شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

في سلتنا الوطنية تنظيف القلوب قبل لجان التحقيق

في سلتنا الوطنية تنظيف القلوب قبل لجان التحقيق

لم تكن مباراة الوحدة والكرامة بكرة السلة، التي احتضنتها صالة الفيحاء بدمشق أمس، مجرد مواجهة رياضية انتهت بفوز فريق وخسارة آخر، بل إن بعض الأحداث التي رافقتها ألقت بظلالها على المشهد بعدما أطلت مظاهر الشغب والتعصب برأسها وعكّرت أجواء لقاء كان يفترض أن يبقى في إطار المنافسة الرياضية الشريفة، وأن يعكس الصورة التي نريدها لرياضتنا وجماهيرنا، بعيداً عن الإساءة والتجريح. ولعل ما حدث يستحق التوقف عنده طويلاً، ليس بهدف تأجيج الخلاف أو الانحياز إلى طرف على حساب آخر، وإنما من باب المسؤولية الوطنية والأخلاقية التي تفرض علينا جميعاً أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن نتعامل مع ما جرى بحكمة ووعي، بعيداً عن الأحكام المسبقة وتبادل الاتهامات، بانتظار ما ستكشف عنه التحقيقات من حقائق. وبغض النظر عما أُثير حول طبيعة العبارات التي قيل إنها صدرت خلال المباراة، ومدى صحتها، فإن هناك حقيقة ينبغي ألا تكون موضع خلاف أو جدل، وهي أن شهداء الثورة السورية ينتمون إلى ذاكرة وطنية جامعة، وأن تضحياتهم أكبر من أن تحصر في مدينة أو محافظة، وأسمى من أن تتحول إلى مادة للخلاف بين أبناء الوطن الواحد. فالشهيد عبد الباسط الساروت لم يكن ابن حمص وحدها، بل كان أحد أبناء الثورة السورية ورموزها، وجزءاً من حكاية وطنية امتدت من أقصى البلاد إلى أقصاها، ومن الخطأ أن يختزل حضوره في انتمائه الجغرافي، فالشهيد الذي قدّم روحه من أجل قضية آمن بها، أصبح جزءاً من ذاكرة السوريين جميعاً، ومهما اختلفت المدن والانتماءات، تبق تضحيات الشهداء أكبر من كل الحدود التي قد يرسمها التعصب. الحديث عن الساروت واستذكار مسيرته ومناقبه ليس حكراً على أبناء حمص، كما أن الوفاء لتضحيات شهداء الثورة السورية ليس امتيازاً لفئة من دون أخرى، بل هو موقف وطني وأخلاقي لكل سوري يؤمن بالحرية والكرامة. صالة الفيحاء ليست ساحة لتبادل الاتهامات ما شهدته صالة الفيحاء من لغط وتوتر وتبادل للاتهامات بين بعض جماهير الناديين يفرض علينا وقفة جادة، لأن الرياضة التي طالما جمعت السوريين، وقدمت لهم مساحات التنافس ، لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو إثارة النعرات. فالوحدة والكرامة ليسا مجرد اسمين لفريقين يتنافسان على أرض الملعب، بل إن جماهيرهما جزء من النسيج السوري، وتجمعها من الروابط الاجتماعية والإنسانية أكثر بكثير مما قد تفرقها نتيجة مباراة أو تصرف فردي. من غير المقبول أن تتحول المنافسة بين فريقين عريقين إلى خلاف يتجاوز حدود الرياضة، أو أن تصبح المدرجات مكاناً للإساءة بدلاً من أن تكون مساحة للتشجيع الرياضي. ولا يمكن تبرير أي إساءة، أياً كان مصدرها أو الطرف الذي صدرت عنه، كما لا يجوز توجيه الاتهامات إلى جمهور كامل بسبب تصرفات منسوبة لبعض أفراده، فالإنصاف يقتضي انتظار نتائج التحقيق، وتحديد المسؤوليات بدقة، ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه. بيان وتحقيق أكدت وزارة الرياضة والشباب، عبر بيانها الصادر اليوم، أنها بصدد فتح تحقيق لكشف ملابسات ما جرى خلال المباراة، ومحاسبة المسيئين في حال ثبوت تورطهم في إطلاق عبارات أو القيام بتصرفات أسهمت في تعكير أجواء اللقاء. وهي خطوة مهمة ينبغي أن تستند إلى التحقق الدقيق من الوقائع، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتحديد المسؤوليات بعيداً عن الانفعال والضغط الجماهيري. كما أن مسؤولية المعالجة لا تقع على الوزارة وحدها، بل تتطلب تعاوناً من إدارتي الناديين والجهات المنظمة والكوادر الرياضية والإعلامية، فضلاً عن دور الجماهير التي يفترض أن تكون شريكاً في حماية الرياضة والحفاظ على رسالتها، لا طرفاً في إفسادها. لكن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج بها رياضتنا من هذه الحادثة هي أن المدرجات ليست مكاناً لتبادل الشتائم، وأن الشهداء ليسوا مادة للخلاف، وأن سوريا التي نريدها لا تتسع للتعصب والكراهية، بل تتسع لجميع أبنائها، تحت سقف الاحترام المتبادل والانتماء إلى وطن واحد. وخاصة أن توجهات القيادتين السياسية والرياضية تدعو أن المحبة والتسامح ونبذ كل أنواع التعصب والفتن حتى يبقى الشعب السوري واحد لا تفرقه نتيجة مباراة ولا خسارة نتيجة رقمية. الوطن

المصدر: الوطن