فرنسا تحترق!
هذا هو الوصف الذي أطلقه حرفيا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ما يجري في فرنسا من مظاهرات تحوّلت في الأيام الأخيرة إلى أعمال شغب وتخريب ونهب، ومع أنّها لم تمس إلا مدنا قليلة وكانت محدودة في مجملها وفي أعداد المشاركين فيها، إلا أنّ ترامب تعمّد تهويلها بنيّة تحميل المهاجرين المسؤولية، وقال بالحرف الواحد إن “الهجرة حطّمت بلدا كان عظيما يوما ما”، قبل أن يعود بعد يومين ويقول للصحافيين في واشنطن “ما يحدث في فرنسا له علاقة بالهجرة وليس بالمدارس أو أيّ شيء آخر.. إنها الهجرة، وقد قلت للرئيس إيمانويل ماكرون: أغلقوا حدودكم”، واستحضر في هذا الصدد محادثة أجراها من قبل مع ماكرون حذّره فيها من أن “باريس ستصبح مدينة إسلامية في القريب العاجل”، قبل أن يصل إلى استنتاج بالغ العنصرية والخطورة: “إذا لم تغلق أوروبا حدودها وتخرج المجرمين، مثل هؤلاء الأشخاص الذين يحتجّون، فإنّ أوربا ستنتهي”! المفارقة أنّ الرئيس ماكرون نفسه لم يجرؤ على تحميل المهاجرين مسؤولية ما يقع في بلاده من أعمال شغب وتخريب، مكتفيا بإدانتها والاعتراف بحدوث “إخفاقات” في معالجتها، في حين اتهم رئيس وزرائه سيباستيان لوكورنو صراحة اليسار الراديكالي بتأجيج العنف بهدف تعزيز فرص مرشح حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلانشون في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى بعد أشهر قليلة، بل حتى مارين لوبان نفسها، وهي السياسية اليمينية المتطرّفة الشهيرة بعنصريتها، لم تطلق هذا الاتهام الخطير بحقّ المهاجرين، واكتفت بدورها بتحميل المسؤولية لليسار. ربّما شارك بعض المهاجرين فيما يقع في المدن الفرنسية هذه الأيام، لكنّ أعدادهم ضئيلة، وكاميرات تلفزيونات العالم تظهر بوضوح أنّ من يقوم بهذه الأعمال هم طلبة ثانويون فرنسيون احتجاجا على تدهور ظروف التعليم ببلادهم، وكذا أصحاب “السترات الصفراء” وعمال ومواطنون فرنسيون اكتووا بنار غلاء المعيشة بفرنسا، لكنّ ترامب لم ير أيّا منهم واتهم المهاجرين الأجانب فقط، وبعبارات تنضح حقدا وكراهية للمسلمين منهم خاصة، داعيا إلى طردهم من فرنسا وأوروبا كلها. هؤلاء المهاجرون الذين يتّهمهم ترامب اليوم بهتانا وظلما بـ”تحطيم” فرنسا و”إحراقها”، كان لهم دور كبير في بنائها والمساهمة فيما حقّقته من رقي وتقدّم منذ عقود طويلة، لاسيما منهم أبناء المستعمرات الفرنسية السابقة، وقد اعترف بذلك رؤساء ومسؤولون فرنسيون عديدون على مدار عقود، وإلى حدّ الساعة لا يزال المهاجرون يقومون بدور فاعل في بناء الاقتصاد الفرنسي واقتصادات الدول الأوروبية وباقي دول الغرب، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، في ظلّ نقص اليد العاملة المؤهّلة فيها بفعل شيخوخة سكّانها. ما يحاول ترامب تجنّبه بوضوح من خلال تحميل المهاجرين، وخاصة المسلمين منهم، مسؤولية ما يحدث في فرنسا ودول أوروبية عديدة من مظاهرات لشعوبها، احتجاجا على غلاء المعيشة وتدهور قدرتها الشرائية وسياسات التقشّف التي تنتهجها حكوماتها، هو أنّ ذلك عائد إلى أسباب أخرى عديدة، وفي مقدّمتها استنزاف حكومات هذه الدول تريليونات الأوروهات في دعم الحرب الأوكرانية الخاسرة ضدّ روسيا، وصولا إلى الحرب الأمريكية على إيران والتي أفضت إلى إغلاق طهران مضيق هرمز في وجه ناقلات النفط والسفن التجارية العالمية، ما أدى إلى ارتفاع كبير لأسعار النفط والغاز في العالم، وكذا أسعار الغذاء ومواد أساسية أخرى “كانت” تمرّ بسلاسة عبر المضيق قبل الحرب، يكفي فقط الإشارة إلى أنّ أسعار الديزل في فرنسا قفزت بنحو 40 بالمائة والبنزين بنسبة 25 بالمائة منذ مارس الماضي، وأسعار المواد الغذائية بـ25 بالمائة، حسب وكالة الأنباء الفرنسية، وكل ذلك ما كان ليحدث لولا الحرب الجائرة المتهوّرة التي شنّها ترامب على إيران في 28 فبراير الماضي ثم الحصار الاقتصادي الجهنمي الذي فرضه على سفنها وموانئها منذ أشهر، ما جعلها تغلق مضيق هرمز كردّ فعل، فكانت النتيجة ارتفاع أسعار الوقود والغذاء في دول العالم، وبداية تململ الشعوب الأوروبية من دفع ثمن هذه الحرب غاليا من أقواتها، مع أنّها ليست حربها وقد خاضها ترامب نصرة للأجندة الصهيونية. ترامب يخشى، إذن، تحميله ولو بعض المسؤولية فيما يحدث في فرنسا ودول أوروبية أخرى بحروبه التي لم تُنتج إلا الكوارث، لذلك يحاول تبرئة ساحته منها وتحميلها للمهاجرين المسلمين الذين وصفهم بـ”المجرمين”، و”الجهاديين”، داعيا إلى طردهم من فرنسا وأوروبا، وصدق المثل القائل: “رمتني بدائها وانسلّت”.
المصدر: الشروق