ملف الإنترنت غير الشرعيّ في لبنان... من هو الخاسر والمستفيد منه؟
لم يعدّ ملف الإنترنت غير الشرعي في لبنان مجرّد مخالفة تتعلق بطريقة توزيع الخدمة، بل تحوّل إلى قضية تمسّ إيرادات الدولة، والمنافسة في قطاع الاتصالات، وحقوق المشتركين. Advertisement فبينما يدفع اللبنانيون اشتراكات شهرية للحصول على الإنترنت، تعمل شبكات خارج الأطر القانونية على توزيع الخدمة في مناطق مختلفة، مستفيدة من سوق واسعة يصعب ضبطها بالكامل. وتقدّر خسائر الإيرادات العامة المرتبطة بهذه الشبكات بنحو 128.8 مليون دولار سنوياً، وفق تقرير لديوان المحاسبة . كما تشير التقديرات التي أوردتها التقارير إلى أن الشبكات غير المرخّصة تخدم أكثر من مليون مشترك. كيف تعمل الشبكات غير الشرعية؟ لا يعني الإنترنت غير الشرعي بالضرورة أن الاتصال بالإنترنت نفسه غير قانوني، بل إن المخالفة قد تكمن في إعادة توزيع الخدمة عبر شبكة أو جهة لا تملك الترخيص اللازم. ففي النموذج التقليدي، تحصل شركات مرخّصة على الخدمة أو السعات المطلوبة، ثم توزّعها على المشتركين وفق القوانين والرسوم والالتزامات التنظيمية. أما في حالة الشبكات غير المرخّصة، فتُعاد إتاحة الخدمة للمستخدمين خارج الإطار القانوني، بما قد يحرم الخزينة من الرسوم والإيرادات المستحقة، ويخلق منافسة غير متكافئة مع الشركات الملتزمة بالقوانين. وقد تناولت تقارير إعلامية آلية تعتمد فيها بعض شبكات التوزيع غير النظامية على سعات إنترنت تحصل عليها من شركات تعمل بصورة قانونية، ثم تعيد توزيعها من دون استكمال المتطلبات التنظيمية اللازمة. وهذا يطرح أيضاً مسؤولية الجهات التي تزوّد تلك الشبكات بالخدمة، ومدى التزامها بواجبات الرقابة والإفصاح. من هو الخاسر الأكبر؟ تقع الخسارة الأولى على الخزينة العامة، نتيجة الإيرادات والرسوم التي لا تُحصّل من الأنشطة المخالفة. لكن الأثر لا يتوقف عند المبالغ المالية، بل يمتدّ إلى قدرة الدولة على إدارة قطاع الاتصالات والاستثمار في بنيته التحتية. وبحسب تقرير ديوان المحاسبة، لا ترتبط المشكلة بوجود شبكات غير مرخّصة فحسب، بل أيضاً بضعف تطبيق القوانين والتداخل في إدارة الملف. وأثار التقرير تساؤلات بشأن القرارات التنظيمية وآليات نقل المشتركين إلى الشبكات المرخّصة، بما في ذلك الرسوم التي قد يتحملها المستخدمون. أما المستفيدون المحتملون، فتشمل مصالحهم الجهات التي تحقق إيرادات من توزيع الخدمة خارج الأطر القانونية، وأي أطراف تستفيد من استمرار السوق الموازية. لكن تحديد المسؤوليات الفردية أو إثبات وجود حماية سياسية أو أمنية لشبكات بعينها يحتاج إلى أدلة وتحقيقات رسمية، ولا يجوز تعميم الاتهامات من دون إثبات. وفي المقابل، تواجه الشركات المرخّصة منافسة من جهات قد لا تتحمل الالتزامات التنظيمية والرسوم عينها، فيما تفقد الدولة جزءاً من قدرتها على توجيه الإيرادات نحو تطوير الشبكات وتحسين الخدمة. أكثر من مليون مشترك قد يختار بعض المشتركين شبكات غير مرخّصة لأنها متاحة في مناطقهم أو لأنها توفر أسعاراً أو سرعات يرونها مناسبة. لكن انخفاض السعر، إن تحقق، لا يعني بالضرورة أن المستهلك يحصل على خدمة أفضل أو حماية أكبر. فالمستخدم يحتاج إلى معرفة الجهة التي تقدم الخدمة، وشروط الاشتراك، وآلية تقديم الشكاوى، ومدى استمرارية الاتصال، وما إذا كانت عملية الانتقال إلى مزوّد مرخّص ستؤدي إلى تغيير السعر أو جودة الخدمة. وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يتحمل المشترك وحده تبعات سنوات من انتشار شبكات غير نظامية، خصوصاً إذا لم تكن أمامه بدائل واضحة ومناسبة. لذلك، فإن نجاح عملية التنظيم لا يُقاس بإغلاق الشبكات المخالفة فحسب، بل أيضاً بقدرة الجهات المعنية على ضمان استمرار الخدمة، ووضوح الرسوم، وتوافر خيارات قانونية قابلة للاستخدام. هل تتحمل الدولة جزءاً من المسؤولية؟ ويطرح استمرار هذه الشبكات لسنوات سؤالاً حول فعالية الرقابة وتطبيق القوانين، ولا سيما أن المشكلة معروفة للجهات المعنية منذ وقت طويل. وفي 5 شباط 2026، أصدرت الهيئة المنظمة للاتصالات القرار رقم 4/2026، الذي ألزم مزوّدي الإنترنت المرخّصين بنقل المشتركين المرتبطين بشبكات غير مرخّصة إلى شبكات قانونية ضمن مهلة محددة، مع التشديد على استمرارية الخدمة وعدم فرض أعباء مالية إضافية على المشتركين بسبب عملية النقل. لكن إصدار القرارات لا يكفي وحده لحل المشكلة. فالتحدي يكمن في تحديد الشبكات المخالفة، ومراقبة تنفيذ الإجراءات، ومحاسبة الجهات التي تتجاوز القوانين، وتنسيق العمل بين وزارة الاتصالات والهيئة المنظمة وأوجيرو والأجهزة الأمنية والقضائية، كلٌّ ضمن صلاحياته. كما أن التنظيم المستدام يتطلب معالجة الأسباب التي تسمح باستمرار السوق الموازية، بما في ذلك توافر البنية التحتية الرسمية، وجودة الخدمة، والأسعار، وسهولة انتقال المشتركين إلى مزوّدين مرخّصين. وفي 23 أيلول 2026، أعلنت الهيئة المنظمة للاتصالات إطلاق مسار تسوية الاشتراكات والانتقال من الشبكات غير المرخّصة إلى مزوّدي الخدمة المرخّصين. وشمل الإعلان المشتركين في المناطق التي تخدمها عشرة مراكز لأوجيرو، من بينها الأشرفية والحمرا وبربور. وتوضح الهيئة أن المشتركين المعنيين ينبغي أن يتواصلوا مع مزوّد مرخّص يعمل في مناطقهم، أو يستفسروا من مزوّدهم الحالي عن الجهة المرخّصة التي يمكنها استكمال إجراءات الانتقال. كما حذّرت من احتمال انقطاع الخدمة إذا لم تُستكمل الإجراءات المطلوبة. وتبقى فعالية هذه الخطوة مرتبطة بمدى تنفيذها على الأرض، وعدد المشتركين الذين انتقلوا فعلياً، والتزام الشركات بتوفير الخدمة وفق الشروط المعلنة، وقدرة الجهات الرسمية على ضبط الشبكات التي تستمر في العمل خارج القانون.
المصدر: لبنان 24