التسوّل الإلكتروني باسم المرضى… آلام تتحول إلى وسيلة للاحتيال
لونيس بدر الدين: التعامل بحذر مع المنشورات التي تستند إلى وثائق طبية غير قابلة للتحقق انتشرت، مؤخرا، ظاهرة استغلال آلام بعض المرضى ومعاناتهم، للتكسب من خلفها وجمع المال، وهو ما رصدناه في الشوارع وعبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، لدرجة أن بعض الأشخاص كسب الملايين ثم اختفى دون تقديمه تفاصيل عن حالة المريض الذي كان يجمع له المال، والخطير أن البعض بات يستعمل الذكاء الاصطناعي لتزوير أختام ووصفات طبية، في ظاهرة احتيال خطيرة. تحولت منصات التواصل الاجتماعي من فضاء لتبادل الأخبار والصور والتواصل بين الأفراد لدى بعض الأشخاص، إلى وسيلة لاستجداء الأموال واستدرار عطف روادها، من خلال نشر قصص إنسانية مؤثرة عن أمراض مستعصية وحالات صحية حرجة، مصحوبة بوثائق طبية ووصفات علاجية يُفترض أن تمنح تلك النداءات المصداقية اللازمة. غير أن الخطير في هذه الظاهرة هو لجوء بعض أصحاب هذه المنشورات إلى عرض وثائق يُشتبه في تزويرها أو تعديلها رقميا، بما في ذلك استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتلاعب بالأختام والتوقيعات الطبية، لتحويل معاناة المرضى إلى وسيلة لجمع الأموال، وهو ما كشفه أطباء. فبعض المنشورات باتت تثير الشكوك حول صدقيتها، فيجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة، كيف يمكنه مساعدة المحتاجين من دون أن يقع ضحية للاحتيال؟ وكيف يمكن الحفاظ على روح التضامن التي تميّز المجتمع الجزائري، في ظل محاولات استغلالها لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة؟ وحتى في الشوارع بات بعض المتسولين يحملون وصفات طبية، وصور مرضى، تبدو مولدة بالذكاء الاصطناعي، في تطور ملحوظ، يضع المواطن في حيرة بين المساعدة أو التجاهل. وثائق طبية لإضفاء المصداقية على النداءات باتت بعض المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تعتمد أسلوبا يقوم على إرفاق طلبات المساعدة بصور لوصفات طبية أو وثائق استشفائية، مع سرد تفاصيل عن أمراض خطيرة أو عمليات جراحية مستعجلة تتطلب مبالغ مالية كبيرة. ويُراد من هذه الوثائق إقناع المتابعين بأن الحالة حقيقية، ودفعهم إلى تحويل الأموال بسرعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطفال أو شباب أو أشخاص يواجهون أمراضا تهدد حياتهم. لكن وجود وثيقة طبية في منشور إلكتروني لا يكفي وحده لإثبات صحة القصة، مثلما أن تداول صورة لوصفة علاجية أو ورقة استشفاء لا يعني بالضرورة أنها مزوّرة. فالمشكلة تكمن في صعوبة التحقق من مصدر الوثيقة وسياقها، ومدى ارتباطها بالشخص الذي يطلب المساعدة، خصوصا عندما تُنشر الصور من حسابات مجهولة أو من دون تقديم معلومات تسمح بالتأكد من الحالة. وتزداد المخاوف عندما تظهر وثائق تتضمن بيانات غير متناسقة، أو أختاما وتوقيعات تثير الشكوك، أو معلومات طبية لا يمكن التحقق منها من خلال المنشور وحده. وفي مثل هذه الحالات، يصبح التدقيق ضروريا قبل تحويل الأموال، لأن الذكاء الاصطناعي بات يسمح بتوسيع أساليب التلاعب. بحيث أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة لإنشاء صور ووثائق تبدو واقعية للوهلة الأولى، أو تغيير محتوى صور موجودة، أو تركيب عناصر بصرية قد يصعب على غير المختصين اكتشافها. وتكمن الخطورة في استغلال البعض هذه الأدوات لإنتاج وثائق ذات مظهر طبي، أو التلاعب ببيانات شخصية ومعلومات علاجية، أو تركيب أختام وتوقيعات توحي بأن الوثيقة صادرة عن مؤسسة صحية أو طبيب معين. وقد يؤدي ذلك إلى تضليل المتبرعين واستغلال اندفاعهم لمساعدة المرضى، خاصة عندما يُرفق المنشور بصور مؤثرة وعبارات تستعجل تقديم المساعدة. وفي هذا السياق، يحذّر الطبيب العام لونيس بدر الدين، من الجزائر العاصمة، من انتشار مثل هذه السلوكيات التي تقوم على استغلال طيبة الجزائريين وروح التضامن التي يبديها المجتمع تجاه المرضى والمحتاجين، من خلال اللعب على وتر التعاطف الإنساني لدفع الناس إلى تقديم الأموال. ويرى الطبيب أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في احتمال خسارة المتبرعين لأموالهم، وإنما أيضا في المساس بالثقة التي تقوم عليها المبادرات التضامنية، وبحسب قوله: “إن تكرار حالات الاحتيال، متى ثبتت، قد يدفع المواطنين إلى التشكيك في نداءات حقيقية أطلقتها عائلات عاجزة عن تحمل تكاليف العلاج”. ويؤكد هذا الانشغال، بحسب قوله، أهمية التعامل بحذر مع المنشورات التي تستند إلى وثائق طبية غير قابلة للتحقق، وعدم الانسياق وراء كل نداء استغاثة لمجرد أنه يتضمن صورا مؤثرة أو تفاصيل عن مرض خطير. فالتضامن، بحسب هذه المقاربة، ينبغي أن يقوم على مساعدة المحتاجين مع الحرص على وصول الدعم إلى مستحقيه، لا على التخلي عن روح التكافل بسبب ممارسات بعض الأشخاص. كما تفرض هذه الظاهرة، وفق محدثنا، تعزيز الوعي بمخاطر التلاعب الرقمي، خاصة أن الوثيقة التي تبدو مقنعة للعين المجردة قد لا تكون كافية لإثبات صحة المعلومات الواردة فيها، وأن التحقق من مصدرها يظل خطوة أساسية قبل اتخاذ قرار التبرع. وينصح لونيس، وأمام انتشار نداءات المساعدة عبر الإنترنت، اعتماد خطوات بسيطة قبل التبرع للغير، من بينها التواصل مع صاحب النداء وطلب معلومات إضافية يمكن التحقق منها، والتأكد من وجود جمعية أو جهة معروفة تتولى جمع التبرعات، أو التواصل مع المؤسسة الصحية المعنية عبر قنواتها الرسمية عندما يكون ذلك ممكنا ومناسبا. كما يُفضّل توجيه المساعدة، في الحالات التي تسمح بذلك، إلى الجهة العلاجية مباشرة، أو إلى جمعية موثوقة تتكفل بالملف، بدلا من تحويل مبالغ إلى حسابات شخصية مجهولة. ويمكن أيضا الاستعانة بأشخاص موثوقين يعرفون العائلة المعنية، مع احترام خصوصية المريض وعدم نشر بياناته الطبية أو الشخصية من دون إذنه. وفي حال الاشتباه في تزوير وثيقة أو انتحال صفة طبيب أو مؤسسة صحية، ينبغي الاحتفاظ بالمنشور والأدلة المتاحة، والإبلاغ عنه لدى المنصة المعنية أو الجهات المختصة، بدلا من الاكتفاء بتداوله على نطاق واسع أو توجيه اتهامات غير مثبتة. ولا يقلّ أهمية عن ذلك تجنّب مشاركة المنشورات المشبوهة على نطاق واسع، حتى بنية التحذير منها، لأن إعادة نشرها قد تساهم في انتشارها أكثر، وتمنح أصحابها فرصة جديدة للوصول إلى متبرعين محتملين. إن أخطر ما يمكن أن تخلّفه ظاهرة التسوّل الإلكتروني باسم المرضى ليس فقط احتمال الاستيلاء على أموال المتبرعين، بل الإضرار بالثقة التي يحتاج إليها المرضى الحقيقيون وعائلاتهم عندما يضطرون إلى طلب المساعدة. فكل حالة احتيال تثبت، وكل وثيقة مزوّرة تُستخدم لاستدرار الأموال، يمكن أن تجعل مواطنا مترددا في الاستجابة لنداء إنساني صادق.
المصدر: الشروق