تحذيرات من موجات احتجاجية وسيناريو "عبد المهدي" يعود إلى الواجهة
بغداد/ تميم الحسن
تتصرف الحكومة كما لو أنها تستعد لمرحلة أكثر اضطراباً. ملف السلاح لم يحسم، فيما تتقدم إجراءات تقييد الخطاب الإعلامي بالتوازي مع ضغوط مالية متصاعدة. وبين هذه الملفات، ينتظر توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ما ستسفر عنه التعهدات العراقية.
وتقول مصادر قريبة من القصر الحكومي لـ(المدى) إن الزيدي لا يملك "خطة بديلة" عن نزع سلاح الفصائل، وإنه ماضٍ في تنفيذ هذا الإجراء وفق الموعد الجديد، في 30 حزيران 2027.
وترفض المصادر التعليق على ما تصفه بـ"عبثيات" بعض الفصائل التي لا تزال تطلق التهديدات، مؤكدة أن حصر السلاح، حتى لو جرى تخفيف التسمية إلى "معالجة السلاح"، يحظى باتفاق جميع القوى الشيعية.
مهلة جديدة.. ومواجهة مؤجلة
مساء الاثنين، اجتمع الإطار التنسيقي في مكتب رئيس الوزراء السابق محمد السوداني، وانتهى الاجتماع إلى تأكيد حسم ملف حصر السلاح في 30 حزيران 2027، مع تخويل الحكومة اتخاذ الخطوات التي تعزز الالتزام بهذا الموعد. وكانت الحكومة قد تراجعت عن الموعد السابق، المحدد في 30 أيلول الماضي، وسط حديث عن ضغوط إيرانية دفعتها إلى تأجيل الاستحقاق. وفي المقابل، رفضت فصائل تسليم أسلحتها بصورة علنية في أكثر من مناسبة، فيما تشير معلومات متداولة في أوساط قريبة من الملف إلى أن فصائل أخرى لا تزال تخفي أسلحتها.
وتثير هذه المواقف، بحسب جماعات قريبة من التحالف الشيعي، مخاوف من "أزمة قادمة". فهذه الجماعات لا ترى خطوات واضحة لدى الفصائل الرافضة للتسليم، وتعتقد أن بعض تلك الفصائل قد توافق نظرياً على حصر السلاح، لكنها ستعيد تحريكه عند اندلاع حرب. وعند تلك اللحظة، تقول المصادر، قد تجد الحكومة نفسها أمام مواجهة مع الفصائل التي يفترض أنها وافقت على القرار السياسي. وفي الوقت نفسه، سيكون باراك في انتظار نتائج التعهدات التي قدمتها بغداد.
ويرى محللون أن زيارة باراك الأخيرة إلى بغداد، قبل أيام من استكمال التشكيلة الحكومية الموسعة، جاءت لاختبار التزامات الزيدي، ومعرفة ما إذا كانت حكومته قادرة على تحويل التعهدات إلى خطوات عملية.
وبحسب مصادر قريبة من الحكومة، كانت بغداد مستعدة، في 30 أيلول الماضي، لتحريك جهاز مكافحة الإرهاب ضد الجهات التي ترفض تسليم السلاح.
الإطار يرفع الغطاء ولا يعلن الحرب
يضع أحمد الياسري، رئيس المركز العربي- الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، مسألة التخويل السياسي في سياق أوسع من الاجتماع الأخير للإطار التنسيقي.
فهو يرى أن تفويض الزيدي أقدم من ذلك الاجتماع، وأن المشكلة لا تكمن في توقيت التخويل، بل في حدود الحركة التي تسمح بها القوى التي جاءت به إلى رئاسة الحكومة.
ويقول الياسري لـ(المدى) إن الزيدي لا يستطيع التصريح أو طرح أي مشروع من دون تخويل سياسي، لأن قادة الإطار يدركون أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة مواجهة مع الجمهور، وقد تمثل بداية إفلاس الدولة العراقية.
ويضيف أن الإطار التنسيقي اختار الزيدي وهو يدرك أن العراق مقبل على مرحلة اقتصادية خطرة، تتوقع معها ضغوطاً معيشية واحتمالات نزول المواطنين إلى الشوارع.
ويقول الياسري: "أنا شخصياً أتوقع موجة احتجاجية".
لكن الياسري يضع فاصلاً بين مواجهة الفصائل ورفع الغطاء السياسي عنها.
ويقول إن الإطار التنسيقي لا يواجه أجنحته، ويعد ذلك قاعدة لفهم ما يجري. لكنه، في الوقت نفسه، يفسح المجال أمام الولايات المتحدة لاستهداف الفصائل، عبر سحب الحماية السياسية التي كانت توفرها لها.
ويشرح أن استهداف تلك الجماعات كان يقدم سابقاً باعتباره استهدافاً للسيادة العراقية، أما بعد رفع الغطاء السياسي عنها، فقد يصبح استهدافها، في نظر خصومها، عملية ضد جهات خارجة عن القانون. وبحسب الياسري، فإن الإطار يدرك أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تحد اقتصادي خانق، ولذلك دعم الزيدي في إجراءات الاقتراض. لكنه لا يرى أن ذلك يعني الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل.
من السلاح إلى الكلام.. إجراءات تسبق الاحتجاجات
لا تتحرك الحكومة في ملف السلاح وحده. فبالتوازي مع محاولات ضبط الفصائل، تتجه السلطات إلى تشديد التعامل مع الخطاب الإعلامي المتصل بالملفات الحساسة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من الاحتجاجات على البطالة والوضع المالي. وقال رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي إن اتفاقاً جرى مع الرئاسات الأربع على المضي في تشريع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. وينظر محللون إلى القانون باعتباره مشروعاً قد يقيد حرية التعبير، خصوصاً إذا جرى استخدامه في التعامل مع الانتقادات السياسية أو الاحتجاجات الشعبية.
وجاء موقف الحلبوسي بعد إجراءات حكومية جديدة تتعلق بالآراء والمواقف المرتبطة بملف السلاح، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن العلاقة بين إدارة الأزمة الأمنية ومحاولة ضبط المجال العام. وتقول مصادر قريبة من الحكومة إن الزيدي يسعى إلى تخفيف الحرج الذي تسببه مواقف الفصائل، ولا سيما أن بعضها لم يتردد في توجيه تهديدات إلى رئيس الوزراء نفسه أكثر من مرة. وفي هذا السياق، اتخذت الحكومة إجراءات تستهدف التحريض الإعلامي الذي تقول إنه يعرقل قرارات الدولة.
ووجه الزيدي، بحسب بيان حكومي، بتحريك الشكاوى الجزائية ضد كل من يضطلع أو يشارك أو يسهم في التحريض الإعلامي أو عرقلة قرارات الدولة المتعلقة بحصر السلاح.
وأكد رئيس خلية الإعلام الأمني سعد معن أن الأجهزة الأمنية رصدت حالات تحريض ودعوات إلى عرقلة قرارات حصر السلاح، مشيراً إلى أن الإجراءات جاءت في ظل الظروف الإقليمية والعالمية المضطربة.
وبحسب معلومات وردت إلى (المدى)، تراقب السلطات حركة الفصائل بكثافة، خشية انخراطها في تصعيد إقليمي بين اليمن والسعودية. وكانت السعودية قد استهدفت بتفويض من واشنطن، في أيلول الماضي فصائل من الحشد الشعبي، عقب إعلان نادر من بغداد عن تعرض المملكة لهجمات من داخل الأراضي العراقية. وفي بيان اجتماعه الأخير، شدد الإطار التنسيقي على ضرورة تجنيب البلاد مسارات التصعيد في المنطقة.
غير أن بعض مؤيدي الفصائل يقرأون إجراءات الزيدي من زاوية مختلفة. فهم يرون أن الحكومة تمضي في إنهاك الحشد الشعبي وتقليص صلاحياته، خصوصاً مع تداول معلومات عن إلغاء شركة المهندس من مشروع قانون الحشد الشعبي الذي يقترب من العرض على البرلمان. ووصف مختار الموسوي، النائب عن منظمة بدر، القانون بأنه سيجرد الفصائل من صلاحياتها، ويحول أفرادها إلى ما يشبه المنتسبين إلى شبكة الحماية الاجتماعية.
حكومة تضم خصومها.. وتساؤلات عن ثمن التسوية
يزداد المشهد تعقيداً لأن الحكومة التي تتحدث عن حصر السلاح تضم في تشكيلتها الموسعة فصائل وقوى قريبة منها، كما حصلت كتل سياسية على مواقع وزارية ومناصب نواب رئيس الوزراء. وتقول قوى قريبة من الحكومة إن هذه التغييرات جاءت نتيجة تحرك من الزيدي، الذي أقنع واشنطن بقبول الصيغة الجديدة، على غرار ما جرى في ملف تمديد مهلة تسليم السلاح.
ويقول خالد اليعقوبي، المستشار الحكومي السابق والمستشار في الرئاسة حالياً، إن الزيدي أقنع الجانب الأميركي بتمديد المهلة خلال لقائه الرئيس دونالد ترمب على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لكن تمديد المهلة لم ينه الشكوك بشأن ما تملكه الفصائل فعلياً، ولا بشأن استعدادها للتخلي عن أسلحتها. فوفق معلومات تتداولها أوساط سياسية، لم تسلم هذه الجماعات كامل أسلحتها، ولا يوجد، حتى الآن، ما يجبرها على ذلك بصورة حاسمة.
وتدور أيضاً شكوك بشأن وجود صواريخ بالستية لا تزال مخفية. وكانت صحيفة (واشنطن بوست) الأميركية قد ذكرت أن نصف سلاح "العصائب" انتقل إلى جماعات أخرى منشقة عنها، فيما الأولى تلك ما ورد في التقرير.
وفي رأي الياسري، فإن مشكلة الزيدي لا تقتصر على الفصائل، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين رئيس الحكومة والقوى التي اختارته.
ويقول إن الإطار يتدخل في قراراته وتعيينات وزرائه، وإن إرادة الزيدي في اختيار أعضاء حكومته لم تكن واضحة، رغم وجود حصص محددة للكتل السياسية. ويضيف أن شخصيات وزارية فرضت على رئيس الوزراء، وأن عدداً من الوزراء يفتقرون، بحسب تقديره، إلى الخبرة اللازمة.
ويستشهد بوزير الداخلية ياسر صخيل، الذي يصفه بأنه صهر نوري المالكي، متسائلاً: كيف يمكن لرئيس الحكومة أن يواجه نفوذ الفصائل إذا كانت الوزارة المعنية بالأمن الداخلي تقع ضمن حسابات القوى نفسها؟
الدولار والاقتراض.. الاختبار الذي قد يسقط الحكومة
ولا يفصل الياسري بين أزمة السلاح والأزمة الاقتصادية. ويقول إن الزيدي ناقض نفسه خلال أقل من أسبوع، إذ أعلن أمام مجلس النواب أنه رفع سعر صرف الدولار، بينما لجأت حكومته بعد 6أيام إلى الاقتراض.
ويتساءل الياسري عن تفسير هذا التناقض، معتبراً أن الحكومة أخفقت، حتى الآن، في أول الاختبارات الاقتصادية التي جاءت من أجلها.
ويرى أن حكومة الزيدي قد لا تستمر طويلاً، وأن الإطار التنسيقي قد يضطر إلى إسقاطها إذا استمر إخفاقها الاقتصادي. ويحذر من أن اللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي قد يأتي بشروط وإجراءات، من أبرزها رفع الدعم الحكومي وإيقاف التوظيف، وهي خطوات من شأنها فتح سجال مع الطبقة الوسطى والموظفين والفئات الفقيرة التي تشكل غالبية المجتمع العراقي. وفي المقابل، يقول الياسري، إن الحكومة منحت ممثلي الكتل السياسية وزارات ومناصب إضافية، بما يرضي النخب السياسية، لكنه لا يضمن رضا قواعدها الشعبية.
ويضيف أن الزيدي لم يخلق حالة من التوازن بين الطرفين، فهناك أعباء اقتصادية قد يتحملها المواطنون، مقابل توسع في امتيازات القوى السياسية ومواقعها داخل الدولة. وعندما تتصادم هذه المصالح، يصبح السؤال: من سيدفع الثمن؟
ولهذا يختصر تقييمه لمستقبل الحكومة بعبارة حادة: "أن الزيدي هو عبد المهدي جديد".
The post تحذيرات من موجات احتجاجية وسيناريو "عبد المهدي" يعود إلى الواجهة appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى