أُسلُكوا بِحِكمَةٍ
الاب ايلي قنبر
1-أُسلُكوا بِحِكمَةٍ مِن جِهَةِ ٱلَّذينَ في ٱلخارِجِ
السلوك "بحكمة" مطلوب اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. خصوصاً أنّ التشتُّت سمة طاغية في حياتنا، تشتُّت يطرد التركيز ويمنع الانتاج الفعّال ويُعوق المسيرة. والأخطر، أنّنا بِلا حكمة، ننحدر بالعلائق الى درك غير محمود. السلوك "بحكمة" - كأداة كرازية صامتة وسط عالم متغيّر - يعني تفاعل المؤمن(ة) النَوعي مع المجتمع، إذ سلوكه هو أول "إنجيل" يقرأه غير المؤمنين.
لنتذكّرنَّ قَول يسوع: "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الّْلسان" وكيف كان يتعامل برحمة مع الخطأة لأنّه كان يؤمن بمسيرة جديدة لهم إذا أُعطوا الفرصة لذلك، وقد منحهم فرصاً. هكذا تؤتي كلماتنا فعلها لأنّها تشجِّع وتشفي وتُلهم، ولا تَجرح وتُفرّق. لأنّا نقتدي بالمسيح مُفتدين الوقت، لا داخل كنيسة الحجر وحسب.
هنا تطرح إشكاليّة راهنة حالها: بعضٌ من مسيحيّي لبنان يُعلي الصوت بحِدّة: نتعرّض لحملة شعواء تبغي اقتلاعنا من أرضنا عبر شراء عقارات تخصّنا من الشيعة. بالطبع حاول النازحون إيجاد مأوى لهم وهذا حقٌّ مشروع لهم كمواطنين وبحسب شرعة حقوق الانسان. غير أنّي توجّهت الى الذكاء الاصطناعيّ لـ"غوغل" واستفهمت منه، فجزم بأن "لا يوجد دليل موثَق على وجود حملة منظَّمة ومخطَّطة تستهدف "اقتلاع" المسيحيين في لبنان بشكل ممنهج، لافتاً الى أنّ الوجود المسيحي في لبنان والمنطقة يواجه تحدّيات اجتماعية واقتصادية وسياسية حادّة أدّت إلى موجات هجرة وا سعة". تحدّث عن هجرة لا عن نهج اقتلاع واستيلاء على مناطق وأرزاق، لكن هذا لا ينفي شراء عقارات.
بالموازاة، تقوم حملة إسرائيليّة مفنّّعة لشراء أراض وبيوت تحت أسماء مستعارة عملاً بمبدأ استعادة إرث لهم كما يزعمون. وذلك عبر سماسرة "مسيحيّين" وبأسعار مضاعَفة. وقد تناسى "المسيحيّون" المشتكون من الشيعة ارتفاع معدّلات الهجرة وأنّ انخفاض النموّ السكّاني مقارنةً ببعض الفئات الأخرى غيَّر نِسَب التمثيل والتوازن المجتمعي التاريخي. ناهيك بانعدام الرؤية لدى ممثِّلِيهم في السلطة وفشلهم في تخطّي خلافاتهم السخيفة ما انعكس ضعفاً في حضورهم وتأثيرهم في إدارة الدولة ومؤسَّساتها. أضف غياب الرؤساء الكنسيّين عن المشهد نظراً لافتقارهم أوّلاً الى روح الرسالة والى خامة القيادة من"كفاءة، وإصغاء، ورؤية استراتيجيّة، ومبادرة، وتآخ"، مؤثرين التعلٌّق بالماضي وبالسلطة وبالتشبّث بالمراكز.
2-مُفتَدينَ ٱلوَقت
يحتلّ الاستثمار الأمثل للوقت والفرص اليوم حيّزاً كبيراً في حياة الناس، ولا سيّما منهم رجال الأعمال والساسة: "الوقت هو المال، والوقت الضائع لا يعود" يقول بنجامين فرانكلين. لِمَ؟ لأنّ "الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك".
كما أنّ للوقت فوائد نفسيّة، فهو "يُنسي الألم ويُطفئ الانتقام، يُبلسم الغضب ويَخنق الكراهية، فيُصبح الماضي كأنّه لم يكن"، على حدّ قَول إبن سينا.
يبقى أنّا في زمن خطير جدّاً يقتضي منّا العمل على إراحة الناس وممّا يجعلهم فريسة "الوحش" - "666".
كتَب د. جورج يونان، في معرض حديثه عن أِطبّاء لبنانيّين غادروا الى أميركا أو غرب أوروبّا: "يقولُ لي د. فيليب سالم: يَنسَون ما حمله شعبهم والمشرق من قيَم وأخلاقٍ، ويَنغمسون في الثقافة الغربيّة المُتَّصِفة بالجَريِ وراء الكسب الاقتصادي غير المحدود". نعم، "إن انهماك ذَوي الفكر والاختصاص لا يرتكز في العمل لأهدافٍ اجتماعية يَتغنّى بها المجتمع، بل في السعي وراء الرزق والمصلحة الفردية..." أو "عبودية الارتزاق". كيف لهؤلاء أن يقودوا مجتمعاً؟ لنتّفق أنّ "المصالح ليست مُجَرَّدَ منافع، فالمصالح هي مصالحُ ارتقاءٍ" !
ولمَن يدعو إلى الواقعيّة لجهة قبول الاحتلال كأمر واقع"وأن كلّ محاولة لتغييره ليست سوى مغامرة عبَثيّة محكومة بالفشل"؛ مُبرّراً له "احتلال المستقبل نفسه". نقول: بينما نحن نتمسّك بـ"مبدأ الأمل"، من حيث أنّ "الإنسان كائن يتجاوز باستمرار ما هو مُعطى له"... فلسفة بلوغ هذه تفسّر لماذا يخشى الاحتلال أمل الشعوب بقدر ما يخشى قدرتها على الفعل. وبحسَب غبرييل مرسيل "الأمل ليس هروباً من الواقع، بل هو الشرط الذي يجعل تغييره ممكناً".
3-"مَن سَمِعَ مِنكُم فَقَد سَمِعَ مِنّي"
قيل: "الايمان من السماع": "مَن سمع منكم فقد سمع منّي"، إنّها لمُماثلة رهيبة ومثيرة للذهول: نحن وهو، سرّ إصغاء واحد. أمر عجيب حقّاً أن يعرض الربّ بهذه الطريقة حضوره وحضورنا في التاريخ... حياتنا ليس لها أي معنى إلَّا إذا كانت هذه الكلمة الحيّة التي تعني أنّنا للآخرين". من هنا تركيز يسوع، لدى إرساله الاثنين والسبعين الى الرسالة، على سلوكهم الملموس: لباسهم، وأمتعتهم، ومقاربتهم لإقامة العلاقات مع الآخرين كمُرسَلين أمامه، بذهنيّة الخراف (المسالِمين الواثقين والمتكيِّفين مع أسلوب حياة مَن نلقاهم) لا الذئاب. وفرحُنا أنّا محبوبون من الله.
"بسلامٍ الى الربّ نطلب"! سلام يدعونا لأن نكفّ "عن مقاطعة الإنسان... وأن نقاطع الشر الطائفي في داخلنا، الذي يحرمنا من هوِّيتنا ومن تراثنا ومن علمنا... ومن إبداعنا!"
"فلنخفِّف حملات التخوين وخطابات الكراهية، يقول د. حتّي. لا بل فلنعتبرها بمثابة "خيانة عُظمى"... والى أن يأتي الزمن الذي نخرج فيه كلبنانيين من "قمقم الطائفية" إلى "رحاب المواطنة"، سنصمد وسنبقى وسنقاوم وسنستمرّ". موافِقون؟!
المصدر: النهار