التنمر الإلكتروني.. ضحكة على حساب إنسان
د. أحمد بن علي المرهون أحيانًا أتوقف عند بعض التعليقات التي أقرأها على مواقع التواصل وأتساءل كيف يستطيع شخص أن يجرح إنسانًا بكلمات قاسية ثم يُواصل يومه وكأنَّ شيئًا لم يحدث؟ كيف تصبح مشاعر الآخرين أمرًا هينًا إلى هذه الدرجة وتتحول معاناتهم إلى مادة للضحك والتسلية؟ قد تبدأ الحكاية بتعليق ساخر على صورة أو كلمة جارحة تحت رأي لا يعجب صاحبه ثم ينضم آخرون إلى السخرية ويعيد بعضهم نشرها حتى يجد الشخص المستهدف نفسه محاطًا بأشخاص لا يعرفهم يتحدثون عنه ويضحكون عليه. وربما لا يعرف هؤلاء شيئًا عن حياته ولا عن الظروف التي يمر بها ولا عن الأثر الذي قد تتركه كلماتهم في نفسه. أُفكِّر أحيانًا في ذلك الشخص الذي يقرأ التعليقات وحده بعيدًا عن أعين الآخرين. قد يبتسم أمام الناس حتى لا يُظهر حزنه وقد يتظاهر بأن الأمر لا يعنيه بينما تظل الكلمات عالقة في ذهنه. ما يراه البعض مزحة عابرة قد يتحول عند غيرهم إلى وجع يصعب الحديث عنه. لا أظن أن التكنولوجيا هي التي جعلتنا قُساة؛ فالسخرية وإيذاء الآخرين عرفهما الإنسان منذ زمن طويل. لكن الشاشات جعلت المسافة بين من يؤذي ومن يتألم أكبر، حتى صار بعض الناس يكتبون كلامًا ربما يخجلون من قوله لو كانوا وجهًا لوجه مع الشخص الذي يستهدفونه. وما يحزنني أكثر أن الإساءة لا تبقى دائمًا بين شخصين فقد يكتب أحدهم تعليقًا جارحًا ثم يأتي آخر ليضحك وثالث ليعيد النشر ورابع يضيف كلمة أشد قسوة. وفي لحظات يجد الإنسان نفسه في مواجهة جمهور كامل. وقد لا يقصد كل مُشارك أن يؤذيه لكن ذلك لا يمنع أن يكون جزءًا من ألمه. لا أرى أن علينا تجنب النقد أو الخوف من الاختلاف. من حقنا أن نرفض رأيًا وأن نناقش فكرة وأن نقول إننا لا نتفق مع شخص ما. لكن هناك فرقًا بين أن أختلف معك وبين أن أجرحك وبين أن أنتقد ما تقوله وأن أجعل منك مادة للسخرية. ليس من الضروري أن نتفق حتى نحافظ على احترام بعضنا بعضًا. وأظن أنَّ الأمر يستحق منَّا وقفة صادقة مع أنفسنا. هل نرفض التنمر لأننا نؤمن بأنَّه سلوك مؤذٍ أم لأن الشخص الذي يتعرض له قريب منا أو يشبهنا؟ ماذا لو كان المستهدف شخصًا نختلف معه أو لا نحب آراءه؟ هل سنضحك على الإساءة نفسها أم سنتذكر حينها أن له مشاعر وكرامة مثلنا؟ لا أحب أن نختصر مواجهة التنمر في نصيحة الضحية بأن تتجاهل ما يحدث؛ فليس سهلًا على الجميع أن يتجاوزوا الإهانة خصوصًا عندما تتكرر أو تنتشر على نطاق واسع. أحيانًا يحتاج الإنسان إلى من يسمعه ويقف إلى جانبه ويشعره بأنه ليس وحده. ويحتاج المجتمع أيضًا إلى موقف واضح من التشهير والتهديد والإساءة المتعمدة. ربما لا نستطيع أن نمنع كل كلمة جارحة ولا أن نجعل مواقع التواصل مكانًا خاليًا من الخلافات. لكننا نستطيع أن نفكر قليلًا قبل أن نكتب وأن نتردد قبل أن نعيد نشر إهانة، وأن نختار ألا نكون جزءًا من ضحكٍ يأتي على حساب إنسان آخر. كل ما أتمناه أن نتذكر ونحن نتصفح هواتفنا أن خلف كل حساب شخصًا له أيام صعبة ومخاوف لا نعرفها ومشاعر قد لا يستطيع التعبير عنها. لا نعرف دائمًا ما الذي يمر به الآخرون ولهذا لا ينبغي أن نضيف إلى أعبائهم ألمًا جديدًا. لسنا مطالبين بأن نحب الجميع أو أن نتفق مع الجميع لكننا نستطيع أن نختلف من دون أن نؤذي وأن ننتقد من دون أن نهين. وربما يكون أجمل ما يمكن أن نتركه خلفنا في هذا العالم الرقمي كلمة طيبة أو صمتًا يمنع أذى، أو موقفًا بسيطًا يشعر إنسانًا ما بأنه ليس وحده.
المصدر: الرؤية