الذي يمسك القلم
أحمد الحضرمي قد لا يستغرق القرار سوى ثوانٍ، لكن أثره يمتد سنوات. توقيع واحد يفتح طريقًا أو يغلقه، ويُبقي جهدًا حيًّا أو يطويه، وخلف ذلك الجهد أناس أعطوه وقتهم وخبرتهم وإخلاصهم. القلم هنا ليس أداة كتابة. إنه اللحظة التي تتسع فيها إرادة واحدة حتى تغيّر مسارات أكبر من صاحبها ومن مصلحته. لكن امتلاك سلطة القرار لا يعني امتلاك الحقيقة، والقدرة على فرض الرأي لا تثبت صوابه. تبدأ المشكلة حين تختلط المسؤولية بالأنا، فيتحول القرار من وسيلة لغاية إلى وسيلة لإثبات المكانة. والأنا لا تأتي دائمًا في ثوب الغرور الصريح؛ قد تأتي في ثوب الحرص، وفي ثوب الحزم، وفي ثوب الغيرة على المبادئ. يبدأ الإلغاء عادةً بجملة هادئة: نريد رؤية جديدة. ثم يُسأل من بنى: لماذا لم تفعلوا كذا؟ لا ليجيب، بل ليُقال إن الجواب لم يكن كافيًا. وبعد ذلك يُعاد العمل إلى نقطة الصفر، لا لعيب ثبت فيه، بل لأن من يملك التوقيع يريد أن يبدأ من جديد وفق رؤيته. تُهدر جهود سنوات، وتُلغى مبادرات بناها آخرون، وتُمحى خبرات تراكمت بالتجربة. وتبقى ملفات على المكاتب بعد أن يُقال لأصحابها إن المرحلة تغيّرت. وفي هذا كله لا يحضر معيار ثابت. المعيار حين يتأخر عن النتيجة لا يعود معيارًا؛ هو حكم يبحث عن مبرره. وثمة نجاحات لا يُسأل عن صاحبها، بل يُسأل لمن تُنسب. فإن لم تُنسب إلى من يملك التوقيع صارت نجاحًا ناقصًا، مهما اكتمل. وليست أخطر الأحكام ما يُقال عن العمل، بل ما يُقال عن صاحبه: أنه لا يشبهنا. جملة لا تحتاج إلى دليل ولا تقبل الجواب، لأن «نا» فيها لا يسأل أحد من هم. وحين يتكلم فرد باسم الجماعة، يصير اعتراضه عليه اعتراضًا على الجميع، ويصير النجاح نفسه موضع الاتهام لا الأداء. وهكذا قد يتحول التمسك بالموروث من اعتزاز بالجذور إلى أداة تُجرَّد بها الإنجازات من شرعيتها. فليست المشكلة في العادات والتقاليد، بل فيمن يتكلم باسمها. الأمانة ليست الالتزام بالإجراءات، بل أن يفصل الإنسان بين المصلحة التي أؤتمن عليها ومصلحته الشخصية، وأن يحتكم إلى معيار يضعه قبل أن يرى النتيجة، حتى حين تخالف النتيجة تفضيله. والنية الحسنة لا تجبر خاطر من خسر. والصلاحية لا تجعل القرار عدلًا. ولا يعني ذلك أن كل تغيير خطأ، أو أن كل جهد سابق يستحق البقاء؛ فالمعيار هو مبررات القرار ونتائجه، لا هوية صاحبه ولا قربه ممن يملكون التأثير. والاعتراف بإنجاز الآخرين لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يدل على أنه يرى العمل خارج حدود ذاته. وهذا ليس شأن موقع واحد؛ فهو يظهر حيث يستطيع شخص أن يمسك بجهود الآخرين ومصائرهم، في العمل والمبادرات والعلاقات. أصعب ما يواجه من يملك القرار أن يسأل نفسه بصدق: هل أرفض هذه الفكرة لأنها غير صالحة، أم لأنني لا أريد قبولها؟ لو جاء الاقتراح نفسه من شخص لا يُهدد مكاني، هل كنت سأقرؤه بالعين نفسها؟ كلنا وقفنا يومًا على الجانب الآخر من الطاولة، ورفضنا فكرة لا نذكر الآن لماذا. والنضج ليس أن تكون كلمتك الأخيرة دائمًا، بل أن تملك الشجاعة لمراجعتها، وأن تحفظ ما يستحق البقاء حتى لو لم تكن أنت من بدأه. قد تنسى بعد أيام ما وقّعت عليه، وسيبقى أثره حاضرًا في حياة إنسان آخر سنوات؛ فحين تمسك القلم فوق ورقة تخص غيرك، توقف لحظة، وانظر إلى يدك. ليس السؤال ماذا تريد أن تفعل فحسب، بل بأي معيار، وعلى من سيقع.
المصدر: الرؤية