عادل الحمداني يكتب للشبيبة: بين الأمواج والرّمال.. سيرة رجل وذاكرة جيل
بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلاميتحت أحد العناوين الفرعية في كتاب "بين الأمواج والرّمال" المعنون ب"شح التدوين أقبر تجارب العُمانيين الأبطال في شرق أفريقيا"، يصف الإعلامي سيف المحروقي انشغاله بتلك الحقبة من التاريخ، وعدم توثيقها على نحوٍ كافٍ، ويكتب: "ففي أعماق التاريخ، حيث تنحسر الأضواء وتغيب التفاصيل خلف ستار كثيف من الصمت، تكمن تلك الحقبة المنسية التي تنبض بالحياة لكنها مغيبة عن السجلات، وكأنها سقطت من ذاكرة التدوين..". سيدرك قارئ الكتاب، منذ اللحظة الأولى، أنه أمام عمل يتجاوز مسألة توثيق الذاكرة الشخصية للكاتب؛ حيث يقودنا المحروقي إلى ما هو أعمق من التوثيق وحفظ الذاكرة وسرد التجارب الإنسانية. فهذا الكتاب، وإن كان يحمل تصنيف السيرة الذاتية لحياة يراها المحروقي تستحق أن تُروى، فإننا نكتشف أنه يُقدّم صورة يتقاطع فيها الفردي مع الجماعي، والذاكرة الخاصة مع الذاكرة الجمعية لجيل كامل.وما إن يشرع القارئ في الصفحات الأولى حتى تأسره تلك اللغة الرشيقة والشفافة التي ينسج بها الكاتب خيوط تجربته الحياتية؛ بدءًا من رحلته الأولى إلى أفريقيا، مرورًا بسنوات التكوين المبكرة في أحضان الغربة برفقة والده. ومن خلال تلك التفاصيل، يفتح المحروقي نافذة على جانب مهم من حياة العُمانيين في المهجر، كاشفًا ملامح غربتهم وظروفهم المعيشية اليومية، وما اختزنته تلك التجربة من قيم الصبر والمثابرة والتشبث بالهوية والانتماء.ومع أن كتابة السيرة الذاتية تركز في العادة على سرد تفاصيل شخصية لا يعرفها سوى صاحبها، فإن المحروقي يتجاوز هذا الإطار الضيق إلى فضاءٍ أرحب، ليحوّل تجربته الفردية ومعايشاته الخاصة إلى شهادة نابضة بالحياة، تحمل في طياتها تفاصيل حياة الإنسان وتاريخ المكان وتحولات المجتمع. فمنذ الفصل الأول، الذي شدّني إليه بقوة، يرسم الكاتب بالكلمات مشاهد حيّة تنقل صورة المكان والإنسان والحياة في ذلك الزمان، حتى ليُخيّل إلى القارئ أنه ينظر إلى تلك البيئات بعينيه، ويُشارك أهلها تفاصيل حياتهم وتحولاتها، في رحلة سردية تجمع بين دفء الذكريات وقيمة التوثيق وأهمية حفظ الذاكرة العُمانية من النسيان.ومن أبرز ما سجلته خلال قراءتي للكتاب قدرته على إيجاد توازن جميل بين السرد الذاتي والتوثيق الاجتماعي؛ فالنص لا يقع في فخ استعراض الذات بقدر ما ينفتح على العالم المحيط بها، مقدّمًا تفاصيل تُعدّ مادة تاريخية وإنسانية جديرة بالحفظ. ومن بين الملاحظات التي وقفت عليها أن اللغة جاءت متوازنة بين البساطة والعمق؛ فالمحروقي يستحضر المشهد الذي يتذكره، ويُحيي الذاكرة من غير تكلف أو إسراف في الوصف.وبعد رحلة أفريقيا، يعود سيف المحروقي إلى أرض الوطن، لتبدأ محطة أخرى لا تقل ثراءً وعمقًا. فمن خلال وصفه لتلك المرحلة، استحضرتُ نصوصًا قرأت فيها ما يشبه تجربته في ثلاثية الروائي يونس الأخزمي: برّ الحكمان وغبة حشيش ورأس مدركة. وإن اختلفت التجربتان في المنهج والأدوات الفنية، فإن المحروقي يلتقي مع الأخزمي في استحضار عالم بحر العرب والبدو والرحّالة، وفي التقاط ملامح المكان وتحولاته، مستقرئًا بأسلوبه السردي الخاص جوانب من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها تلك البقعة من سلطنة عُمان.ومن خلال هذه الصفحات، يضع المحروقي بين أيدي الباحثين والمهتمين بالتاريخ الاجتماعي مادة ثرية يمكن استنطاقها لاستخلاص كثير من ملامح الحياة وأنماط العيش والظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة آنذاك. فالكتاب يقدّم معلومات تاريخية بشكل غير أكاديمي، وأكثر من ذلك، يقدّم تفاصيل حياة قد تغفل المصادر الرسمية عن توثيقها. ومن هنا، يمكن القول إن الكتاب يتيح للباحثين فرصة الاقتراب من حياة الناس العاديين، ورصد أنماط عيشهم، بما يمثله ذلك من إضاءة على صورة المجتمع العُماني وتحولاته.ويأخذنا الكاتب في رحلة أخرى إلى ولاية أدم؛ مسقط رأسه وموطن نشأته، حيث يستعيد وجوه الناس وتفاصيل الحياة اليومية وملامح المكان، ليقودنا إلى الاستنتاج أنها مجتمعة أسهمت في تشكيل وعيه وتكوين شخصيته. وما يُسجّل في هذا الجزء تحديدًا هو اقتراب الكاتب من ذاكرته الأولى، وقدرته على تسجيل تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تمنح، في المقابل، سرده حميمية إنسانية.وهكذا يتنقل المحروقي بين محطات الطفولة ومرافئ التكوين الأولى ومنعطفات الحياة المختلفة، جامعًا بين السرد الشخصي والتوثيق الاجتماعي في نسيج واحد. ولعل من الإجحاف بحق الكاتب وكتابه اختزال تلك الوقفات الثرية في أسطر معدودة؛ فالقارئ يجد نفسه أمام عمل زاخر بالتفاصيل الإنسانية والمشاهد الحية التي تستحضر زمنًا مضى، وتوقظ في النفس حنينًا إلى حياة عاشها البعض، أو سمع عنها آخرون، أو تناقلتها الذاكرة عبر الأجيال.ولابد من الاعتراف بأن المكتبة العُمانية، في المجمل، تفتقر إلى ما يُطلق عليه "تاريخ التفاصيل الصغيرة"، ذلك التاريخ الذي يكاد يغيب عن التوثيق. فالمكتبة العُمانية ينقصها توثيق ذاكرة الناس العاديين، لا الشخصيات البارزة فحسب، كما ينقصها تسجيل التفاصيل الدقيقة للحياة المعيشية، وشهادات عن تحولات المجتمع قبل النهضة الحديثة وبعدها، إلى جانب توثيق تجارب العُمانيين في المشرق والمغرب، وتوثيق الذاكرة المحلية للقرى التي طواها الزمن برحيل من عاصروها.ويأتي كتاب "بين الأمواج والرّمال" ليقدّم مساهمته في جهود سدّ الفجوة القائمة في تدوين كل تلك التجارب.ولا يغفل المحروقي، في ثنايا كتابه، عن سرد تجربته في العمل الإعلامي، وهي محطة استوقفتني على نحو خاص؛ إذ عاصرت بعض فصولها بحكم عملي تحت إدارته في دائرة الأخبار بتلفزيون سلطنة عُمان. ومن باب الإنصاف، فإن سيف المحروقي لم يكن مجرد مسؤول إداري ناجح، بل كان نموذجًا ملهمًا في القيادة والعمل، وقامة مهنية جمعت بين الخبرة والتواضع. فقد امتلك قدرة لافتة على الاقتراب من الآخرين والتأثير فيهم دون أن يشعرهم بفوارق الموقع أو العمر أو التجربة، وهي خصلة لا تتوافر لدى الكثيرين.ولست أبالغ إذا قلت إن لهذا الرجل أثرًا في المسيرة المهنية للكثيرين؛ فقد أسهم في تشكيل جانب من رؤيتهم للمهنة وللحياة. لقد تجاوز حضوره حدود الإدارة اليومية إلى دور الموجّه والملهم، وهو أثرٌ لا يُقاس بالسنوات بقدر ما يُقاس بما يتركه في النفوس من تقدير وامتنان.في المحصلة، فإن "بين الأمواج والرّمال"، ليس سيرة ذاتية فحسب، ولا سردًا لتجربة سيف المحروقي الشخصية، وإنما هو توثيق لجانب من التجربة العُمانية وملامح مرحلة شهدت الكثير من التحولات والتحديات. وفي هذا الكتاب ما يستحق القراءة، لما يقدّمه من متعة السرد وثراء التفاصيل. وقد نبهنا المحروقي إلى ذلك في مقدمة الكتاب بقوله: "رأيت أن حياتي – رغم بساطتها الظاهرة – تستحق أن تُروى. ليست لأنها ملأى بالمناصب أو الأخبار العاجلة، بل لأنها غنية بالتجارب الإنسانية، وموغلة في تفاصيل الحياة التي تصنع الإنسان وتشكله".
المصدر: الشبيبة