شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

”أدركنا قوة لا تُنال بالجيوش“: كيف نفهم القوة التي تحدّث عنها جلالة السلطان؟

”أدركنا قوة لا تُنال بالجيوش“: كيف نفهم القوة التي تحدّث عنها جلالة السلطان؟

ما وراء الحدث”أدركنا قوة لا تُنال بالجيوش“: كيف نفهم القوة التي تحدّث عنها جلالة السلطان؟٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ | 8:52 صباحًا”أدركنا قوة لا تُنال بالجيوش“: كيف نفهم القوة التي تحدّث عنها جلالة السلطان؟رصد - أثيرمتابعة - جميلة العبريةتبدأ بعض الأزمات بما يريده الخصوم، وتتفاقم بسبب ما يسيئون فهمه عن بعضهم. فحين تُقرأ المخاوف بوصفها تهديدات، وتُفسَّر الرسائل وفق أسوأ الاحتمالات، تصبح القدرة على فهم الآخر موردًا سياسيًا مؤثرًا. ومن هنا، يكتسب الإصغاء مكانته في الدبلوماسية، باعتباره أداة لجمع المعرفة، وبناء الثقة، واكتشاف إمكانات التسوية.في هذا الإطار، يمكن قراءة قول حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - خلال مأدبة العشاء الرسمية بقلعة ويندسور، أمس الثلاثاء 20 أكتوبر 2026م: ”فالأمة الحكيمة تختار أن تُصغي، وقد ارتأت سلطنة عُمان أن تُصغي“، وإضافته: ”وفي ذلك الإصغاء، أدركنا قوة لا تُنال بالجيوش“. View this post on Instagram وتقاطعت هذه الرؤية مع إشادة الملك تشارلز الثالث بالتزام سلطنة عُمان بالوساطة والثقة التي تحظى بها لدى الأطراف المختلفة. فكيف تفسّر أدبيات التفاوض والوساطة العلاقة بين الإصغاء والقدرة على التأثير؟ View this post on Instagram اقرأ: كلمة جلالة السلطان المعظم ، و كلمة الملك تشارلز الإصغاء بوصفه معرفة إستراتيجيةيمكن التمييز بين سماع موقف الطرف الآخر وفهم الأسباب التي تجعله يتمسك به؛ فالموقف يعبّر عما يطلبه، أما فهم دوافعه فيساعد على تحديد ما يحتاج إليه لقبول تسوية، وما يعتبره تهديدًا يصعب تجاوزه.وتقدّم دراسة نشرها آدم غالينسكي وزملاؤه في مجلة ”Psychological Science“ عام 2008 أساسًا تجريبيًا لهذا التمييز؛ إذ وجدت، عبر ثلاث دراسات، أن تبنّي منظور الطرف الآخر معرفيًا عزّز القدرة على اكتشاف اتفاقات ممكنة ومقايضات تحقق منافع متبادلة، بينما لم يحقق التعاطف العاطفي النتائج نفسها. وهذه نتائج تخص مواقف تفاوضية مدروسة، ويُستفاد منها في تفسير آلية الفهم، دون اعتبارها دليلًا مباشرًا على نتائج النزاعات الدولية.وعند تطبيق هذا المنظور تحليليًا على الدبلوماسية، يصبح الإصغاء وسيلة لتقليل سوء التقدير؛ فقد يكشف أن رفض اقتراح ما يرتبط بتوقيت تنفيذه أو بضماناته، وهو ما يفتح المجال لتعديل الصيغة بدلًا من افتراض استحالة الاتفاق.وتتيح المشاورات المنفصلة مع أطراف النزاع فرصة لتحقيق هذا الفهم. ففي تقرير نشرته ”أثير“ بتاريخ 6 فبراير 2026م عن المفاوضات الإيرانية الأمريكية، رصدت إجراء معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، مشاورات منفصلة مع الوفدين الإيراني والأمريكي. ويُعد ذلك مثالًا عمليًا على إتاحة التواصل مع كل طرف ضمن جهود تهيئة المسار التفاوضي، دون افتراض تفاصيل ما دار في الجلسات.الفهم لا يستلزم الموافقةيحدّد برنامج التفاوض بكلية الحقوق في جامعة هارفارد ثلاث ممارسات للإصغاء الفاعل: إعادة صياغة ما يقوله المتحدث للتحقق من فهمه، وطرح الأسئلة، والإقرار بما يعبّر عنه من مخاوف، مع التأكيد أن هذا الإقرار لا يعني الاتفاق معه.وهذا التمييز مهم سياسيًا؛ لأنه يسمح للدولة بالاستماع إلى أطراف متعارضة مع احتفاظها باستقلال موقفها. فالتواصل يوفّر معرفة ضرورية لتقييم الخيارات، ولا يفرض تبنّي مطالب المتحدث.ومن هذه الزاوية، يتسق تأكيد جلالة السلطان استقلال المسار العُماني مع الدعوة إلى الحوار؛ فالاستقلال يتيح اتخاذ الموقف، والإصغاء يساعد على بنائه على فهم أوسع للواقع.ولهذا التوجه امتداد في توصيف الدبلوماسيين العُمانيين لسياسة بلادهم. ففي حديث سابق لـ”أثير”، نُشر بتاريخ 19 نوفمبر 2018م، أكدت سعادة ليوثا بنت سلطان المغيرية، حين كانت سفيرة السلطنة لدى جمهورية ألمانيا، أن السياسة الخارجية العُمانية تستند إلى الحكمة والتعقل والاتزان، وربطت هذه المرتكزات بتطوير علاقات الصداقة والتعامل الإيجابي مع قضايا المنطقة والعالم، بما يوضح أن الهدوء الدبلوماسي يقترن بالتفاعل مع الأحداث وتحمل مسؤولياتها.الثقة شرط للدخول إلى الوساطةتضع ”توجيهات الأمم المتحدة من أجل الوساطة الفعالة“، الصادرة عام 2012، موافقة الأطراف، وعدم التحيّز، والاستعداد، والشمولية، والملكية الوطنية ضمن أسس الوساطة، إلى جانب الالتزام بالقانون الدولي، وتنسيق الجهود، وجودة الاتفاقات.وتوضح هذه الأسس أن حسن الاستماع يحتاج إلى إطار مؤسسي وسياسي؛ إذ تتطلب الوساطة قبول الأطراف بدور الوسيط، وقدرته على إدارة العملية بصورة منصفة، واستعداده لفهم النزاع وتعقيداته.وهنا تكتسب إشادة الملك بالثقة في عُمان دلالتها، ويمكن قراءتها بوصفها اعترافًا بأحد الموارد التي تتيح أداء الوساطة؛ فالطرف الذي يقبل التواصل عبر وسيط يحتاج إلى الاطمئنان إلى أن رسالته ستُفهم وتُنقل بدقة، وأن العملية تتيح له عرض مصالحه.وفي تحليل نشرته ”أثير“ بتاريخ 6 يونيو 2026م، يفسّر الدكتور زاهر بن بدر الغسيني هذه القدرة من خلال اتساق السلوك الدبلوماسي عبر الزمن؛ إذ يرى أن الثقة تتشكل من خبرة التعامل مع الدولة واختبار مواقفها، وأن انتظام سلوكها يجعلها أكثر قابلية للفهم والتوقع لدى الآخرين، ومن ثم تتحول الثقة إلى مورد سياسي يدعم القبول والتأثير.وتضيف هذه القراءة بُعدًا مهمًا إلى مفهوم الإصغاء؛ فقيمة ما يسمعه الوسيط ترتبط أيضًا بثقة الأطراف في كيفية استخدامه، وبخبرتها السابقة في دقته واتساق مواقفه. ولذلك، يحتاج بناء الثقة إلى ممارسة متراكمة تسبق لحظة الجلوس إلى طاولة الحوار.من القنوات المفتوحة إلى نتيجة ملموسةيقدّم الدور العُماني في الإفراج عن أمريكيين محتجزين في إيران مثالًا موثقًا على قيمة التواصل. ففي بيان للبيت الأبيض بتاريخ 23 سبتمبر 2011م، أعرب الرئيس باراك أوباما عن تقديره لدور السلطان قابوس بن سعيد ومبعوثه سالم الإسماعيلي في تأمين الإفراج عن سارة شورد عام 2010، وشين باور وجوش فتال عام 2011.ويوثّق هذا المثال قدرة الدبلوماسية العُمانية على المساعدة في معالجة قضية بين دولتين متخاصمتين، ويمكن قراءته في سياق أهمية الوصول إلى الأطراف واستمرار الاتصال بها، مع التمييز بين النتيجة المعلنة وآليات المحادثات التي لا يفصّلها البيان؛ فلا تُختزل حصيلة العمل الدبلوماسي في عامل واحد.أين تنتهي قدرة الوسيط؟تختلف الوساطة عن التفاوض من حيث موقع القائم بها؛ فالأطراف تتفاوض على مصالحها والتزاماتها، بينما يساعدها الطرف الثالث على البحث عن اتفاق مقبول. وتؤكد التوجيهات الأممية الطبيعة الطوعية للعملية وضرورة موافقة أطراف النزاع عليها.وبناءً عليه، لا يكفي الإصغاء حين تغيب إرادة التسوية، ولا تضمن الثقة بالوسيط قبول مقترحاته؛ فقيمته تكمن في تحسين شروط التواصل واستكشاف الحلول، بينما يتوقف الاتفاق على قرارات الأطراف وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.وفي ضوء ذلك، يمكن فهم العبارة السامية بوصفها طرحًا لمصدر من مصادر التأثير الدبلوماسي: دولة تعرف كيف تصل إلى المختلفين، وتفهم حساباتهم، وتساعدهم على اختبار إمكان التفاهم. فالإصغاء يصبح قوة حين يتحول من معرفة بالمواقف إلى قدرة على توسيع الخيارات المتاحة أمام أصحابها.الأولىشارك هذا الخبر

المصدر: أثر