شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

ضحى عبدالرؤوف المل تكتب: المسميات الوظيفية التى تأكل أعمارنا فى رواية «المستأجرة»

ضحى عبدالرؤوف المل تكتب: المسميات الوظيفية التى تأكل أعمارنا فى رواية «المستأجرة»

يفقد بليك وظيفته فى رواية المستأجرة للروائية فريدا ماكفادن، فيضطر إلى مواجهة أزماته المالية، فالوظيفة بالنسبة له كانت الضمان كى لا يعود إلى حياة الحرمان التى كان يعيشها، لكن تفتتح ماكفادن الرواية باستعادة حادثة وقعت قبل ستة أشهر، حين حاول الموظف السابق كويغلى إلقاء نفسه من الطابق الخامس والعشرين، وبهذا تضع أمام القارئ المصير المحتمل لبليك، فبعد طرده، يرى انعكاسه على الزجاج حتى يصبح وجهه جزءاً من المشهد لكنه يقول «هو لم يحتمل الضغط، أما أنا فأستطيع» وهو يتصور أنه الرجل الكفء الذى يستحق الترقية، والرجل الذى يستطيع توفير المنزل والحياة المريحة، والخطيب الذى يحمى كريستا ويمنحها مستقبلا آمناً، لكنه يكره العودة إلى نقطة الصفر، وهذا ناتج من مخاوف طفولته فهو لا يريد أن يقلق أبداً بشأن انقطاع التيار الكهربائى، ورغم هروبه من الفقر يبقى محكوما به، هو شخص استبطن معاييره الوظيفية وأسقطها على حياته، وما وصفه الكرسى الجلدى، والأريكة البنية، وخزانة الكتب، والمكتب المصنوع من الخشب الفاخر وغير ذلك إلا محاولة منه لإبراز الرفاهية وكشواهد مادية على النجاح الذى يفتخر به، وكلما زاد فى وصف رفاهية مكتبه ازدادت صفعة القارىء عند خسارته كل هذا، فهل بعد كل هذا لا يتألم القارىء عندما يسمع بليك كلمة مطرود؟ وهل السرد من منظور بليك لا يمنح القارئ وصولا مستقلا إلى ما حدث داخل الشركة؟ ضحى عبدالرؤوف المل حاولت خطيبته كريستا التخفيف عنه واقترحت بيع خاتم خطوبتها وتقبل فكرة استضافة مستأجر، وهو لا يشك فى حب كريستا، لكنه يجد صعوبة فى تحويل هذا الحب إلى شراكة مادية ونفسية كاملة، والشخصية التى سخرت من رجل لم يحتمل ضغط الحياة، أصبحت الآن تمارس سلوكا قائما على تجاهل حدودها، لكن بليك راوٍ محدود الرؤية، وربما غير موثوق فى تفسير ذاته، لا راوٍ ثبت كذبه فى نقل الوقائع، لكنه حين تنهار أحلامه المهنية، تبقى هناك أشياء يستطيع لمسها كالبسكويت وحوض السمك وغيره لأن الحواس تقدم له ما لا يستطيع التفكير المجرد تقديمة وهو الشعور المؤقت بالوجود والاستقرار، لكن لماذا يرفض بليك فكرة المستأجر بعد أن تم طرده من العمل؟ وهل يمثل قبول مستأجرة بداية سقود أم بداية تحرر من كل قيود الأفكار التى تخيفه؟ وهل فقدان الوظيفة جعلت بليك يفقد قيمته كإنسان؟ وهل وضعت ماكفادن القارئ أمام ذهن رجل يحاول أن يتماسك وسط أزمة تتفاقم؟ غلاف الكتاب ثم ينقلنا بليك من مرحلة اختيار ويتنى كمستأجرة محتملة إلى مرحلة دخولها الفعلى إلى حياة بليك وكريستا، «ففى السابق كان يستمد إحساسه بقيمته من وظيفته ومكانته فى عالم التسويق، كانت الوظيفة تمنحه المال والاستقلال والقدرة على اتخاذ القرارات، وربما كانت تؤكد أنه شخص ناجح بعد فقدانها فقد جزءاً من تعريفه لنفسه، أصبح وجوده فى المنزل يرتبط بالعجز والاعتماد على الآخرين» لا أمانع هذا، فعلى الأقل سأكون مفيداً لشخص ما «وبهذا كأنه يعترف إذا لم يعد قادراً على النجاح فى العمل، فليكن على الأقل قادراً على حمل الحقائب، ومساعدة المستأجرة، وإصلاح الأعطال، والأصعب من كل ذلك هو العودة للعمل فى متجر العائلة، فيسخر «هذا تماماً ما أريده كميراث،،، متجر خردوات متعثر فى كليفلاند» والمفارقة الكبرى أن القارئ يكتشف أنه شخص ساخر، ويميل إلى التعامل مع المواقف الغريبة بالاستهزاء، لكن سخريته لا تعنى أنه محصن ضد الخوف، كما أن السرد بضمير المتكلم تجعل بليك يروى الأحداث من منظوره الخاص، ولذلك لا نعرف الشخصيات إلا من خلال ملاحظاته وانطباعاته، وهذا الأسلوب يجعل القارئ قريباً من بليك، لكنه لا يضمن أن تكون أحكامه صحيحة، لأن معرفتنا بالأحداث محدودة بمعرفته، فهل اللغة الساخرة والفكاهة السوداء عند بليك هى لتجنب مواجهة مشاعره وتخفيف ثقل الأحداث؟ وهل تضعنا ماكفادن أمام راوٍ ساخر لا يفهم نفسه، وتفاصيل منزلية ذات دلالة نفسية، وغموض يجعل القارىء يشك فى الأحداث من دون أن يمتلك دليلا حاسماً؟المستأجرة هى ويتنى كروس الشابة التى استأجرت غرفة فى منزل بليك وخطيبته كريستا، وهى من أكثر الشخصيات غموضاً فى الرواية، لأننا نعرفها من خلال وجهة نظر بليك، الذى اقتنع بأنها تكرهه وتحاول تعكير حياته، بينما لا نملك أى دليل على جميع اتهاماته، وحين يزورها بليك ليلا للاعتراض على الضوضاء، تستقبله بقولها «بليك، ما سبب تكريمى بهذه الزيارة الليلية؟» فهى مستأجرة تسبب الإزعاج، وتختبر قدرة بليك على التعايش مع الآخرين واحترام حدودهم، فى الوقت الذى يعانى فيه من انهيار ثقته بنفسه، وكلما ازداد بليك يقيناً بأنها عدوته، ازداد القارئ حاجة إلى التساؤل عما إذا كان يراها على حقيقتها أم أنه يحوّل خوفه من فقدان السيطرة إلى اتهامات موجهة إليها، فهل تخفى ويتنى شيئاً بالفعل، أم أن غموضها يصبح مخيفاً أساساً لأن بليك لم يعد قادراً على الوثوق بما يراه ويسمعه؟ وهل ويتنى أو المستأجرة هى المرآة التى تكشف حقيقة بليك؟ وتتجلى براعة الأسلوب النفسى بصورة أوضح فى بناء شخصية ويتنى كروس، إذ يقدمها السرد من خلال منظور بليك الذى يزداد شكا وريبة كلما عجز عن تفسير تصرفاتها، فهو يربط بينها وبين الأصوات الليلية والطعام المتعفن والطفح الجلدى وبقعة أحمر الشفاه، ثم يميل إلى اعتبار هذه الوقائع أدلة على تعمدها إيذاءه، مع أن الرواية لا تثبت مسؤوليتها عنها، وهنا تنشأ المفارقة بين الحدث وتأويله، فيصبح القارئ شريكاً فى فحص صدقية الراوى، ويتساءل عما إذا كان الخطر كامناً فى سلوك ويتنى أم فى الطريقة التى يقرأ بها بليك العالم من حوله، وتهتم ماكفادن بالتفاصيل المنزلية الصغيرة، مثل الصابون ورقائق الذرة والملابس والطعام الفاسد، ليحول الحياة اليومية إلى مجال للصراع على الحدود والخصوصية والسيطرة، كذلك يكتسب الطفح الجلدى والحكة وظيفة سردية ونفسية، إذ يزيدان معاناة البطل ويجعلان توتره محسوساً جسدياً، من دون أن يعنى ذلك أن المرض مجرد انعكاس نفسى، وفى المقابل تمثل غولدى مساحة هادئة يلجأ إليها بليك، ويظهر ذلك عندما يقول«من الجميل أن يكون لديك ما تعتنى به» عن حاجته إلى استعادة إحساسه بالفائدة والقدرة على الرعاية، وهكذا يجمع الأسلوب بين التحليل النفسى والتشويق والغموض، ويجعل الشخصيات والأحداث عناصر لكشف نفسية الإنسان تحت ضغط الفشل والخوف والشك، فهل يمكن للإنسان تدمير نفسه وهو يحاول الدفاع عنها أمام ضغوطات الحياة والمسميات الوظيفية التى تأكل أعمارنا؟

المصدر: المصري اليوم