الثقافة في السلط .. إرث عريق ومسؤولية الأجيال
م. عبدالفتاح الدرادكة قد تكون الحياة الثقافية في السلط على أعتاب مرحلة جديدة، في ظل تنامي دور المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني الساعية إلى إعادة الثقافة إلى مكانتها في حاضرة البلقاء. ويشكل إدراج السلط على قائمة التراث العالمي فرصة مهمة لإحياء المشهد الثقافي فيها، فالتراث والثقافة متلازمان، ولا تكتمل المحافظة على الأبنية التاريخية إلا بصون الذاكرة الإنسانية والقيم التي صنعت هوية المدينة، ونقلها إلى الأجيال الجديدة.وفي هذا السياق، يستحق منتدى السلط الثقافي وإدارته الشكر والتقدير على جهودهم، التي تجسدت في عقد المؤتمر الثقافي الرابع بعنوان «الارض والانسان ركائز السردية الأردنية: »، وهو موضوع بالغ الأهمية في توثيق تاريخ الأردن وإبراز دور رجالاته في بناء الدولة والدفاع عن قضايا الوطن والأمة.ولتحقيق اكبر تقدم في هذا المجال وفي المرحلة المقبلة فإن ذلك يتطلب تعاونًا أوسع بين المؤسسات الثقافية في السلط، وتنسيق جهودها ضمن رؤية مشتركة يكون المنتدى في قلبها، بحكم حمله اسم السلط والثقافة ومكانته بين مؤسسات المجتمع المدني. فالثقافة أكبر من الشخصنة والتنافس، والمصلحة العامة تقتضي توحيد الجهود وتكامل الأدوار، وربما دمج المؤسسات المتشابهة حيث تقتضي الحاجة، لتكون خدمة المدينة وثقافتها هي الغاية.وقد تشرفت بالمشاركة في المؤتمر الثقافي الرابع لمنتدى السلط الثقافي، الذي اشتمل على موضوعات مهمة في مرتكزات السردية الاردنية منها النواحي السياسية و الاجتماعية والاقتصادية وتكوين الهوية الاردنية والعمل النقابي وقصص النجاح والمبادرات المجتمعية ومنها المبادرة الرائدة بعنوان الحفاظ على النعم واخيرا مرضوع الشخصيات الوطنية حيث تشرفت بالحديث عن الدكتور محمد البشير، إلى جانب استعراض مسيرتي الدكتور كامل أبو جابر ومبارك أبو يامين من قبل زملاء اخرين، وهم ثلاثة من رجالات البلقاء الذين قدموا نماذج متنوعة في خدمة الأردن وفلسطين.فالدكتور محمد البشير كان رجل دولة وإداريا وطبيبًا ووزيرًا، أسهم في خدمة الوطن وتطوير القطاع الصحي الأردني، ومثّل نموذجًا في تحمل المسؤولية والارتقاء بالعمل العام واستشهد وهو يقوم بواجبه مع الراحلة الملكة علياء الحسين ومن واجبنا استحضار سيرته لتكون قدوة للأجيال التي ينبغي أن تعرف جهود الرجال الذين أسهموا في بناء الأردن.أما مبارك أبو يامين، فقد جسّد روح النضال الوطني والقومي من خلال دعمه المجاهدين والثوار الفلسطينيين بالسلاح، رغم المضايقات والقيود آنذاك. وكان منزله في منطقة دامية محطة لإمداد الثوار بالسلاح وانطلاقهم نحو فلسطين، في صورة تعكس عمق ارتباط أبناء الأردن بقضية فلسطين.ويقدم الدكتور كامل أبو جابر نموذج الأكاديمي والسياسي والدبلوماسي الذي خدم الجامعة الأردنية وأسهم في مسيرتها، ومثّل الأردن في المحافل الدولية، وشارك في الجهود السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. كما تجسد أسرته ثقافة السلط الأصيلة في التآخي الإسلامي المسيحي والتواصل الاجتماعي، ويشكل منزل آل أبو جابر شاهدًا على تاريخ المدينة وتطور الحياة العامة فيها.إن استحضار هذه الشخصيات ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو توثيق للقيم التي صنعت تاريخنا الوطني. فالسلط التي صانت تراثها العمراني تستحق نهضة ثقافية تحفظ تراثها الإنساني أيضًا، وهذا يتطلب تعاون المؤسسات، واستدامة النشاط الثقافي، وإشراك الأجيال الجديدة في صناعة مستقبل ثقافي يليق بتاريخ المدينة ومكانتها.والله من وراء القصد
المصدر: عمون