شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل تنجح ليبيا في التصدي لتزوير الهوية الوطنية؟ - اخبار ليبيا

هل تنجح ليبيا في التصدي لتزوير الهوية الوطنية؟ - اخبار ليبيا

من الأرقام الوطنية غير القانونية إلى جوازات السفر والقيود العائلية المزورة، تتسع قضية تزوير الهوية الوطنية في ليبيا، وسط تحركات قضائية تستهدف كشف المخالفات وملاحقة المتورطين، في ملف تتجاوز تداعياته الوثائق الرسمية لتصل إلى التعيينات والمرتبات والمنح ومخصصات النقد الأجنبي. ومع توالي الإجراءات خلال الأيام الأخيرة، يبرز تساؤل جوهري: هل تستطيع ليبيا الانتقال من اكتشاف حالات التزوير وملاحقة المسؤولين عنها إلى معالجة الثغرات التي سمحت بحدوثها، وضمان عدم تكرارها؟ وفي أحدث الوقائع، أمرت النيابة العامة، الثلاثاء، بحبس موظف في مكتب السجل المدني بمدينة بني وليد احتياطيًا على ذمة التحقيق، للاشتباه في تورطه في تزوير بيانات الأحوال المدنية. ووفقًا لما أوردته وسائل إعلام ليبية نقلًا عن النيابة، كشفت التحقيقات تزوير 13 قيدًا عائليًا ترتب عليه استخراج 14 رقمًا وطنيًا، استُخدمت خمسة منها ضمن مستندات التعيين في الوظيفة العامة. وأفادت التحقيقات، بحسب التقارير المنشورة، بأن البيانات المزورة استُخدمت للحصول على حقوق ومخصصات موجهة للمواطنين الليبيين، بما في ذلك مرتبات ومنح أسرية ومخصصات للنقد الأجنبي. وتكشف هذه الواقعة، إذا ما ثبتت الاتهامات أمام القضاء، عن جانب من خطورة التلاعب بالسجلات الرسمية، إذ لا يتوقف أثره عند استخراج وثيقة، بل قد يمتد إلى التوظيف العام والاستفادة من أموال ومزايا مخصصة للمواطنين. وقبل هذه الواقعة بأيام، وتحديدًا في 13 أكتوبر الجاري، أعلن النائب العام الصديق الصور نتائج مراجعة بيانات المواطنة، كاشفًا عن منح أكثر من 315 ألف رقم وطني بالمخالفة للقانون، واستخراج أكثر من 10 آلاف جواز سفر باستخدام بيانات مزورة. كما شملت الإجراءات إيقاف 8662 رقمًا وطنيًا، وشطب 442 قيدًا عائليًا، وإخضاع أكثر من 34 ألف قيد عائلي للبحث، والتحقيق في أكثر من 4500 واقعة، ورصد أكثر من 7600 جواز سفر تفتقر بياناتها إلى الضوابط المطلوبة، إلى جانب التعميم بسحب 1855 جواز سفر وسحب أو إيقاف 571 بطاقة انتخابية. وأعلن النائب العام كذلك إحالة أكثر من 420 واقعة إلى القضاء، ورفع دعاوى بحق أكثر من 550 متهمًا، صدرت في بعضها 44 حكمًا بالإدانة. وعلى الصعيد المالي، تضمنت الإجراءات تجميد نحو 84.5 مليون دينار من المرتبات والمعاشات الأساسية، ونحو 24.6 مليون دولار من استحقاقات النقد الأجنبي، إضافة إلى قرابة 3.8 مليون دينار مرتبطة بمنحة أرباب الأسر. وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق الملف وتداخل أبعاده القانونية والإدارية والمالية، لكنها لا تعني أن كل قيد خضع للمراجعة ثبت تزويره بحكم قضائي، كما أن الأرقام المعلنة تصف نتائج الإجراءات التي أعلنتها النيابة العامة، ولا تغني عن استكمال التحقيقات والفصل القضائي في كل واقعة. وفي مسار متصل، عادت قضية تزوير الشهادات العلمية إلى الواجهة، مع إعلان مكتب النائب العام في 17 أكتوبر مباشرة تنفيذ خطة لمكافحة تزوير الشهادات ومراجعة أوضاع المؤسسات التعليمية، من خلال حملات تفتيش تشارك فيها نيابات النظام العام بمختلف المناطق. ووفق ما نقلته قناة ليبيا الأحرار عن رئيس النيابة عباس أبوالعز، تتضمن الخطة التحقق من أذونات مزاولة النشاط والتراخيص الفنية للمؤسسات التعليمية، ومدى استيفائها المعايير القانونية والفنية، بالتنسيق مع الجهات المختصة. ويأتي ذلك بالتزامن مع دعوات للتحقق من المؤهلات العلمية المستخدمة في التعيين وممارسة المهن، في وقت أثار فيه الناشط الحقوقي في قضايا التعليم أحمد بلال مسألة استبعاد المعلمين الذين لا يحملون شهادات جامعية من التدريس في المرحلة الثانوية ونقلهم إلى قطاعات أخرى، بعد الانتهاء من التحقق من تزوير الشهادات على مستوى الدولة. ومع ذلك، يظل تزوير الهوية الوطنية وتزوير الشهادات العلمية مسارين مختلفين من الناحية القانونية والإجرائية، حتى عندما تتقاطع آثارهما في الوظيفة العامة أو الاستفادة من المال العام. وتضع هذه التطورات مؤسسات الدولة أمام تحدٍ يتجاوز ضبط الحالات بعد وقوعها، إذ يتطلب التصدي للتزوير مراجعة قواعد البيانات، وتعزيز التنسيق بين مصلحة الأحوال المدنية والجهات المسؤولة عن الرقم الوطني وجوازات السفر والسجلات الانتخابية، إلى جانب تشديد الرقابة على إجراءات تسجيل القيود العائلية واستخراج الوثائق الرسمية، وضبط صلاحيات الوصول إلى قواعد البيانات لمنع التلاعب بها. كما تبرز أهمية تتبع الأموال والمخصصات التي صُرفت استنادًا إلى بيانات مخالفة، والعمل على استرداد ما يثبت صرفه دون وجه حق وفق الإجراءات القانونية، بالتوازي مع ملاحقة كل من تثبت مسؤوليته عن إدخال بيانات غير قانونية أو الاستفادة منها. وفي المقابل، فإن ضمان حق المواطنين في الاعتراض وتصحيح بياناتهم يمثل جزءًا أساسيًا من أي عملية مراجعة واسعة، حتى لا تتحول مكافحة التزوير إلى سبب للمساس بحقوق أشخاص لم تثبت مخالفتهم. وبين الأرقام التي أعلنتها النيابة العامة والتحقيقات المستمرة في مكاتب السجل المدني، تبدو المواجهة قد دخلت مرحلة تتطلب نتائج قابلة للقياس، لا تقتصر على عدد الأرقام الموقوفة أو القضايا المحالة إلى القضاء، بل تشمل أيضًا منع تكرار المخالفات، وسد الثغرات التي سمحت بها، وضمان سلامة السجلات الرسمية وحماية المال العام. ويبقى نجاح ليبيا في التصدي لتزوير الهوية الوطنية مرتبطًا بقدرة مؤسساتها على تحويل هذه الإجراءات إلى إصلاح مستدام، يقوم على قواعد بيانات دقيقة ورقابة فعالة ومحاسبة قانونية واضحة، مع الحفاظ على حقوق المواطنين. فالسؤال لم يعد فقط كم رقمًا وطنيًا أو قيدًا عائليًا جرى اكتشاف مخالفته، بل هل تستطيع الدولة بناء منظومة تمنع تكرار التزوير بدلًا من الاكتفاء بكشفه بعد وقوعه؟

المصدر: ليبيا أخبار