شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

"مسارًا مغايرًا وطريقًا مستقلًا"

"مسارًا مغايرًا وطريقًا مستقلًا"

د. صالح الفهدي هكذا يبيِّنُ حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في كلمته التاريخية بقلعة ويندسور بالمملكة المتحدة أثناء زيارة دولة تاريخية أمام الملك تشارلز الثالث، حين تحدَّث عن المنهجِ السياسي لسلطنة عُمان قائلًا: "بينما تشهدُ المنطقة الكثير من الصراعات تنتهج سلطنة عُمان مسارًا مغايرًا، وطريقًا مستقلًّا؛ حيث إن مواقفنا تنطلق من إيماننا بالحوار والتفاهم والسلام". وفي هذا تأكيدٌ على أن السلطنة اختارت أن تكون بمنأى عن الاستقطابات السياسية؛ فهي تملكُ مسارًا مغايرًا، يستمدُّ إرثهُ من التاريخ العُماني ما يجعلها غير مضطرة إلى أن تسلك الطريق الذي يسلكه الآخرون. وهي مستقلَّةٌ في قرارها المبني على مبادئها الراسخة، ومصالحها البعيدة، دون أن يعني ذلك القرار المستقل مجرَّد رد فعل على مواقف الآخرين؛ إذ أن الاستقلال لا يعني العزلة عن الآخرين، ولا انسحابًا من قضايا المنطقة، ولا حيادًا سلبيًّا تجاه ما يجري فيها، وإنما هو استقلال في تقدير المواقف واختيار الوسائل المناسبة للتعامل معها. وإذا كانت سلطنة عُمان لا تعيشُ خارج التعقيدات الجيوسياسية التي تعيشها المنطقة إلا أنها تتعامل مع هذه التعقيدات بنظرٍ مختلف، وفقَ ما تراهُ الأصوب، وهو ما أوضحهُ جلالة السلطان -أيَّده الله- بقوله في الكلمة ذاتها: "نحن ننشد الحلول، ونؤمن بالدبلوماسية، والحوار والعمل الدؤوب لتقريب الأمم، فهذا هو إرثنا". إن هذه الأدوات الناجعة "الدبلوماسية والحوار والعمل الدؤوب" هي أُصولٌ تملكها القوة الناعمة لسلطنة عُمان، وقد ذكرتُ ذلك في كتابي "القوة الناعمة لسلطنة عُمان"؛ فالدبلوماسية هي الإطار الذي تُدار من خلاله العلاقات، وتُصان عبره المصالح، وتُفتح به قنوات الاتصال، والحوار هو المساحة التي تُعرض فيها المواقف، وتُفهم التوجُّسات، وتُختبر إمكانات التوافق بين الأطراف ذات العلاقة، أما العمل الدؤوب فهو العنصر الذي يمنح الاثنين أثرهما؛ لأن التفاهم لا يتحقق بمجرد عقد اجتماع، ولا تُحل الأزمات بتصريح واحد أو مبادرة قصيرة الأجل. إنَّ الإصغاء هو أعظم ما تملكه الدول في سياساتها، أما عبارة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" فتلك عبارة يائسة قد تقال حين تُغلق جميع قنوات الحوار، أو يُعدم الإصغاء إلى الآخر، أو تسودُ القوة الغاشمة فوق صوت العقل. والمسار المُغاير والطريق المستقل هو ما منح سلطنة عُمان حكمة "...فالأمة الحكيمة تختار أن تُصغي، وقد ارتأت سلطنة عُمان أن تُصغي، وفي ذلك الإصغاء أدركنا قوة لا تتحقق بالجيوش"، ويؤكِّدُ جلالته- حفظه الله- بهذا المفهوم مبدأً أساسيًا من مبادئ السياسية العُمانية، وقد جاء في عبارةٍ عميقةٍ تعيد تعريف القوة، وتنقلها من ميدان السلاح إلى ميدان الوعي، ومن القدرة على فرض الإرادة إلى القدرة على فهم الآخرين والتأثير فيهم. ولا شكَّ أنَّ هناك فارقًا بين الاستماعِ والإصغاء؛ فالأوَّلُ هو أن يسمع الإنسان كلام الآخرين، فقد يكون الاستماع أمرًا عابرًا، أما الإصغاء فهو فعل إرادي يتطلب الانتباه، والصبر، والرغبة في الفهم، والاستعداد للنظر إلى القضية من زوايا متعددة. والدولة التي تُصغي لا تعني بالضرورة أنها توافق، ولا أنها تتخلى عن مصالحها؛ بل إنها تسعى إلى فهم ما وراء المواقف المُعلَنة: ما الذي يقلق الطرف الآخر؟ وما الذي يريده؟ وما الذي يخشاه؟ وأين يمكن أن تلتقي المصالح؟ وهكذا يكون الإصغاء حكمة وليس ضعفًا في الموقف، بل وقوة في إدراكه وإدارته. الإصغاءُ حكمةُ لأنَّ الحكمة لا تقوم على امتلاك المعلومات وحدها، وإنما على حُسن فهمها، والقدرة على التمييز بين ما يُقال وما يُقصد، وبين الموقف الظاهر والدوافع الكامنة وراءه. وقد تكون الدولة قوية عسكريًّا، لكنها تُخطئ قراءة خصومها؛ فتتخذ قرارات تزيد الأزمات تعقيدًا، وقد تكون دولة أقل اعتمادًا على القوة العسكرية في تحركاتها، لكنها تُحسن قراءة المشهد، وتعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تتدخل، ومتى تترك للأطراف فرصة للوصول إلى تفاهم. هكذا هي السياسة العُمانية التي يَنظرُ إليها البعض على أنها غامضةً، أو أنهم يفسِّرون مواقفها بحسب ما يرون من زواياهم، وذلك شأنهم، لكنها في الواقع واضحةٌ جليَّة، لا تبدِّلُ مواقفها، ولا تغيِّر مبادئها، فقد ارتكزت سياستها على مبادئ راسخة لا تنثني مع العواصف، ولا تنحني أمام الأعاصير. الأمة الحكيمة لا تمتلك إرادةَ الفعلِ واستقلالية القرار وحسب، بل وتفنِّدُ الفعل المناسب، والتوقيت المناسب، والوسيلة المناسبة. لقد أثبتت الأحداث الموَّارة، والحروب بأنَّ لا صوت يعلو فوق صوت الحوار، وأنَّ العنجهية والغطرسة لا توطد رابطةً، ولا توثق آصرة، ولا تحفظُ مصلحة، وإنما تصنعُ ثأرًا لا تخمدُ ناره، وانتقامًا لا يهدأ أواره. وعلى ذلك فإن التاريخ سجلٌّ حافلٌ مفتوح الصفحات لكلِّ من يُصغي إلى صوتِ حكمته المستخلصةِ من المواقفِ والتجارب عبر العصور البشرية المتعاقبة. أمَّا من يُعرضُ عن الإصغاءِ إلى صوت التاريخ فسيظلُّ يرتكبُ الأخطاء نفسه، ويكرِّر الوقوع في المآزق ذاتها. منذ أيام كنتُ حاضرًا مناسبة معيَّنة، وهناك التقيت بسفير إحدى الدول الجارة الضليعة في النزاع المشتعلِ في المنطقة، مع حضور وفدٍ من دولةٍ خليجية، فقال السفير: مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ، وهو يشيرُ إليَّ باعتباري عُماني، ويقصدُ أن عُمان هي المستفيدة مما يحدثُ، ففهمتُ القصد، وقلتُ معقِّبًا على الفور: إذا كانت لعُمان من فائدة خالصة فهي تقريبكم في مكان واحد. ولقد ذكر هذا المبدأ الراسخ مولانا جلالة السلطان في كلمته التاريخية بقلعة ويندسور: "نحن ننشد الحلول، ونؤمن بالدبلوماسية، والحوار والعمل الدؤوب لتقريب الأمم، فهذا هو إرثنا". نعم هذا هو إرثنا لكي نقرِّب الأُمم حتى يسود الأمنُ والسلام وتحصدُ الشعوب ثمار التنمية والازدهار، وهو إرثٌ سنظلُّ نتمسَّكُ به؛ فالإرث هنا ليس مجرد استدعاء للماضي أو اعتزاز بالتاريخ؛ بل هو إحالة إلى تجربة يُراد لها أن تواصل أداء دورها في الحاضر والمستقبل، مع الإيضاحِ على أنَّ التقريب لا يعني إزالة الاختلافات أو صهر الهويات في هوية واحدة، بل يعني إدارة الاختلاف بطريقة تمنع تحوله إلى عداوة دائمة، وهذا ما تفعلهُ سلطنة عُمان، وتفعِّلهُ السياسة العُمانية وربَّانها الرشيد بكفاءة وجدارة.

المصدر: الرؤية