شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

المنطقة على حافة الأسوأ

المنطقة على حافة الأسوأ

خالد بن سالم الغساني يتصدر التصعيد الجاري في المنطقة المشهد السياسي اليوم، وسط تزايد المخاوف من اتساع نطاقه وتجاوز تداعياته حدود المواجهة الراهنة، في ظل حالة من الغموض تحيط بالمدى الذي قد يبلغه، وبقدرة الأطراف المنخرطة فيه على مواصلة التحكم بمساراته واحتواء نتائجه. المشهد قد تجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية، وينذر بمرحلة أكثر خطورة، تصبح فيها منشآت النفط والغاز، ومحطات الكهرباء والمياه، والموانئ والممرات البحرية، أهدافًا في صراع تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالمصالح الاقتصادية والرهانات السياسية. وفي هذا السياق، تكتسب كلمة أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في مقر مجلس الشورى القطري في الدوحة، خلال افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين للمجلس دلالة تتجاوز حدود التحذير المعتاد، حين دعا إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، وإلى أن يتحمل الجميع مسؤولياتهم، مؤسسات ومواطنين. ومثل هذه الدعوة التحذيرية، الصادرة عن قيادة دولة تقع في عمق المجال الجغرافي والاقتصادي المهدد، ينبغي التعامل معها باعتبارها تعبيرًا عن إدراك متزايد لحجم المخاطر التي باتت تحيط بالمنطقة، واحتمال انتقالها من ساحات المواجهة العسكرية إلى صميم الحياة اليومية للمجتمعات. لقد تجاوز الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، في تداعياته، حدود الاشتباك المباشر بين أطرافه. ولم تعد دول الخليج، بما تمتلكه من منشآت حيوية وممرات بحرية ومراكز اقتصادية، بمنأى عن نتائجه، حتى وإن أعلنت بوضوح أنها لا تريد أن تكون طرفًا فيه؛ فالجغرافيا هنا، لم تعد تعترف بالحياد السياسي، والمصالح الاقتصادية المترابطة تجعل من الصعب عزل أي دولة عن آثار المواجهة، مهما بلغت درجة حرصها على تجنبها. مضيق هرمز اليوم يشكل إحدى أكثر نقاط التوتر حساسية في العالم، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره لا يقتصر أثره على أسعار الطاقة، وإنما يمتد إلى سلاسل الإمداد والتجارة والصناعة والأمن الغذائي، بما يجعل من الصراع المحلي أو الإقليمي أزمة تمتد أبعادها لتشمل العالم كله. والأخطر من تعطيل الملاحة هو الاتجاه نحو استهداف البنى التحتية الحيوية، أو التهديد باستهدافها، باعتبارها أدوات للضغط العسكري والسياسي. وحين تصبح منشآت الطاقة والمياه والكهرباء والموانئ جزءًا من بنك الأهداف، تتغير طبيعة الحرب نفسها. لم تعد المسألة تتعلق بإضعاف القدرات العسكرية للخصم وحدها، بل بالمساس بالمقومات الأساسية لاستمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وما قد يُدمَّر خلال ساعات يمكن أن يحتاج إلى سنوات لإعادة بنائه، فيما يدفع المدنيون، الذين لم يقرروا الحرب ولم يشاركوا في إشعالها، وليس لهم فيما يجري من ذنب، الثمن الأكبر. وهنا تتجلى إحدى المفارقات القاسية في الحروب المعاصرة: فكلما تطورت وسائل القتال وازدادت دقتها التقنية، اتسعت قدرة المتحاربين على إلحاق أضرار بعيدة المدى بالمجتمعات، حتى دون احتلال أراضيها أو خوض معارك مباشرة داخل مدنها. وقد تصبح ضربة واحدة لمنشأة استراتيجية أشد أثرًا على حياة الناس من معركة عسكرية واسعة، بما تخلّفه من انقطاع للخدمات واضطراب للاقتصاد وتعطيل لمصادر الرزق. وتتجسد الحسابات التي لا يمكن فهم أبعاد الصراع دونها، في أن الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت حضورها العسكري والسياسي وضمان أمن الملاحة ومصالحها الاستراتيجية، إلى جانب أهدافها المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وإسرائيل تنظر إلى القدرات العسكرية والنووية الإيرانية من زاوية أمنها الاستراتيجي، وتسعى إلى الحد منها، ولو باستخدام القوة. أما إيران، فتتعامل مع المواجهة باعتبارها صراعًا على أمنها وموقعها الإقليمي وقدرتها على الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية، وتستخدم ما تمتلكه من أوراق قوة، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية، لرفع كلفة استهدافها. والمشكلة لا تكمن في اختلاف أهداف هذه الأطراف وحده، وإنما في أن كل طرف قد يعتقد أن المزيد من الضغط سيجبر الطرف الآخر على التراجع. ويدخل الجميع بالتالي في معادلة بالغة الخطورة، ويتحول الإقليم كله إلى ساحة لهذه المواجهة، حين يصبح التصعيد وسيلة لتحسين شروط التفاوض، بينما يؤدي كل تصعيد جديد إلى تقليص فرص التفاوض نفسه. وقد ينتهي الأمر إلى مواجهة تكون شعوب المنطقة، دون استثناء، هي الخاسر الأكبر فيها. هذا هو الوجه الأكثر إثارة للقلق في المشهد الراهن. فالحروب الكبرى تتشكل عبر سلسلة من القرارات المحدودة، والردود المتبادلة، وسوء تقدير نيات الخصوم وقدراتهم. ومع اتساع رقعة الاشتباك، وتعدد الجبهات، ودخول الممرات البحرية ومنشآت الطاقة في دائرة التهديد، يصبح احتمال الخطأ في الحسابات أكبر، وتصبح كلفة تصحيحه أشد فداحة. وتزداد خطورة هذا الوضع حين ننظر إلى الامتداد الجغرافي المحتمل للمواجهة، من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب؛ فهذه المنطقة تضم اثنين من أهم الممرات البحرية في التجارة العالمية، وأي اضطراب متزامن فيهما يمكن أن يضاعف الضغوط الاقتصادية، ويفرض على دول المنطقة أعباء أمنية ومالية واجتماعية لم تكن طرفًا في اتخاذ القرارات التي أفضت إليها. ومن هنا، فإن حديث أمير قطر عن مسؤولية الجميع لا يُفهم على أنه مطالبة للمجتمعات وحدها بالاستعداد لتحمل نتائج الحرب، بينما تبقى القرارات التي تقود إليها خارج نطاق المساءلة؛ فالمسؤولية الأولى تقع على عاتق القوى التي تمتلك قرار التصعيد أو التهدئة، وعلى القيادات التي يتعين عليها إدراك أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن توفر أمنًا دائمًا إذا كان استخدامها يؤدي إلى توسيع دائرة التهديد وإنتاج أسباب جديدة للصراع. كما أن مسؤولية المجتمع الدولي لا يمكن اختزالها في الدعوات العامة إلى ضبط النفس، في الوقت الذي تستمر فيه سياسات الضغط والتهديد واستخدام القوة. فالقانون الدولي، وحماية المدنيين، وصون المنشآت الضرورية لحياتهم، وضمان حرية الملاحة، ينبغي أن تكون مبادئ تحكم سلوك جميع الأطراف، لا معايير انتقائية تُستدعى عند استهداف طرف وتُهمَل عند استهداف آخر. وفي المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية الجهود الدبلوماسية التي تبذلها بعض دول المنطقة، وفي مقدمتها سلطنة عُمان وقطر، للحفاظ على قنوات الحوار ومنع انزلاق المواجهة إلى حرب أوسع. فهذه الجهود، مهما بدت محدودة أمام حجم الحشود العسكرية والتصعيد السياسي، تظل ضرورة استراتيجية، لأن البديل عن التفاوض ليس بالضرورة انتصار أحد الأطراف، بل قد يكون استنزافًا طويلًا يخرج منه الجميع بخسائر تتجاوز ما كانوا يتصورونه عند بداية المواجهة. وحين أُشير إلى هذه المخاطر، إلا أنني أؤمن بوجود الكثير من العوامل التي مازالت، ويمكن أن تدفع نحو التهدئة، من بينها الكلفة الاقتصادية الباهظة للتصعيد، والخشية من اضطراب أسواق الطاقة، وصعوبة ضمان نتائج المواجهة العسكرية، فضلًا عن إدراك القوى الكبرى أن اتساع الحرب قد يفتح أزمات جديدة تتجاوز قدرتها على إدارتها. غير أن وجود هذه العوامل لا يكفي وحده لمنع الانفجار، ما لم يتحول إلى إرادة سياسية واضحة توقف منطق التصعيد المتبادل. وإذا كان تحذير أمير قطر من أسوأ الاحتمالات يعكس إدراكًا لحساسية اللحظة، فإنه يطرح، في الوقت نفسه، سؤالًا يتجاوز حدود الاستعداد الداخلي، وهو إلى متى تستطيع دول المنطقة أن تتحمل نتائج صراعات لا تملك وحدها قرار إنهائها؟ وإلى أي مدى يمكن أن يستمر التعويل على التوازنات العسكرية والردع المتبادل، بينما تتعرض مقومات الأمن الاقتصادي والاجتماعي لمخاطر متزايدة؟ وأمن الخليج لا يمكن أن يتحقق عبر تحويله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة، مثلما لا يمكن ضمان أمن الملاحة بتهديد الممرات البحرية، أو تحقيق الاستقرار الإقليمي بتوسيع دائرة الضربات العسكرية؛ فالأمن الحقيقي لا يقوم على قدرة طرف على إلحاق أكبر قدر من الضرر بخصمه، وإنما على بناء ترتيبات سياسية وأمنية تقلل دوافع المواجهة، وتحفظ سيادة الدول، وتمنع تحويل شعوب المنطقة إلى رهائن للصراع. وهذا يقتضي- قبل كل شيء- أن تكف الولايات المتحدة وإسرائيل عن سياساتهما العدوانية، وعن تحويل مناطق العالم إلى ساحات مفتوحة للصراعات العسكرية وتصفية الحسابات السياسية، بما يعرّض شعوبها وأمنها ومقدراتها لمخاطر الدمار والضياع، ويجعلها تدفع أثمان صراعات لم تكن طرفًا في إشعالها، ولا مصلحة لها في استمرارها. وربما تكون أخطر النتائج التي يمكن أن تترتب على استمرار هذا المسار هي اعتياد الحرب نفسها، والتعامل مع استهداف المنشآت الحيوية واضطراب الملاحة وتهديد مصادر الطاقة والمياه باعتبارها وقائع عادية يمكن التعايش معها؛ فحين يصبح الاستثناء قاعدة، وتتراجع حساسية العالم تجاه الخسائر الإنسانية والاقتصادية، تكون المنطقة قد دخلت مرحلة من عدم الاستقرار يصعب الخروج منها، حتى بعد توقف العمليات العسكرية. لهذا، فإن الاستعداد لأسوأ الاحتمالات ضرورة تفرضها المسؤولية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قبول ضمني بحتمية وقوعها. فالاستعداد للحرب شيء، والعمل على منعها شيء آخر، ولا يجوز أن يحجب الأول أهمية الثاني. وما تحتاجه المنطقة اليوم ليس فقط تعزيز قدراتها على امتصاص الصدمات، وإنما جهدًا سياسيًا جادًا يوقف الانزلاق نحو مواجهة قد لا يستطيع أي طرف التحكم في نهايتها. لقد وصلت المنطقة إلى لحظة تتطلب قدرًا أكبر من الحكمة والمسؤولية، لا مزيدًا من استعراض القوة. فكل ضربة جديدة قد تبدو في حسابات منفذيها خطوة نحو تحقيق هدف عسكري أو سياسي، لكنها قد تكون، في حسابات المنطقة بأسرها، خطوة إضافية نحو المجهول. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع، من واشنطن إلى طهران وتل أبيب، ومن عواصم الخليج إلى بقية العواصم المعنية بمصير المنطقة؛ هل ما زالت الحرب وسيلة لفرض تسوية سياسية، أم أن منطق التصعيد بدأ يفرض نفسه على السياسة، حتى باتت الأطراف تقترب من حرب أوسع مما أرادت، وأشد كلفة مما تستطيع احتماله؟ إننا لسنا محكومين بالأسوأ، لكننا لن نتجنبه بمجرد التحذير منه. والمسؤولية الحقيقية لا تبدأ حين تقع الكارثة ويُطلب من الشعوب تحمل نتائجها، بل تبدأ قبل ذلك، حين يكون منع وقوعها لا يزال ممكنًا.

المصدر: الرؤية