مع مدير المركز، الطبيب النفسي الدكتور أحمد الحنيطي، لم تكن الأرقام وحدها الأكثر دلالة، بل قصص أصحابها، والتحدي الذي ينتظرهم بعد انتهاء فترة الإقامة العلاجية والعودة إلى بيئة قد لا تكون تغيرت بالقدر الذي يساعد على استمرار التعافي. مدير المركز الوطني لتأهيل المدمنين، الدكتور أحمد الحنيطي، أكد أن المملكة ليست بمعزل عن التزايد الذي تشهده مشكلة الإدمان على المستوى العالمي، مشيرًا إلى أن الأردن يشهد بدوره ازديادًا في هذه المشكلة، يقابله تنامٍ في تقبّل العلاج والإقبال على طلب المساعدة. وقال الحنيطي، ردًا على سؤال لـ«الدستور» حول ما إذا كان الأردن يواجه مشكلة حقيقية في الإدمان: «نعم، نحن جزء من العالم»، مؤكدًا أن التعامل مع هذه القضية يجب أن ينطلق من اعتبار الإدمان مشكلة صحية ونفسية واجتماعية تستدعي تكاتف الجهود لمواجهتها. وشدد على أن الأشخاص الذين يعانون من الإدمان ليسوا مجرد أرقام في سجلات المراكز العلاجية، بل أبناء المجتمع الذين لهم حياتهم ومستقبلهم، ولا يمكن الاستغناء عنهم، لافتًا إلى أهمية الترابط الأسري والمجتمعي في دعم المتعالجين ومساعدتهم على استعادة حياتهم. المركز، الممتد على مساحة 34 دونمًا والذي تضم حدائقه نحو أربعة آلاف شجرة، يقدم خدمات علاجية لحالات اضطراب استخدام المواد والمؤثرات العقلية، بما فيها الكحول، إلى جانب استقبال حالات من الإدمان السلوكي. وفي هذا المكان، تصبح الخصوصية وبناء الثقة والبحث عن جذور المشكلة جزءًا من العلاج، لا تفاصيل هامشية. أولى الحكايات لشاب يبلغ 20 عامًا، بدأ تعاطي الماريجوانا طفلًا، وكان يدخنها وهو في طريقه إلى المدرسة. يروي ببساطة أن المادة كانت متاحة له وأن الاعتياد عليها حصل مبكرًا، حتى أصبح التخلص منها أصعب مما تصور. وبعد سنوات من التعاطي جاء إلى المركز وبدأ متابعة علاجه. اليوم يتحدث الشاب عن إنجازاته الصغيرة بفرح واضح؛ فقد نجح في دراسته، والتحق بعمل، وتحسنت صحته وتركيزه. ويؤكد أنه لا يريد العودة إلى المادة التي كادت تحرمُه فرصته في بناء مستقبل طبيعي. وبينما تبدو قصته إحدى صور التعافي الممكن، فإنها تنبه إلى خطر بدء التعاطي في أعمار مبكرة، والحاجة إلى الانتباه إلى التغيرات السلوكية لدى الأبناء قبل تفاقم المشكلة. وفي مكتب الدكتور الحنيطي، التقينا شابًا آخر يبلغ 36 عامًا، جاء بحثًا عن المساعدة بعد نحو عشر سنوات من الإدمان. هو الابن الوحيد لوالدته التي تنتظر تعافيه، بعدما خسر عمله وتعثر مشروع ارتباطه. يقول إنه لم يكن يعتقد أن الأمر سيصل إلى الإدمان، بل كان يظن أنه يدخن فحسب وأن بوسعه التوقف متى أراد. تعرّف إلى المركز عن طريق صديق، لكن رحلته تعقدت لاحقًا مع الاعتماد على مستحضر دوائي آخر ارتبط بضغوط عمله. ويتحدث عن تعب متواصل وتغير كبير في صحته ونشاطه وإيقاع حياته. في قصة إدمان أخرى يقول شاب يبلغ 26 عامًا إنه أمضى عشر سنوات في إدمان المشروبات الكحولية، ثم لجأ إلى مستحضر دوائي كان يستخدمه للتعامل مع التوتر الناتج عن عمل وصفه بالشاق. ويشرح أنه كان يواجه صعوبة في التعامل مع فئات مختلفة من الناس، فوجد في تلك المواد ملاذًا مؤقتًا من الضغط، قبل أن تتحول إلى عبء يلاحقه في حياته اليومية. كانت الخسارة الأشد إيلامًا بالنسبة إليه انتهاء خطوبته، بعد أن طلبت منه خطيبته الاختيار بين استمرار العلاقة وشرب الكحول. ويقول إنه سبق أن تلقى العلاج في العيادات الخارجية وتحسنت حالته، لكنه عاد مجددًا لطلب المساعدة بعد وقوعه في إدمان المستحضر الدوائي. وتكشف تجربته أن التحسن في مرحلة من العلاج لا يلغي الحاجة إلى متابعة طويلة الأمد ومعالجة الظروف التي قد تدفع الشخص إلى الانتكاس أو استخدام مادة أخرى. في شهادة لفتاة في مقتبل العمر، ذكرت أن قصتها بدأت عندما تعرّفت إلى شاب عرّفها إلى مادة الكريستال. في البداية جذبتها حالة النشاط التي شعرت بها، وكانت تظن أنها تستطيع العمل والإنجاز لمدة تصل إلى 24 ساعة. لكنها اكتشفت تدريجيًا أن الكمية نفسها لم تعد تمنحها التأثير السابق، فباتت تحتاج إلى جرعات أكبر حتى تصل إلى الشعور ذاته. هذا التصاعد في التعاطي نقلها من الإحساس المؤقت بالطاقة إلى الاعتماد على المادة والحاجة إلى العلاج. وقصتها مثال على الخطر الذي تمثله المنشطات شديدة التأثير في الجهاز العصبي، لا سيما مع اضطراب النوم وزيادة الجرعات والمضاعفات النفسية والجسدية المحتملة. في الأرقام، قال الدكتور الحنيطي إن المركز يستقبل نحو 550 حالة إدخال سنويًا من الجنسين؛ إذ سجل 545 حالة في العام الفائت و549 حالة في العام الذي سبقه. ويضم 40 سريرًا موزعة بين 36 للذكور و4 للإناث، فيما يُقدّر توزيع حالات الإدخال السنوية بنحو 500 حالة للذكور مقابل 50 للإناث. وأشار إلى أن مدة الإقامة العلاجية تختلف من حالة إلى أخرى وقد تصل إلى 45 يومًا وقد تمتد الى 60 يوما وأن المركز يقدم خدماته من خلال عيادات خارجية ثلاث عيادات نفسية وعيادة للطب الباطني وأخرى للأسنان، فضلًا عن الرعاية خلال الإقامة. وذكر أن عدد المتابعات الخارجية يبلغ 8500 مراجع، وهو رقم مستقل عن عدد حالات الإدخال السنوية وعن أعداد من يواصلون المتابعة بعد مغادرة المركز. لكن الرقم الأكثر إثارة للتساؤل يتعلق باستمرارية العلاج، فنحو 185 متعالجًا فقط، أي ما يقارب ثلث حالات الإدخال السنوية، يواصلون المتابعة في العيادات الخارجية بعد الخروج. ويرى الحنيطي أن التحدي الحقيقي ليس فقط وصول المريض إلى المركز أو استكماله مرحلة الإقامة، وإنما استمرار التواصل معه بعد عودته إلى عمله وأسرته وظروفه السابقة. ويحذر من تفسير عدم عودة بقية المرضى إلى العيادات على أنه دليل على الانتكاس، أو افتراض أنهم جميعًا تعافوا نهائيًا؛ فغياب المتابعة لا يتيح الجزم بأي من النتيجتين. ويؤكد أن المركز يأمل أن يستمر جميع المتعالجين في متابعة أوضاعهم النفسية والاجتماعية، لأنها جزء أساسي من رحلة التعافي. وذكر الحنيطي أن ما يلاحظه الأطباء في الحالات التي يتعاملون معها هو تداخل استخدام المواد المؤثرة عقليًا؛ إذ تشير تقديرات المركز إلى أن 65% من الحالات تتعلق باستخدام مواد متعددة، وهي نسبة عامة لا تُنسب إلى سنة بعينها. فقد يلجأ بعض الأشخاص إلى مادة منبهة ثم يستخدمون مادة مثبطة بحثًا عن النوم أو للحد من آثار المادة الأولى، ما يزيد المخاطر على صحتهم. وأضاف أن حالات إدمان الكحول تشكل نحو 35% من الحالات التي تراجع المركز، مشيرًا إلى أن أنماط الإدمان لا تقتصر على مادة واحدة أو فئة اجتماعية بعينها. وتحدث عن حالات تدهورت فيها القدرة على النوم والإدراك، من بينها شخص راجع المركز بعد تسعة أيام من معاناته مع انقطاع النوم بسبب التعاطي، محذرًا من مضاعفات عصبية ونفسية وقلبية قد ترافق الاستخدام الشديد للمنشطات. كما أشار إلى أن نحو 65% أتموا الفترة العلاجية وفق التقدير العام الذي عرضه، دون ربط هذه النسبة بسنة محددة. وشدد على أن إتمام فترة الإقامة العلاجية مؤشر مختلف عن الاستمرار في مراجعة العيادات الخارجية بعد الخروج، ولا يجوز الخلط بينهما أو اعتباره دليلًا بمفرده على التعافي النهائي. المركز، بحسب الحنيطي، لا يتعامل مع المخدرات والكحول والمؤثرات العقلية وحدها، بل استقبل أيضًا عددًا من حالات الإدمان السلوكي المرتبطة بالقمار والألعاب وبعض السلوكيات المرتبطة بالمحتوى الإباحي. ويختلف هذا النوع عن اضطراب استخدام المواد من حيث غياب المادة الكيميائية، لكنه قد يشترك معه في فقدان السيطرة على السلوك واستمراره رغم أضراره. ويؤكد أن طرق التقييم والعلاج لا بد أن تراعي طبيعة كل حالة، في ظل تطور الأنماط التي يواجهها المختصون وتنوع العوامل النفسية والاجتماعية المحيطة بها. وأوضح الحنيطي أن الفئة العمرية الأكثر حضورًا بين حالات الإدمان تدور حول 25 عامًا بزيادة سنة أو نقصانها، وأن اضطرابات استخدام المواد أكثر حضورًا بين الذكور في الحالات التي تصل إلى المركز. وبحسب الأرقام التي عرضها، تقابل نحو عشر حالات للذكور حالة واحدة للإناث، مع نحو 50 حالة إدخال نسائية مقابل 500 للذكور سنويًا. ومع ذلك فإن قلة أعداد النساء لا تجعل علاجهن أسهل؛ فالخوف من الوصمة الاجتماعية وتأثير انكشاف الحالة في علاقات المرأة وأسرتها قد يعرقل الوصول إلى الخدمة في وقت مبكر. ويقول الحنيطي إن بناء الثقة وحماية سرية المعلومات أمران حاسمان لتشجيع النساء على طلب المساعدة، مؤكدا أن الصمت على الإدمان داخل الأسرة قد يزيد المشكلة تعقيدًا. ويشدد على أن الإدمان يطال مختلف الطبقات الاجتماعية ومستويات التعليم، بما في ذلك حملة الشهادات العليا، ولذلك فإن اختزال المتعالجين في صور نمطية أو إطلاق الأحكام الأخلاقية عليهم لا يساعد في العلاج، بل قد يدفع بعضهم إلى الاختباء عن أعين من يستطيعون مساعدته. من بين الشهادات المؤثرة، يروي رجل أنه خسر خلال عام واحد ما جمعه في سنوات، وأن جزءًا من مشكلته ارتبط بمستحضر دوائي وصفه له طبيب لعلاج ألم في ساقه. كانت الجرعة الموصوفة حبة واحدة، لكنه بدأ يتناول أربع حبات أو أكثر، معتقدًا أنها تعينه على العمل وتزيد قدرته على الإنجاز. وبمرور الوقت تغيرت استجاباته للمواقف اليومية، وأصبح يصدر عنه سلوك غير محسوب ويشعر أن رأيه وحده الصواب. ويحكي أنه أمضى ثمانية أشهر في المنزل في حالة من الاكتئاب الشديد، وأن الخسائر امتدت إلى حياته الأسرية والاجتماعية. لم يكن يدرك، كما يقول، أن إساءة استخدام دواء موصوف قد تقوده إلى هذا المآل، قبل أن يتوجه إلى الطبيب طالبًا المساعدة. وتؤكد هذه الشهادة أهمية الالتزام بالجرعات والتعليمات الطبية وطلب المشورة عند الشعور بالحاجة إلى زيادة الجرعة أو فقدان القدرة على التوقف، بدلًا من التعامل مع الدواء بوصفه آمنًا في جميع الظروف لمجرد أنه موصوف طبيًا. وشدد الحنيطي على أن لكل مريض خطة علاجية مستقلة، حتى عندما يستخدم شخصان المادة نفسها؛ فالعلاج يراعي وضعه الجسدي والنفسي وعلاقاته الأسرية والاجتماعية. وقد يحتاج أحدهم إلى دعم أسري، وآخر إلى متابعة نفسية مكثفة، وثالث إلى معالجة ضغوط عمل أو ظروف كانت من عوامل بدء التعاطي. وقال إن اضطراب استخدام المواد المؤثرة عقليًا مرض مزمن قد ترافقه انتكاسات، وإن حدوث انتكاسة لا يعني بالضرورة فشل العلاج. فالعودة إلى التعاطي تستدعي تقييم الأسباب والتدخل مجددًا بدلًا من وصم المريض أو إبعاده عن الخدمة. ويؤكد أن الأسرة تحتاج بدورها إلى التثقيف بشأن العلامات المبكرة للانتكاس وأساليب الحديث مع المتعالج ودعمه دون تهديد أو إدانة. وبين أن الأهل ليس مطلوبًا منهم أن يتحولوا إلى محققين يبحثون عن كل علامة جسدية، فالآثار تختلف تبعًا لنوع المادة، وإنما عليهم ملاحظة التغيرات السلوكية والنفسية والانفتاح على الحوار وطلب المشورة. وأشار إلى أن بعض الحالات قد تتطور بعد معاناة نفسية لم يتنبه لها المحيطون بالشخص أو لم تحصل على العلاج المناسب. وعن التحديات التي تواجه المركز، أشار الحنيطي إلى وجود قوائم انتظار تستدعي الحاجة إلى زيادة الأسرة، إذ قد يحتاج مريض إلى الإدخال في الوقت الذي لا يزال فيه مريض آخر يستكمل برنامجه العلاجي. وفي بعض هذه الحالات يستمر التواصل مع المريض عبر العيادات الخارجية ضمن خطة مؤقتة إلى حين توفر مكان للإقامة. ولفت إلى أن دعم الكوادر لا يقتصر على زيادة أعدادها؛ فالتدريب المتواصل ضرورة في مجال تتغير فيه المواد وأنماط التعاطي وأساليب العلاج. وأكد أهمية الحفاظ على صلة المريض بحياته الواقعية خلال العلاج، بما فيها ظروف العمل والمناسبات العائلية، قدر الإمكان وبما يسمح به التقييم الطبي. وعن العلاقة بين الإدمان والجريمة، رفض الحنيطي اختزال الجرائم في تعاطي المواد أو افتراض أن كل شخص مصاب بالإدمان يرتكب جريمة، موضحًا أن بعض المواد قد تؤثر بحدة في الإدراك والسلوك، لكن دوافع الجرائم متعددة ولا يمكن إرجاعها كلها إلى سبب واحد. كما أكد ضرورة عدم وصم المرضى النفسيين، الذين يكون كثير منهم ضحايا للأذى والتمييز. في نهاية الجولة، لا يبدو الرقم 185 مجرد إحصائية؛ إنه تذكير بأن استكمال الإقامة في مركز العلاج لا يكفي وحده لضمان استمرار التعافي. فهناك أشخاص يغادرون المركز إلى أسر داعمة وفرص عمل وحياة أكثر استقرارًا، وآخرون يعودون إلى الضغوط والمشكلات نفسها التي صاحبت بداية الإدمان. ويختصر الحنيطي الفكرة بالتأكيد أن المرضى ليسوا مجرد أرقام، بل أبناء المجتمع الذين يجب ألا يُتركوا وحدهم في مواجهة اضطراب معقد يحتاج إلى الصبر والتخصص والمساندة. وبين شاب استعاد دراسته وعمله، وآخر عاد يطلب العلاج بعد انتكاسة، وفتاة تحاول الخروج من دائرة الكريستال، تتشكل رسالة واحدة: التعافي ممكن، لكنه ليس لحظة عابرة ولا قرارًا يُتخذ مرة واحدة؛ إنه طريق يحتاج إلى رعاية مستمرة، وأهل يتعلمون كيف يدعمون، ومجتمع يمنح من يطلب العلاج فرصة حقيقية للبدء من جديد.
المصدر: الدستور