شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

غزة.. حين يتحول الغذاء إلى أداة للتجويع والابتزاز

غزة.. حين يتحول الغذاء إلى أداة للتجويع والابتزاز

في غزة، حيث فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، وتآكلت مدخرات أخرى، وارتفعت الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة شرائح واسعة من المجتمع ما يجري في قطاع غزة لم يعد مجرد أزمة تمويل إنساني أو نقص عابر في المواد الغذائية، بل أزمة مركّبة تتداخل فيها سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وتقليص المساعدات، والتحكم في دخول السلع، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للسكان، بما يهدد بتوسيع دائرة الجوع وسوء التغذية والمرض، ويدفع آلاف الأسر إلى مزيد من الفقر والعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية. إن اختزال هذه المأساة في إطار أزمة إنسانية عابرة يُغفل أبعادها السياسية والإنسانية، ويصرف الأنظار عن مسؤولية الاحتلال عن القيود المفروضة على دخول الغذاء والمساعدات. فحين يُحرم السكان من الوصول إلى الطعام الكافي والآمن، أو يُدفعون إلى العجز عن شرائه، يصبح الغذاء جزءًا من معادلة الضغط والسيطرة، وتتحول الاحتياجات الأساسية إلى وسيلة للابتزاز الجماعي. ولا يمكن فصل هذه السياسات عن سياق أوسع يهدد مقومات الحياة في القطاع، ويدفع الفلسطينيين إلى مزيد من النزوح والفقر، ويخلق بيئة طاردة للسكان، بما يثير مخاوف جدية من توظيف التجويع وتدهور الأوضاع المعيشية في خدمة مخططات التهجير. ويُعد التجويع المتعمد للمدنيين وسيلة من وسائل الحرب المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني، وقد يشكّل جريمة حرب متى توافرت عناصرها القانونية. ومن أبرز المغالطات التي ينبغي مواجهتها اعتبار ظهور بعض المواد الغذائية في الأسواق دليلًا على انتهاء أزمة الجوع. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت السلع موجودة فحسب، بل ما إذا كان المواطن قادرًا على شرائها، وما إذا كانت الكميات المتاحة كافية، وما إذا كان وصولها منتظمًا وآمنًا ومتاحًا لجميع السكان. في غزة، حيث فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، وتآكلت مدخرات أخرى، وارتفعت الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة شرائح واسعة من المجتمع، قد تتحول الأسواق إلى واجهات تعكس توافر السلع دون أن تعكس قدرة الناس على الحصول عليها. فالطعام الذي لا يستطيع المواطن شراءه لا يضع حدًا لجوعه، والسلعة التي تتوافر بكميات محدودة وأسعار باهظة لا تعني أن الأمن الغذائي قد تحقق. وتتضاعف هذه المأساة بالنسبة إلى الأطفال والنازحين والمرضى والأسر التي لا تمتلك مصدر دخل ثابتًا. فهؤلاء لا يواجهون الجوع وحده، بل يواجهون أيضًا مخاطر سوء التغذية، وتدهور الصحة، وصعوبة توفير المياه النظيفة والدواء، وانعدام الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. وكلما تراجعت المساعدات، ازدادت الفئات الأضعف عرضة لتداعيات قد تمتد آثارها إلى النمو الجسدي والنفسي للأطفال والصحة العامة للمجتمع. مجلس السلام واللجنة الإدارية.. مسؤولية لا تحتمل التأجيل في هذا السياق، تبرز مسؤولية مجلس السلام عن تنفيذ الالتزامات المعلنة تجاه قطاع غزة، وعدم السماح بتحويلها إلى وعود سياسية لا تنعكس على حياة المواطنين. فالتنصل من الالتزامات، أو التأخر في توفير التمويل اللازم، أو ترك احتياجات السكان رهينة التجاذبات السياسية، يعني عمليًا إطالة أمد المعاناة وتعميق الأزمة الإنسانية. كما أن تعطيل تسلّم اللجنة الإدارية مهامها في غزة يطرح أسئلة جوهرية بشأن إدارة المرحلة الراهنة، وقدرة المؤسسات على تنظيم الاستجابة الإنسانية، وضبط الأسواق، ومتابعة الخدمات الأساسية، وتنسيق جهود الإغاثة وإعادة تأهيل القطاعات الحيوية. إن غياب الإدارة الفاعلة يترك فراغًا تستفيد منه الفوضى، ويزيد صعوبة تحديد الأولويات وتوزيع المساعدات وفق الاحتياجات الفعلية، ويضعف الرقابة على الأسواق والأسعار. ومع استمرار القيود على إدخال السلع والمساعدات، يصبح هذا الفراغ عاملًا إضافيًا في تعقيد الأزمة، بدلًا من أن تكون هناك جهة قادرة على تنسيق الاستجابة ومساءلة الأطراف المعنية. لكن تمكين اللجنة الإدارية من العمل لا يعفي الاحتلال من مسؤولياته القانونية، ولا يُغني عن ضرورة رفع القيود المفروضة على دخول المساعدات والسلع. فالمعالجة الجدية تتطلب مسارين متوازيين: وقف السياسات التي تعرقل وصول الغذاء والاحتياجات الأساسية، وتوفير إدارة فاعلة تستطيع تنظيم الاستجابة الإنسانية والخدمات العامة. من الإغاثة المؤقتة إلى ضمان الحق في الغذاء إن مواجهة التجويع في غزة تتطلب تحركًا عاجلًا يتجاوز البيانات والتعهدات. ويبدأ ذلك بتأمين تمويل إنساني عاجل ومستدام، وضمان دخول كميات كافية من الغذاء والدواء والوقود والاحتياجات الأساسية بصورة منتظمة، وتسهيل وصولها إلى جميع المناطق والفئات المتضررة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والمرضى والنازحين والأسر الأشد فقرًا. كما يتطلب الأمر رقابة فعالة على توزيع المساعدات والأسواق، ومواجهة الاستغلال والاحتكار ورفع الأسعار غير المبرر، وتوفير آليات تضمن وصول الغذاء إلى المواطنين وفق احتياجاتهم وقدرتهم على الحصول عليه، لا وفق قدرتهم الشرائية وحدها. وفي الوقت نفسه، يجب تمكين اللجنة الإدارية من مباشرة مهامها في غزة دون إبطاء، وتوفير الموارد والصلاحيات اللازمة لها، بما يساعد على استعادة الحد الأدنى من انتظام الخدمات وإدارة الاستجابة الإنسانية، بالتوازي مع ضمان المساءلة عن تعطيل الإغاثة أو عرقلة دخول المساعدات. إن ما يحتاجه قطاع غزة اليوم ليس مجرد زيادة مؤقتة في شاحنات المساعدات، بل ضمان مستدام للحق في الغذاء والحياة الكريمة، وإنهاء السياسات التي تجعل البقاء على قيد الحياة معركة يومية. فالجوع ليس رقمًا في تقرير، ولا صورة عابرة على شاشة؛ إنه طفل ينام بلا وجبة، ومريض لا يجد ما يقوّي جسده، وأسرة تقف أمام سلعة متاحة في السوق لكنها عاجزة عن شرائها. ومن هنا، فإن مواجهة التجويع مسؤولية قانونية وأخلاقية وسياسية، تبدأ بكشف أسبابه الحقيقية، وتحميل الاحتلال مسؤولية سياساته، ومساءلة الجهات التي تتنصل من التزاماتها، وتنتهي بضمان وصول الغذاء إلى كل محتاج. أما استمرار الوعود بالتوازي مع تراجع المساعدات واتساع دائرة الفقر، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الكارثة الإنسانية وترك سكان غزة في مواجهة الجوع بلا حماية كافية.

المصدر: وكالة القدس