شفق نيوز..(حصري) زعيم "PJAK" يرسم ملامح "إيران ما بعد النظام" ويكشف موقفه من العراق وأميركا وإسرائيل
لم يضع الرئيس المشترك لحزب الحياة الحرة الكوردستاني "PJAK"، أمير كريمي موعداً للتخلي عن سلاح حزبه، لكنه رسم شرطاً سياسياً يمكن أن يجعل البنادق تصمت، يتمثل في قيام نظام ديمقراطي يعترف بحقوق الكورد ويتيح لهم إدارة شؤونهم، ضمن إيران اتحادية جديدة لا تقوم على الهيمنة القومية أو الدينية. وفي مقابلة موسعة مع وكالة شفق نيوز، تناول كريمي مستقبل إيران في حال سقوط الجمهورية الإسلامية، والعلاقة الشائكة بين المعارضة الكوردية والقوى الدولية، واحتمالات الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة، فضلاً عن مصير السلاح الكوردي وعلاقات حزبه مع بغداد وأربيل. ورغم تأكيده استقلالية حزبه ونفيه تلقي الدعم من الولايات المتحدة أو أي قوة خارجية، لم يغلق كريمي الباب أمام العلاقات الدبلوماسية مع الأطراف الدولية، معتبراً أن مصالح الشعب الكوردي وشكل النظام السياسي المقبل في إيران هما المعيار الذي يحدد خيارات حزبه وتحالفاته. وتأتي مواقف كريمي في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة للأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة، التي باتت تواجه تحديين متوازيين، أولهما تحديد موقعها في أي تغيير محتمل للنظام الإيراني، وثانيهما الضغوط الأمنية والعسكرية المتصلة بوجود بعض مقارها في إقليم كوردستان العراق، حيث تعرضت مواقع تابعة لهذه الأحزاب خلال الأشهر الماضية لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. في تصوره لإيران المستقبل، لا يطرح كريمي مشروعاً لإعادة إنتاج الدولة المركزية بصيغة سياسية مختلفة، بل يدعو إلى إعادة بناء النظام على أساس جمهورية ديمقراطية لامركزية، تعتمد الفيدرالية وتمنح الأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها. ويقول كريمي إن "مشروعنا لإيران المستقبل هو تأسيس جمهورية إيران الديمقراطية اللامركزية"، موضحاً أن توزيع السلطة يجب أن يقوم على نظام فيدرالي يستند إلى إرادة السكان والديمقراطية المباشرة في الإدارة المحلية. ويضع الرئيس المشترك لـ"PJAK" هذا المشروع في إطار حق تقرير المصير، وهو المبدأ الذي يقول إن القوى المنضوية في تحالف الأحزاب الكوردستانية الإيرانية أقرته بالإجماع. لكن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بما إذا كان هذا الحق يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى الاستقلال، أم أنه سيبقى ضمن حدود الدولة الإيرانية. وفي إجابته، لم يقدم كريمي تعهداً نهائياً باستبعاد الانفصال، لكنه أبدى استعداداً واضحاً للقبول بإيران موحدة، شريطة إعادة تعريف الهوية الوطنية وضمان حقوق مكوناتها في دستور جديد. ويضيف أن "الهوية الإيرانية بحاجة إلى إعادة تعريف كي تجد جميع الهويات نفسها فيها"، معتبراً أن شرعية الدولة المقبلة لا يمكن أن تتحقق من دون مشاركة حرة لمكوناتها، وضمان الحكم الذاتي وحقوق المرأة والتنظيم والتعبير، بعيداً عن التمييز القومي والديني. ويؤكد أن إيران التي تستجيب لهذه الشروط "ستكون وطناً مشتركاً لجميع التنوعات داخل الجغرافيا الإيرانية". ولا يحصر كريمي مشروعه بالكورد، بل يقدمه بوصفه تصوراً سياسياً يشمل العرب والبلوش والأذريين وسائر المكونات القومية والدينية، على أساس المشاركة في إدارة البلاد، مع احتفاظ كل مكون بحقه في الإدارة الذاتية. ويرى أن القضية الكوردية ليست صراعاً عرقياً بقدر ما هي نتيجة لغياب الديمقراطية وهيمنة الدولة القومية المركزية، معتبراً أن حلها يرتبط بتغيير طبيعة النظام السياسي الإيراني نفسه. ورغم اللغة السياسية التي يستخدمها كريمي في الحديث عن إيران المقبلة، يظل السلاح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تجربة "PJAK"، ولا سيما بعد التحول الذي شهده حزب العمال الكوردستاني "PKK" وإعلانه في أيار/مايو 2025 قرار حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح ضمن مسار السلام مع تركيا. وللحزبين تقارب فكري وتنظيمي تاريخي، إلا أن كريمي يشدد على استقلال قرار حزبه، رافضاً الربط التلقائي بين الخيارات التي يتخذها "PKK" والمستقبل العسكري لـ"PJAK". ويقول إن "قرارات PKK يتخذونها بأنفسهم، وقرارات PJAK تتخذها قيادتنا"، مضيفاً أن حزبه لا يتبنى الحرب المسلحة استراتيجية للتحرر الوطني على غرار حركات القرن العشرين. وبحسب كريمي، فإن القضية الكوردية في إيران سياسية في جوهرها، وتحتاج إلى تسوية سياسية، إلا أن السلطات الإيرانية تتعامل مع المطالب الكوردية من منظور أمني وعسكري، وهو ما يجعل الدفاع عن النفس، وفق تعبيره، ضرورة في مواجهة القمع. ويتابع أن "السلاح بالنسبة لنا ليس استراتيجية، بل أداة للدفاع عن النفس"، معتبراً أن المشكلة الأساسية ليست في حمل الكورد للسلاح، وإنما في غياب القنوات السياسية والقانونية التي تتيح مناقشة مطالبهم. وفي أكثر العبارات وضوحاً بشأن مستقبل الجناح المسلح لحزبه، يؤكد كريمي أنه "متى ما فُعّلت السياسة الديمقراطية والقانون كآلية رئيسية لحل قضية شعبنا، ستصمت الأسلحة ولن تكون هناك حاجة إليها بعد ذلك". ومع ذلك، لا يطرح كريمي جدولاً زمنياً لنزع السلاح أو آلية محددة للانتقال من العمل المسلح إلى السياسة، ما يترك هذا الاحتمال مرتبطاً بطبيعة التحولات المقبلة في إيران والضمانات التي قد تنتج عنها. وتأخذ هذه المسألة بعداً إضافياً بالنظر إلى التاريخ المعقد للعلاقة بين "PJAK" وحزب العمال الكوردستاني، إذ أدرجت وزارة الخزانة الأميركية الحزب الكوردي الإيراني ضمن عقوباتها عام 2009، على خلفية ارتباطاته التنظيمية التي قالت واشنطن آنذاك إنها تجمعه بـ"PKK". وفي ملف العلاقات الخارجية، الذي بات أكثر حساسية مع تصاعد الصراع بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين، ينفي كريمي حصول حزبه على دعم من الولايات المتحدة أو غيرها من القوى. ويقول إن "من حقنا أن تكون لدينا تعاملات دبلوماسية مع أي قوة أو طرف"، لكنه يميز بين إقامة العلاقات السياسية والاعتماد على الخارج، مؤكداً أن حزبه لم يتلق مساعدات أو دعماً من أي جهة، بما فيها الولايات المتحدة. ويضيف أن "نحن حركة مستقلة ونحافظ على هذه الاستقلالية"، موضحاً أن أي علاقات خارجية محتملة ينبغي أن تخضع لمعايير تتعلق بحقوق الشعب الكوردي ومصالحه ومستقبل النظام الديمقراطي في إيران. وعلى الرغم من أن السؤال شمل الاتصالات المحتملة بإسرائيل أيضاً، فإن كريمي لم يقدم تفصيلاً مباشراً بشأن وجود قنوات اتصال معها من عدمه، مكتفياً بالتأكيد على حق حزبه في التعامل الدبلوماسي مع مختلف الأطراف، وفق ما وصفه بالواقعية السياسية، بعيداً عن الاعتبارات الأيديولوجية. أما بشأن احتمال اندلاع مواجهة جديدة بين إيران من جهة والولايات المتحدة أو إسرائيل من جهة أخرى، وما إذا كان حزبه سيستغلها للتحرك عسكرياً، فقد تجنب كريمي تقديم التزام مسبق بالانخراط في حرب إقليمية. لكنه شدد في المقابل على أن "PJAK" يمتلك حضوراً ونشاطاً داخل إيران، ولا ينتظر من أي قوة خارجية أن تفتح له الطريق للتحرك. ويقول إن "نحن لسنا بحاجة إلى أن يفسح لنا أحد المجال، نحن من يخلق فرصتنا بأنفسنا"، مضيفاً أن حزبه سيتدخل "في أي مكان وزمان يتطلب الأمر من أجل الحرية وحماية وجود الشعب". ويختصر موقفه بالقول إن قرار شعبه هو خوض "حرب تخصنا ولأجلنا"، في إشارة إلى رفض تقديم التحركات الكوردية بوصفها امتداداً آلياً لأي مواجهة تخوضها القوى الخارجية ضد طهران. ولا تقتصر حسابات "PJAK" على علاقته بطهران والقوى الدولية، إذ يجد الحزب نفسه أمام اختبار آخر يتعلق بقدرته على العمل المشترك مع بقية المعارضة الكوردية الإيرانية، التي عانت طويلاً من الانقسامات الفكرية والسياسية والتنظيمية. ففي 22 شباط/فبراير 2026، أعلنت خمسة أحزاب كوردية إيرانية تشكيل "تحالف القوى السياسية لكوردستان إيران"، وهي حزب الحياة الحرة الكوردستاني، والحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، وحزب حرية كوردستان، ومنظمة خبات، وحزب كومله الكادحين. وجاء إعلان التحالف وسط تصاعد الاضطرابات السياسية والأمنية في إيران، وفي وقت بدأت فيه قوى المعارضة البحث عن موقع أكثر تأثيراً في مستقبل البلاد. ويرى كريمي أن التحالف الجديد نتاج قراءة مشتركة للفرص والمخاطر، لكنه يقر ضمناً بأن الاتفاق على مواجهة خصم سياسي واحد لا يكفي لضمان استمراره. ويقول إن "لا ينبغي أن نتوحد فقط على أساس الفرص أو المخاطر المشتركة"، داعياً إلى بناء برنامج سياسي متين للمستقبل، وإجراء حوار عميق بشأن أدوار الأحزاب الكوردية واستراتيجيتها. ويشدد على ضرورة بقاء الاختلافات الفكرية والسياسية بين هذه القوى، شريطة أن تتحول إلى أرضية للحوار، لا إلى أسباب للإقصاء والانقسام. ويصف التحالف بأنه "تجربة خاصة وميدان تمرين على الديمقراطية"، معرباً عن أمله في أن يصبح نموذجاً يمكن الاستفادة منه على مستوى إيران بعد أي تحول سياسي. غير أن هذا التقارب يجري في ظل تحديات تتجاوز الخلافات الداخلية، بعدما تعرضت مقار ومخيمات تابعة لأحزاب كوردية إيرانية في أربيل والسليمانية لسلسلة هجمات خلال عام 2026، وتبنى الحرس الثوري الإيراني بعض الضربات التي استهدفت هذه الجماعات. وعند الانتقال إلى العلاقة مع العراق، يقدم كريمي رواية تقوم على عدم استخدام الأراضي العراقية لشن عمليات ضد إيران، نافياً وجود خلافات بين حزبه والسلطات الاتحادية أو حكومة إقليم كوردستان طوال السنوات الماضية. ويقول إنه "على مدى 22 عاماً من نضالنا، لم تكن لدينا أي مشكلة سواء مع حكومة إقليم كوردستان أو مع الحكومة العراقية"، مؤكداً أن قوات حزبه وأعضاءه يتمركزون وينشطون داخل إيران. ويضيف أن "لم نستخدم الأراضي العراقية إطلاقاً للقيام بأنشطة ضد الجمهورية الإسلامية"، معتبراً أن حرص الحزب على هذا الموقف أتاح الحفاظ على التفاهم مع بغداد وأربيل. غير أن هذه التصريحات تأتي في سياق أمني أكثر تعقيداً، إذ يمثل وجود الجماعات الكوردية الإيرانية المعارضة في إقليم كوردستان أحد الملفات الحساسة في العلاقات بين بغداد وطهران منذ سنوات. ففي آذار/مارس 2023، أبرم العراق وإيران اتفاقاً أمنياً تناول ضبط الحدود ومنع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على دول الجوار، وأعلنت بغداد في أيلول/سبتمبر من العام نفسه إخلاء مقار جماعات المعارضة الإيرانية من المناطق الحدودية ونقل عناصرها إلى مواقع أبعد، تمهيداً للتعامل معهم بصفة مدنية. لكن الملف ظل مفتوحاً، إذ واصلت طهران المطالبة بنزع سلاح تلك الجماعات، فيما استمرت الاجتماعات الأمنية العراقية الإيرانية لمتابعة تنفيذ الاتفاق. وفي أيار/مايو 2026، بحثت اللجنة الأمنية العليا المشتركة بين البلدين مجدداً ملف الجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة في إقليم كوردستان، بالتزامن مع استمرار التوتر العسكري والهجمات التي طالت مواقع تابعة لها. ولا تبدو مسألة إسقاط الجمهورية الإسلامية وحدها كافية في تصور كريمي لمستقبل بلاده، إذ يحذر من أن تغيير السلطة من دون إعادة صياغة قواعد الحكم قد ينتج نظاماً يعيد إنتاج الهيمنة السياسية والقومية بصورة جديدة. ورداً على سؤال بشأن استعداد حزبه لقبول قيادة غير كوردية لإيران، أو نتائج انتخابات ديمقراطية تأتي بقوى تختلف مع مشروعه، يؤكد أن النظام الذي يتصوره يجب ألا يمنح أي مجموعة عرقية امتيازاً خاصاً. ويقول إن "لا يجوز لأي مجموعة أو هوية فرض هيمنتها لأي سبب كان"، موضحاً أن الإدارة العامة والمحلية ينبغي أن تستند إلى المجالس والمؤسسات، بما يقلص احتمالات احتكار السلطة من قبل فرد أو جماعة. ويرفض كريمي في الوقت نفسه ما يسميه "دكتاتورية الأغلبية"، مشدداً على ضرورة توفير ضمانات دستورية وقانونية تحمي الأقليات من هيمنة القوى الأكبر عدداً، حتى في ظل نظام انتخابي ديمقراطي. ويضيف أنه في ظل نظام تتوافر فيه هذه الشروط، فإن حزبه سيعتبر نفسه جزءاً من العملية السياسية "مهما كانت نتائج الانتخابات". لكن التحدي الأكبر، بحسب كريمي، لا يكمن فقط في الاتفاق على شكل السلطة المقبلة، بل في منع تحوّل التنافس بين القوميات والأحزاب المسلحة إلى صراع جديد في حال انهيار مؤسسات الجمهورية الإسلامية. ويقر بأن هذا الاحتمال يثير مخاوف داخل حزبه أيضاً. ويقول إن التنوع القومي والديني في إيران يمثل مصدر ثراء، لكنه قد يتحول إلى عامل صراع إذا تزامن مع صعود القومية المتطرفة والتشدد الديني وضعف ثقافة الحوار، ولا سيما في حال وجود تدخلات خارجية تستغل الانقسامات. ولهذا، يدعو إلى عدم تأجيل النقاش بشأن العلاقات بين القوميات إلى ما بعد سقوط النظام، معتبراً أن بناء العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يبدأ قبل أي انتقال للسلطة، من خلال الاتفاق على الضمانات السياسية والقانونية وآليات إدارة الخلافات. ويشير إلى مشاركة حزبه في جبهة سياسية مع قوى إيرانية مؤيدة للديمقراطية تحت اسم "المؤتمر الحر لإيران"، يقول إنها تتيح مناقشة القضايا الخلافية والتصورات المتعلقة بمستقبل البلاد. ويُعد حزب الحياة الحرة الكوردستاني "PJAK"، الذي تأسس عام 2004، أحد أبرز الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة لطهران، ويتبنى فكراً سياسياً يستند إلى مفهوم "الكونفيدرالية الديمقراطية" الذي طرحه زعيم حزب العمال الكوردستاني عبدالله أوجلان. ويمتلك الحزب جناحاً مسلحاً خاض مواجهات متقطعة مع القوات الإيرانية، ولا سيما الحرس الثوري، فيما ارتبط وجوده العسكري تاريخياً بجبال قنديل في اقليم كوردستان وعلى الحدود العراقية الإيرانية. وتتهمه طهران بالعمل المسلح ضد الدولة، فيما أدرجته وزارة الخزانة الأميركية عام 2009 ضمن قائمة العقوبات المرتبطة بالإرهاب، بسبب صلاته التنظيمية بحزب العمال الكوردستاني، وهي العلاقة التي يؤكد قادته استقلالهم في اتخاذ القرارات عنها.
المصدر: شفق نيوز