ما خيارات الحكومة الفرنسية لمواجهة الاحتجاجات؟
ذكر موقع "إرم نيوز" أن فرنسا تواجه أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة، مع اتساع الاحتجاجات الشعبية وتصاعد الضغوط على المالية العامة، في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات رئاسية قد تعيد رسم المشهد السياسي، وسط تساؤلات بشأن قدرة باريس على تجاوز الاضطرابات واستعادة الاستقرار. Advertisement وذكرت مجلة "نيوزويك" الأمريكية أن الاحتجاجات التي اندلعت في سبتمبر أيلول الماضي، على خلفية نقص المعلمين وضعف التمويل المدرسي، تحولت إلى حركة احتجاجية أوسع تعكس استياءً متزايداً من ارتفاع تكاليف المعيشة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في قدرة المؤسسات على معالجة المشكلات الاقتصادية. وتتزامن هذه التطورات مع أزمة في الموازنة العامة وارتفاع تكاليف الاقتراض؛ ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية وضبط الإنفاق، بينما تزيد الانقسامات البرلمانية واقتراب نهاية ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون من تعقيد فرص التوصل إلى تسويات سياسية. احتجاجات تتجاوز أزمة التعليم بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة في ضواحي باريس، مدفوعة باعتراضات على نقص الكوادر التعليمية واكتظاظ الفصول الدراسية، قبل أن تمتد إلى مدن فرنسية عدة، بمشاركة طلاب ونقابات ومجموعات اجتماعية تطالب بتحسين الخدمات العامة ومعالجة الفوارق الاقتصادية. وقال أستاذ الاقتصاد في كلية "إنسياد" للأعمال، أنطونيو فاتاس، لمجلة "نيوزويك"، إن المجتمع الفرنسي يشهد شعوراً متزايداً بالإحباط، نتيجة الاعتقاد بأن الأوضاع لا تتحسن بالوتيرة التي يتطلع إليها المواطنون. وأوضح أن الاحتجاجات الحالية، رغم تشابهها مع موجات سابقة شهدتها فرنسا، تتميز بتداخل دوافع اجتماعية واقتصادية وسياسية؛ ما يجعل احتواءها أكثر تعقيداً. وتكشف بيانات البطالة بين الشباب جانباً من الضغوط التي تواجه الأجيال الجديدة، إذ بلغت النسبة في فرنسا 20.6% خلال أغسطس آب الماضي، مقارنة بـ7.4% في ألمانيا و9.1% في الولايات المتحدة و14.4% في بريطانيا خلال يوليو تموز. ورغم تراجع البطالة في فرنسا عن ذروتها البالغة 28.3% في أواخر عام 2012، فإن استمرارها عند مستويات مرتفعة نسبياً يعزز المخاوف بشأن فرص العمل والمستقبل الاقتصادي للشباب. وانضم إلى الاحتجاجات مشاركون سابقون في حركة "السترات الصفراء"، التي ظهرت عام 2018، معتبرين أن أزمة التعليم امتداد لمشكلات أوسع تتعلق بالتفاوت بين المناطق والطبقات الاجتماعية والسياسات الاقتصادية التي انتهجتها حكومة ماكرون. أزمة مالية تضيق خيارات الحكومة إلى جانب الاضطرابات الاجتماعية، تواجه فرنسا تحديات متزايدة تتعلق بالدين العام والعجز في الموازنة وارتفاع تكلفة الاقتراض، وهي عوامل يرى خبراء أنها قد تشكل خطراً أكبر على استقرار البلاد من الاحتجاجات نفسها. واعتبر المدير الإداري لشؤون أوروبا في مجموعة "أوراسيا"، مجتبى رحمن، أن الأزمة المالية تمثل التهديد الأكثر خطورة، مشيراً إلى أن سنوات من سوء إدارة الموازنة دفعت فرنسا إلى وضع اقتصادي بالغ الحساسية. ورغم أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تختلف جذرياً عن مستويات مسجلة في اقتصادات متقدمة أخرى، فإن ارتفاع عوائد السندات الحكومية يزيد الأعباء المالية، ويحد من قدرة الدولة على تمويل الإنفاق والخدمات العامة. وتنفق فرنسا نحو 100 مليار دولار سنوياً على التعليم، يذهب أكثر من ربعها إلى معاشات المعلمين المتقاعدين، وهو ما يعكس حجم الالتزامات المالية التي تواجهها الحكومة عند محاولة زيادة التمويل المخصص للمدارس. ووصف الاقتصادي الأمريكي بول كروغمان، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2008، المسار المالي الفرنسي بأنه غير قابل للاستمرار، معتبراً أن السياسات الحالية تمنح الأجيال الأكبر سناً دعماً مالياً واسعاً على حساب الفئات الأخرى. ورأى أن هذا الاختلال يساعد في تفسير الاحتجاجات الطلابية الواسعة، في ظل شعور الأجيال الشابة بأنها تتحمل جانباً متزايداً من الأعباء الاقتصادية. وفي محاولة لاحتواء الضغوط المالية، كشفت حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، مطلع أكتوبر تشرين الأول الجاري، عن خطة تستهدف تحقيق وفورات بقيمة 54 مليار يورو، تعادل نحو 60.5 مليار دولار. ويواجه تنفيذ هذه الإجراءات عقبات سياسية واجتماعية، في ظل برلمان منقسم ومعارضة شعبية لأي تخفيضات إضافية في الإنفاق العام. وأشار فاتاس إلى أن زيادة الموارد المخصصة للتعليم تتطلب إعادة توزيع الإنفاق ضمن الموازنة القائمة؛ ما يجعل الخيارات المتاحة أمام الحكومة أكثر محدودية مقارنة بالسنوات الماضية. أسواق السندات تحت الضغط وامتدت تداعيات الأزمة الفرنسية إلى الأسواق المالية، مع تصاعد قلق المستثمرين بشأن قدرة الحكومة على معالجة اختلالات الموازنة والحفاظ على استقرار الدين العام. وأظهر تقرير لشركة "أليانز" أن فرنسا كانت من أكثر الدول تضرراً من موجة بيع السندات العالمية، في وقت ساهمت فيه الاحتجاجات والاضطرابات السياسية في زيادة المخاوف المتعلقة بالاقتصاد الفرنسي. ويؤدي ارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى زيادة تكلفة تمويل الدين؛ ما قد يفرض ضغوطاً إضافية على الموازنة ويقلص الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمارات العامة. وحذر الباحث البارز في مركز "بروغل" للأبحاث الاقتصادية، زولت دارفاس، في تصريحات لـ"نيوزويك"، من أن استمرار الخلافات بشأن الموازنة قد يزيد اضطراب أسواق السندات ويدفع عوائدها إلى مزيد من الارتفاع. وتبرز خطورة هذا السيناريو في احتمال تشكل حلقة متبادلة من الضغوط؛ إذ تؤدي الاضطرابات السياسية إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، بينما تحد الأعباء المالية المتزايدة من قدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية، ما قد يغذي موجات جديدة من الاحتجاجات. انتخابات 2027 تزيد المشهد تعقيداً تأتي الأزمة في مرحلة سياسية حساسة، بعد أن أسفرت الانتخابات التشريعية عام 2024 عن برلمان معلق تتوزع مقاعده بين كتل متنافسة، ما صعّب تشكيل توافقات مستقرة بشأن السياسات الاقتصادية والإصلاحات المالية. ومع اقتراب انتهاء ولاية ماكرون في مايو أيار المقبل، تواجه القوى السياسية الوسطية تحدياً إضافياً يتمثل في غياب خليفة واضح للرئيس، بالتزامن مع تقدم اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي. ويتصدر حزب "التجمع الوطني"، المعروف سابقاً باسم "الجبهة الوطنية"، استطلاعات الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل نيسان 2027، فيما تتقدم زعيمته السابقة ورئيسة كتلته البرلمانية مارين لوبان بفارق 18 نقطة على أقرب منافسيها، وفق البيانات التي أوردتها المجلة. وتمنح الاحتجاجات الحالية الحزب فرصة لتعزيز خطابه السياسي القائم على انتقاد أداء الحكومة والدعوة إلى استعادة النظام والاستقرار. وقال رئيس الحزب جوردان بارديلا، الأحد، إن على الفرنسيين إدراك خطورة المرحلة واتخاذ الخيارات السياسية المناسبة، مؤكداً استعداد حزبه لإعادة النظام إلى البلاد. في المقابل، يرى خبراء أن اقتراب الانتخابات الرئاسية يجعل التوصل إلى تسويات بشأن الموازنة والإصلاحات الاجتماعية أكثر صعوبة، مع سعي الأحزاب المتنافسة إلى استثمار الغضب الشعبي لتعزيز مواقعها الانتخابية. وأوضح فاتاس أن معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تتطلب توافقات سياسية، غير أن المنافسة الانتخابية تجعل تحقيق هذه التوافقات شبه مستحيل في الظروف الراهنة. ومن جهته اعتبر دارفاس أن القرارات التي سيتخذها الرئيس المقبل ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت فرنسا ستتجه نحو أزمة مالية خطيرة، أم ستنجح في استقرار ماليتها العامة من خلال برنامج متوسط الأجل يتمتع بالمصداقية.
المصدر: لبنان 24