الوجه الخفي للتمييز في فرنسا.. هذا ما يواجهه ذوو الأصول العربية!
كشفت صحيفة “ميديا بارت” الوجه الخفي للتمييز في فرنسا، من خلال شهادات صادمة لفرنسيين من أصول عربية، ولا سيما مغاربية، تحدثوا عن المعاناة التي يواجهونها في سوق العمل، في بلد يرفع شعارات الحرية والمساواة والديمقراطية. ووفقا لتقرير الصحيفة الفرنسية فإن الفرنسيين المنحدرين من أصول عربية ومغاربية يواجهون أشكالا من التمييز في الحياة المهنية، لا تتوقف عند صعوبة الحصول على وظيفة، بل تمتد إلى فرص الترقية والتطور الوظيفي، وسط شهادات تكشف كيف يمكن للاسم أو المظهر أو الخلفية العائلية أن تتحول إلى عائق أمام الكفاءات. وسلطت الشهادات التي نقلتها ميديا بارت الضوء على تجارب أشخاص وجدوا أنفسهم مضطرين إلى إخفاء جزء من هويتهم أو محاولة التكيف مع الصور النمطية السائدة، أملا في الحصول على فرص مهنية متكافئة مع غيرهم. ولا تقتصر هذه الممارسات على ما يحدث داخل المؤسسات، إذ قد تبدأ منذ مرحلة البحث عن عمل، عندما تؤثر الأصول التي يُنظر إليها على أنها عربية أو مغاربية في تقييم المترشحين، رغم امتلاكهم المؤهلات والخبرات المطلوبة. كما يمكن أن تظهر لاحقا في شكل تعليقات نمطية أو سلوكيات تمييزية داخل بيئة العمل، بما ينعكس على المسار المهني وفرص التقدم. في هذا الصدد، استحضر سليم، البالغ من العمر 21 عاما، والطالب في مجال المعلوماتية، واقعة تعرض لها خلال تدريب مهني في أحد الفنادق الفاخرة بباريس، حين قال له أحد المسؤولين إن رؤية العرب في مثل هذه الوظائف أمر نادر، وإنهم يوجدون عادة في قسم غسل الأطباق. وأشار إلى أن يوم 19 أكتوبر 2025 كان اليوم الذي شعر فيه، على حد تعبيره، بأنه “أصبح عربيا”، ليس لأنه اكتشف أصوله في تلك اللحظة، بل لأنه أدرك أن الآخرين باتوا ينظرون إليه من خلال خلفيته المغربية، ويختزلون حضوره وكفاءته في صورة نمطية مسبقة. وأضاف أنه بدأ يتساءل عن مكانه في عالم الرفاهية، بعدما شعر بأن بعض الأشخاص لا يرونه إلا من خلال أصوله، ملخصا إحساسه بالاستبعاد بالقول: “أدركت أننا، بالنسبة إلى البعض، لسنا سوى فرنسيين على الورق”. من جانبه، تحدث أيوب نوح، وهو إطار في مجال المعلوماتية بباريس، عن مقابلة توظيف أجراها عام 2018، والتي لاحظ بعدها أن معظم الذين تلقوا دعوات لمواصلة إجراءات التوظيف لم تكن أسماؤهم توحي بأصول مغاربية. وتدعم الأرقام الرسمية الفرنسية خطورة هذه الظاهرة؛ فقد أظهر تقرير صادر عن المدافع عن الحقوق في فرنسا، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، أن الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم من أصول سوداء أو عربية أو مغاربية كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن التمييز أثناء البحث عن عمل بـ 2.8 مرة مقارنة بمن يُنظر إليهم على أنهم بيض، وفق بيانات دراسة 2024، مقابل 2.2 مرة في دراسة 2016. وتكشف الشهادات المرتبطة بالتمييز المهني عن ضغوط قد تدفع بعض الأشخاص إلى محاولة إخفاء أصولهم أو تجنب الحديث عن خلفياتهم الشخصية، تفاديا للأحكام المسبقة، في وقت يفترض أن تستند فيه فرص التوظيف والترقية إلى الكفاءة والخبرة. ويمتد التحدي إلى كيفية التعامل مع التمييز، إذ أشار التقرير الفرنسي إلى أن 12% فقط من الأشخاص الذين أفادوا بتعرضهم للتمييز خلال مسارهم المهني اتخذوا خطوات للإبلاغ أو طلب المساعدة، مثل التواصل مع جمعية أو محام أو المدافع عن الحقوق أو اللجوء إلى القضاء. وبحسب الباحثة في علم الاجتماع آن زو-ثلامي، التي تدرس آليات التصنيف العرقي داخل الشركات الكبرى، فإن ما يحدث يتجاوز الوقائع الفردية ليعكس عملية أوسع، يُنسب فيها الأشخاص إلى أصل عرقي محدد، ثم تُبنى على هذا التصنيف توقعات بشأن مكانتهم الاجتماعية وقدراتهم وسلوكهم. وتوضح الباحثة أن “الإسناد العرقي متغير مهم ينبغي أخذه في الاعتبار لوصف تجربة الشخص مع العالم”، مشيرة إلى أن هذه العملية قد تبدأ منذ التقدم إلى الوظيفة، لكنها تستمر داخل المؤسسة من خلال الأجواء العنصرية والصعوبات التي تواجه الموظفين غير البيض في التقدم المهني.
المصدر: الشروق