شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

كاميرات الهاتف تنتهك الحرمات وتخدش خصوصية الجزائريين

كاميرات الهاتف تنتهك الحرمات وتخدش خصوصية الجزائريين

أتاحت الهواتف الذكية إمكانية تصوير المارة وبث المشاهد مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في سلوك قد يتجاوز حدود التوثيق العادي إلى انتهاك الخصوصية والإساءة إلى كرامة أشخاص يجدون أنفسهم فجأة مادة للفرجة والتعليقات والتداول الإلكتروني، وربما عن غير قصد فاعلها، من دون علمهم أو موافقتهم، لتتحول الهواتف الذكية إلى سلاح غدر يوجه نحو خصوصيات المواطنين، وتحديدا النساء، اللاتي يجدن أنفسهن ضحايا لاستعراض رقمي بلا ضوابط. الحادثة التي هزّت الشارع السطايفي مؤخراً وشغلت الرأي العام المحلي والوطني، فتحت ملف الخصوصية الفردية، والانتكاس الأخلاقي لدى بعض الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في عصر الفضاء الرقمي المفتوح. وتعود تفاصيل هذه القضية الشنيعة إلى محطة نقل المسافرين البرية بمدينة سطيف، هذا المرفق الحيوي الاستراتيجي الذي يشهد يوميا حركة دؤوبا لآلاف المسافرين والعائلات والمتوجهين إلى البلديات والولايات المجاورة، حيث استغل شخص يبلغ من العمر 43 سنة هذا الوضع ليمارس سلوكاً يكتسي طابعا إجراميا تتمثل تفاصيله في تصوير النساء والفتيات خلسة دون علمهن أو إذنهن، ويكون ذلك عبر بث مباشر على منصة “تيك توك”، مرفقاً تلك المشاهد بعبارات مخلة بالآداب وأقوال خادشة للحياء، مستهدفا عن قصد كرامة العائلات ونخوة المجتمع، في محاولة لتحقيق نِسب مشاهدات عالية على حساب أعراض الآخرين. غير أن هذا المقاطع المصورة للبث المباشر لم تمر مرور الكرام على أصحاب الضمائر، إذ سرعان ما أثارت حالة من الاستنكار والغضب الشديد بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول منصات الفضاء الأزرق إلى ساحة حقيقية لليقظة والتضامن الشعبي، حيث بادرت عدة صفحات محلية ونشطاء بارزون إلى فضح عمل هذا الشخص ونشر فيديوهاته الحية بعد إجراء تعديل إلكتروني حرصوا فيه على تغطية وجوه النساء كلياً حماية لكرامتهن وحرمتهن الشخصية، مع إرفاق المنشورات بتنبيهات حذرة للمواطنين للفت الانتباه إلى هذه السلوكيات الخطيرة بالمرفق العمومي، وإطلاق نداءات عاجلة مرفقة بتبليغات رقمية مكثفة موجهة صراحة للمصالح المعنية. وعلى الفور، تفاعلت المصالح الأمنية بأعلى درجات الجدية والسرعة، حيث تحركت فرقة مكافحة الجرائم السيبرانية بالمصلحة الولائية للشرطة القضائية بأمن ولاية سطيف، وباشرت تحرياتها التقنية الدقيقة تحت إشراف النيابة المختصة لدى محكمة سطيف. وفي ظرف قياسي وجيز، تم تحديد هوية المشتبه فيه ومكان إقامته بالتفصيل، ليتوج هذا العمل الأمني المحكم بتوقيف المعني وضبط الهاتف النقال المستعمل في عمليات التصوير والبث، أين أفضى التفتيش الإلكتروني المنجز على الجهاز إلى تأكيد ثبوت الفعل المجرم بالدليل القاطع، وتم تقديم المشتبه فيه أمام وكيل الجمهورية لدى محكمة سطيف لمتابعته قضائيا. التصوير العبثي يخلف صدمة وسط النساء والرجال من جهتنا، انتقلنا إلى محطة نقل المسافرين بسطيف لرصد انطباعات وشهادات حية لبعض المواطنين والفتيات اللاتي يعبرن هذا المرفق بشكل يومي أو أسبوعي. وفي هذا السياق، صرحت السيدة (سارة. ب)، وهي موظفة تتنقل يومياً بين مدينتي سطيف والعلمة، قائلة ونبرة الخوف تسبق كلماتها: “عندما طالعت الفيديوهات المتداولة عن الحادثة، تملكني شعور عارم بعدم الأمان والريب، فنحن كموظفات ونساء نمر يومياً من المحطة، ولا نتصور أبداً أن هناك من يترصد خطواتنا بكاميرا هاتفه ليبث صورنا وتفاصيل أجسادنا للعلن ويقرنها بكلمات بذيئة ومؤذية… الحمد لله أن المصالح الأمنية تدخلت في الوقت المناسب قبل تفاقم الوضع”. من جانبها، أضافت شابة أخرى وهي طالبة تعبر المحطة أسبوعياً، بغضب شديد: “التصوير دون إذن هو انتهاك صريح للجسد وللحرية الشخصية التي كفلها الدستور. ليس من حق أي شخص مهما كانت الذرائع أن يجعل من وجوهنا وأجسادنا محتوى رخيصاً لجمع المتابعات على منصات التواصل على حساب سمعتنا وشرف عائلاتنا، وما حدث في سطيف يجب أن يكون درساً قاسياً ورادعاً لكل من تسوّل له نفسه استغلال النساء في الأماكن العمومية.” والظاهر أن هذا السلوك لم يلحق الضرر بالنساء فقط، بل امتد للرجال أيضا، حيث صادفنا رجلا يقول بأنه أستاذ في الطور المتوسط، وقد حدث أن كان بجانب ورشة لحفر الطريق بمدينة سطيف، أين كان ينتظر صديقه، وظل يتفقد تلك الأشغال ليجد نفسه في فيديو متداول عبر “الفايس بوك”، ومنهم من اعتقد أنه ضمن الطاقم العامل في هذه الورشة فتوالت التعليقات المسيئة لشخصه. ما يؤكد أن كفة الضحايا تسع النساء والرجال على حد سواء. وفي قراءة قانونية لهذا السلوك الإجرامي، تواصلنا مع الأستاذ (أحمد. ك)، محامٍ لدى المجلس، فأكد لنا بدوره أن التكييف القانوني لهذه الأفعال يقع تحت طائل مواد صارمة لا تتسامح فيها التشريعات الجزائرية، قائلاً: “إن التشريع الجزائري كان واضحا وحاسما في حماية الخصوصية والحرمة الجسدية والمعنوية للأشخاص سواء في الفضاء الواقعي أم الافتراضي. والشخص المتهم بهذا الفعل يواجه تهم التقاط فيديوهات لأشخاص ونشرها دون إذنهم أو رضاهم باستعمال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، ومضايقة النساء في مكان عمومي بأقوال خادشة للحياء، إضافة إلى عرض فيديو مخل بالحياء للجمهور”. وأوضح الأستاذ أن هذه الأفعال المجرّمة بموجب المواد 303 مكرر و333 مكرر من قانون العقوبات، إلى جانب النصوص المتممة المتعلقة بالجرائم السيبرانية، تُجابه بأحكام سالبة للحرية وبالحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات، وغرامات مالية تتراوح بين 50 ألف دينار جزائري و300 ألف دينار، مؤكداً أن هناك صرامة قضائية في معالجة هذه الملفات، لحماية كرامة المواطنين وحرياتهم الأساسية في الممتلكات والمرافق العامة. الفضاء الافتراضي تحكمه أيضا القيم والأخلاق وبالنسبة للأستاذ عمر حساين، الباحث والمختص في علم الاجتماع، فإن ما شهدته حادثة سطيف هو انعكاس صارخ لما أصبح يُعرف بـ “هوس الترند” والظهور الرقمي العبثي الذي أدخل عدداً من الأفراد في حالة من تفسخ القيم والانسلاخ عن ضوابط المجتمع. وأشار الأستاذ إلى أن الاستخدام غير الواعي لوسائط التواصل الاجتماعي أوجد حالة من الاغتراب السلوكي جعلت البعض يتجرد تماماً من القواعد الأخلاقية والتربوية المتعارف عليها، حيث أضحى المساس بأعراض الناس وحرماتهم مجرد وسيلة سهلة ومجانية للحصول على التفاعل والشهرة الزائفة. غير أنه شدد في الوقت ذاته على أن “المظهر الأكثر إيجابية وأهمية في هذه الحادثة يتجلى في رد الفعل الشعبي الواعي والتلقائي الذي أبداه المواطنون ونشطاء الفضاء الأزرق، إذ لم يتستر المجتمع على الفضيحة ولم يقف موقف الحياد، بل بادر إلى التبليغ والاستنكار الحازم مع حجب صور الضحايا، وهو ما يثبت أن المجتمع الجزائري يمتلك مناعة أخلاقية وخطوطاً حمراء لا يمكن التنازل عنها.” تظل حادثة محطة نقل المسافرين بسطيف بمثابة جرس إنذار ومدعاة للتأمل في السلوكيات الرقمية، ورسالة شديدة اللهجة لكل من تسوّل له نفسه استغلال التكنولوجيا والوسائط الحديثة لإيذاء الآخرين أو النيل من حرياتهم وكرامتهم. والفضاء الرقمي ليس ساحة مفتوحة للإفلات من العقاب، والتصوير في المكان العمومي له حدود وضوابط تحمي حرمة الفرد وتصون شرفه. وبفضل المزاوجة بين الوعي المجتمعي الحاضر واليقظة الأمنية والردع القضائي الصارم، يتأكد للجميع أن خفافيش التواصل الاجتماعي ستظل دوماً في مرمى العدالة، ليبقى الشارع والمرفق العمومي فضاءً آمناً وحراً لجميع المواطنين على حد سواء.

المصدر: الشروق