شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

انفجار الخوارزميات في فرنسا وأوروبا: إنذار مبكّر لكل العالم

انفجار الخوارزميات في فرنسا وأوروبا: إنذار مبكّر لكل العالم

ما يحدث في فرنسا وأوروبا اليوم، في عمقه، هو تجسيد حي لِانتصار خوارزميات التواصل على قدرة الدول على التكيف معها… برزت فرنسا كأضعف حلقة في أوروبا فانفجرت بها الأوضاع، وبدأت تنتقل إلى غيرها، وستنتقل إلى دول أخرى، ولن تكون هناك دولةٌ في العالم بمنأى عن هذا ما لم تستبق الأوضاع وتعرف كيف تروّض الخوارزميات بمختلف أشكالها، وتُطوِّعها لِخدمة مجتمعات متوازنة قادرة على ضمان استقرارها وتطورها الذاتي بنفسها. اجتمعت في فرنسا أربعة عوامل ساعدت على انتصار الخوارزميات وانفجارها في الشارع: مدرسة في الضواحي تُغذّي اليأس بدل الأمل من خلال مستويات تعليم متدنِّية تُعمِّق الفوارق بين أجيال المغتربين المتتالية وأجيال الأحياء الراقية. وأسرة مُفكّكة بلا منظومة قيم ولا تقاليد ولا دين نتيجة لائكية مفرطة ومتطرفة وحرية فردية على الطريقة “العدمية” مُتمرّدة على كافة الأطر الدينية والتقاليد التي كانت في السابق تحافظ على الطابع المسيحي للزواج وإنجاب الأبناء وتربيتهم. ووضع اقتصادي ضاغط نتيجة ارتفاع المديونية الداخلية إلى نسبة غير مسبوقة من الناتج الوطني الخامّ مما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار وصعوبات جمة لضمان مستوى معيشي لائق. وأخيرا بنية تحتية تكنولوجية متقدّمة سهّلت الهروب من المجتمع والأسرة والمدرسة إلى شاشات الهواتف الذكية، ثم الوقوع فريسة هيمنة الخوارزميات التي دفعتها دفعا نحو الانفجار. وما اجتمع في فرنسا، مُتوفّر في أكثر من دولة أوروبية، بل وفي أكثر من دولة في العالم، بل وفي كل بقعة من العالم وصلتها التكنولوجيا المتقدمة بدرجة عالية، ضَعُفت مدرستُها، وتفكّكت بها الأسرة وابتعدت عن القيم والتقاليد والدين، وزادها تدهور الوضع الاقتصادي سوءا. إننا نعيش، وسنعيش أكثر في المستقبل كافة التّحديات المرتبطة بانفجار الخوارزميات هذا، إذا لم نعتمد سياسات استباقية ملائمة تُمكِّننا، في الوقت ذاته، من امتلاك التكنولوجيا المتقدمة بالقدر الكافي وفي الوقت نفسه الحفاظ على التوازن المجتمعي بالقدر اللازم من خلال المدرسة والأسرة والوضع الاقتصادي وشاشات الهواتف الذكية. علينا إذن، حمل هذا الإنذار المبكر مَحمَل الجد. – المدرسة ينبغي أنْ تنتج الأمل وتدفع نحو حب التعليم والثقة في كونه أساس التطور والارتقاء. – الأسرة ينبغي أن تحافظ على الدين ومنظومة القيم والتقاليد والمرجعيات. – الوضع الاقتصادي ينبغي أن يكون متماسكا وقادرا على مواجهة الأزمات. – البنية التحتية للتكنولوجيا المتقدمة ينبغي ألا تكون في خدمة طغيان الخوارزميات على المستويات الثلاثة السابقة. بهذا، يُمكننا استباق انفجار الخوارزميات القادم. ومجتمعاتنا بالذات، على خلاف ما يبدو، هي اليوم في وضع أكثر صلابة لتحقيق ذلك. – يمكن لمدرستنا أن تعتني بكفاءاتها البشرية وبرامجها لِتُعيد للتعليم بريقه وجدواه فيغذّي بذور الأمل لدى الأجيال الصاعدة. – وأسرتنا مازالت في غالبيتها الساحقة محافظة على الدين والتقاليد والمرجعيات، يكفي ترشيدها نحو أساليب أكثر فاعلية للتعامل مع المستجدات. – ووضعنا الاقتصادي النامي يسمح بفرص أكبر للاستثمار والتطور إذا ما توفرت الحوكمة الراشدة والاستباقية الملائمة. – وبنيتنا التحتية في مجال الاتصال والتواصل قابلة لأن تتحوَّل إلى بنية وطنية تعتني ببياناتنا أكثر وتُحافظ عليها من الذوبان في بيانات العالم… وجميعها، عناصر هي متوفرة اليوم بين أيدينا، وأمامنا الإنذار المبكر، لم يبق لنا سوى امتلاك القدرة على استباق الأزمات واستحداث ما ينبغي من الأفعال لإحداث التغيير الذي نَتحكم فيه ويخدمنا.

المصدر: الشروق