شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

التضخم في الأردن: اعتدال المؤشر وضغوط السكن والتنقل

التضخم في الأردن: اعتدال المؤشر وضغوط السكن والتنقل

تكشف بيانات أسعار المستهلك لشهر أيلول 2026 عن تضخم معتدل في مستواه العام، لكنه أكثر تعقيداً في تركيبته وآثاره الاجتماعية مما يوحي به العنوان الرئيسي. فقد ارتفعت الأسعار بنسبة 2.26% خلال الأشهر التسعة الأولى مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وبلغ التضخم السنوي في أيلول 2.73%، فيما ارتفع المؤشر بنسبة 0.16% مقارنة بآب. هذه الأرقام لا تشير إلى انفلات سعري، لكنها تطرح سؤالاً يتجاوز حجم الارتفاع: أين تتركز الضغوط، ومن يتحملها، وهل تستطيع دخول الأسر استيعابها؟ تبدأ القراءة الدقيقة بالتمييز بين المقاييس الثلاثة. فنسبة 2.26% تقارن متوسط الأسعار خلال تسعة أشهر بمتوسط الفترة المقابلة، بينما تقارن نسبة 2.73% أسعار أيلول بأسعار الشهر نفسه من العام السابق. أما نسبة 0.16% فتقيس التغير بين شهرين متتاليين. ولكل منها وظيفة مختلفة؛ الأول يلخص التجربة خلال الفترة، والثاني يرصد التغير السنوي عند أحدث نقطة، والثالث يكشف الحركة الأقرب زمناً، وإن كان أكثر تعرضاً للتقلبات الموسمية.ولهذا، فإن استخدام كلمة «شهري» في الجدول لوصف نسب المقارنة بالشهر المماثل من العام السابق يحتاج إلى توضيح تحريري. فنسبة 2.73% هي تضخم سنوي مسجل في شهر أيلول، وليست زيادة في الأسعار خلال شهر واحد. ودقة هذا التمييز ضرورية حتى لا يتحول سوء قراءة المصطلح إلى مبالغة في تقدير الضغوط أو تقليل منها.عند تتبع المسار، تظهر صورة تستحق الانتباه. فقد ارتفع التضخم السنوي من 1.06% في كانون الثاني إلى 2.83% في أيار، ثم تراجع تدريجياً إلى 2.66% في آب، قبل أن يرتفع قليلاً في أيلول. نحن، إذن، أمام تسارع خلال الأشهر الأولى، أعقبه استقرار نسبي حول مستوى أعلى من بداية العام. كما تجاوز التضخم خلال الأشهر التسعة مستوى الفترة المقابلة من 2025، البالغ 1.85%، بمقدار 0.41 نقطة مئوية.لكن ذلك لا يعني أن الأسعار كانت ترتفع بصورة متصلة خلال الأشهر الأخيرة. فالرقم القياسي بلغ 116.13 نقطة في حزيران، وانخفض إلى 115.63 في آب، ثم ارتفع إلى 115.82 في أيلول؛ أي إنه بقي دون مستوى حزيران. وهذه مفارقة ظاهرية يفسرها اختلاف أساس المقارنة: قد يرتفع التضخم السنوي حتى مع بقاء الأسعار دون ذروة قريبة، لأن النتيجة تتأثر أيضاً بمستوى الأسعار قبل سنة. لذلك لا يكفي ارتفاع المعدل السنوي في شهر واحد لإثبات بدء موجة تضخمية جديدة.أما التحول الأهم فيظهر في مصادر التضخم. فقد ساهم النقل بنحو 1.13 نقطة مئوية من تضخم أيلول، والإيجارات بنحو 0.76 نقطة. وبذلك شكّل البندان معاً قرابة 69% من صافي التضخم السنوي، رغم أن وزنهما المجمع في السلة يبلغ 33.52%. وخلال الأشهر التسعة، بلغت مساهمتهما المشتركة نحو 61% من التضخم. وهذه نسب محسوبة من إجمالي صافٍ خفّضته بنود تراجعت أسعارها، لكنها تكشف بوضوح تركّز الضغط في السكن والتنقل.وتكمن أهمية هذا التركّز في محدودية قدرة الأسر على تعديل استهلاكها. يستطيع المستهلك تأجيل شراء جهاز منزلي، لكنه أقل قدرة على الاستغناء عن المسكن أو رحلة العمل. وفي التحليل الاقتصادي، تتوقف خسارة الرفاه على قابلية الاستبدال، وليس على نسبة الارتفاع وحدها. فزيادة تكلفة سلعة يمكن تجنبها تختلف عن زيادة تكلفة التزام أساسي يتكرر كل شهر.كما أن ارتفاع كلفة التنقل قد يتجاوز ميزانية الأسرة إلى سوق العمل. فالأجر الذي يهم العامل عملياً هو ما يتبقى بعد نفقات الوصول إلى الوظيفة وغيرها من تكاليف العمل. وعندما ترتفع هذه النفقات، قد تصبح وظيفة بعيدة أقل جدوى، خصوصاً لذوي الأجور المنخفضة. ومن هذه الزاوية، يمكن لتحسين النقل العام أن يرفع الدخل المتاح ويوسع نطاق فرص العمل الممكنة في الوقت نفسه.غير أن مساهمة النقل المرتفعة لا تثبت، بمفردها، أن المحروقات هي السبب. فالمجموعة تضم مكونات متعددة، ويستلزم تفسيرها معرفة حركة أسعار كل مكون ووزنه. وينطبق الأمر نفسه على الإيجارات؛ إذ لا يسمح الخبر وحده بالجزم بأن ارتفاعها ناتج عن نقص المعروض أو زيادة الطلب أو ارتفاع تكاليف البناء. تحديد المجموعات التي دفعت التضخم خطوة مهمة، أما تحديد أسباب ارتفاعها فيحتاج إلى بيانات إضافية قبل اختيار العلاج.وتلفت الزيوت والدهون النظر من زاوية مختلفة. فوزنها في السلة لا يتجاوز 1.70%، لكنها ساهمت بنحو 0.29 نقطة مئوية في تضخم أيلول؛ أي قرابة 11% من المعدل العام. وهذا يعني أن مجموعة صغيرة نسبياً أحدثت أثراً يتجاوز وزنها بكثير. وقد يرتبط ذلك بأسعار الاستيراد أو الشحن أو المخزون أو ظروف المنافسة، لكن المفاضلة بين هذه التفسيرات تستلزم تتبع التكلفة والسعر عبر سلسلة التوريد.في المقابل، ساهم انخفاض أسعار الخضروات والبقول الجافة والمعلبة والفواكه والمكسرات والألبان ومنتجاتها والبيض في خفض التضخم بنحو 0.43 نقطة مئوية في أيلول. وهذا تخفيف فعلي يستفيد منه المستهلك. لكنه لا يلغي ضغوط الإيجار والتنقل، ولا يضمن استمرار التهدئة، خصوصاً أن بعض أسعار الأغذية يتأثر بالمواسم وتقلبات العرض. ومن ثم، فإن اعتدال المحصلة قد يخفي توازناً بين ضغوط صاعدة في بنود أساسية وانخفاضات في بنود أخرى.وهنا يتضح سبب اختلاف تجربة الأسرة عن المؤشر العام. فالرقم القياسي يقيس تغير أسعار سلة مرجحة تمثل الإنفاق الاستهلاكي المشمول إحصائياً، بينما تختلف سلال الأسر بحسب الدخل ومكان الإقامة وملكية المسكن وعدد أفراد الأسرة. وهذه مسألة أساسية في المنهجيات الدولية لقياس الأسعار: صلاحية المؤشر لقياس المتوسط لا تعني تطابقه مع تجربة كل أسرة. فالأسرة المستأجرة، التي يعتمد أفرادها على التنقل اليومي لمسافات طويلة، قد تتعرض لضغط أكبر من أسرة تملك مسكنها وتقيم قرب أماكن العمل. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن التضخم أعلى بالضرورة لجميع الفقراء؛ فبعض انخفاضات الغذاء قد تفيدهم بدرجة أكبر. الحكم العلمي يتطلب إعادة احتساب التضخم وفق أنماط إنفاق شرائح الدخل والمحافظات، بدلاً من تعميم تجربة واحدة على المجتمع كله.وتبقى العلاقة بين الأسعار والدخول هي الاختبار الحاسم. فالتضخم المعتدل لا يحمي القوة الشرائية عندما تكون الأجور ثابتة. وعلى سبيل المثال الحسابي، تحتاج سلة شهرية قيمتها 600 دينار إلى نحو 13.6 دينار إضافية إذا ارتفعت تكلفتها بنسبة 2.26%. لكن هذا المثال يفترض تطابق السلة مع المتوسط، ولا يمثل تقديراً لاحتياجات أسرة بعينها، كما أنه لا يعوض ارتفاعات السنوات السابقة.وهذا يقود إلى تمييز آخر بين معدل التضخم ومستوى الأسعار. فقد بلغ المؤشر 115.82 نقطة في أيلول، مقابل متوسط أساس مقداره 100 في عام 2018؛ أي إن مستوى أسعار السلة أعلى بنحو 15.82% من سنة الأساس. لذلك يمكن أن يتباطأ التضخم وتستمر شكوى الأسر: الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، لكنها لا تعود تلقائياً إلى مستوياتها السابقة، والدخل الذي فقد جزءاً من قوته الشرائية يحتاج إلى نمو فعلي لاستعادتها.كذلك لا يجوز الاستنتاج من التضخم المعتدل وحده أن الطلب المحلي قوي أو ضعيف. فقد تعكس المحصلة استقرار بعض التكاليف المستوردة، أو تراجع أسعار أغذية، أو محدودية قدرة المنشآت على تمرير تكاليفها إلى المستهلك. والتمييز بين هذه الاحتمالات يتطلب قراءة الأسعار مع الأجور والتشغيل والاستهلاك والمبيعات. فلا يشخّص مؤشر واحد حالة الاقتصاد كاملة.وبناء على ذلك، ينبغي أن تتجه الاستجابة إلى مصادر الضغط الفعلية. ففي النقل، تشمل الأولويات تحسين الخدمة العامة وموثوقيتها وكفاءة التشغيل. وفي السكن، تبدأ المعالجة ببيانات تفصيلية عن الإيجارات والمعروض والمواقع التي ترتفع فيها الأسعار، ثم معالجة اختناقات العرض حيث تثبت. وفي السلع التي ترتفع مساهمتها بصورة لافتة، تكون الأولوية لفحص المنافسة وتكاليف الاستيراد وهوامش التوزيع، دون افتراض مسبق بأن كل ارتفاع دليل على احتكار.أما حماية الدخول، فتحتاج إلى دعم موجه ومراجعة منتظمة لكفاية الأجور والتحويلات، استناداً إلى تغير تكلفة الاحتياجات الأساسية والحيز المالي والإنتاجية.فالدعم العام قد يستهلك موارد كبيرة دون وصول متناسب إلى الأكثر تضرراً، بينما يتطلب الدعم الموجه سجلات دقيقة وآلية تحديث تمنع استبعاد المستحقين.ويستحق الإفصاح الإحصائي نفسه مزيداً من التطوير. فالخبر يوفر بيانات مفيدة عن المساهمات، ويشير إلى سلة تضم 850 سلعة وخدمة وعينة من 3400 منشأة. ويمكن تعزيز فائدته بنشر تغير أسعار المجموعات إلى جانب مساهماتها، وتوضيح تاريخ تحديث الأوزان، وتوفير مؤشرات حسب شرائح الدخل والمناطق. كما أن سنة الأساس، بوصفها مرجعاً عددياً، لا تكفي وحدها للحكم على حداثة الأوزان أو قدمها.تكشف بيانات أيلول، في المحصلة، عن اعتدال تضخمي يستحق الحفاظ عليه، وضغط متركز في بنود يصعب على الأسر تجنبها. والنجاح الاقتصادي الأوسع يُقاس بقدرة السياسات على خفض تكلفة السكن والتنقل، وتحسين الدخل الحقيقي، بحيث يصبح استقرار المؤشر تحسناً ملموساً في قدرة الناس على العيش والعمل والادخار.

المصدر: عمون