صوتك في الانتخابات.. أمانة ومستقبل
نبيل بن حيدر البلوشي [email protected] أول فرصة لإعطاء صوتي كانت أيام المدرسة، عندما كنا أنا وزملائي في الصف ننتخب من بيننا من يكون عريف الصف. أذكر تلك الورقة الصغيرة المطوية، والأسماء المكتوبة على السبورة، والاستاذ يعد الأصوات واحدا واحدا ونحن نتابع بأنفاس محبوسة. لم يكن الأمر في نظرنا يومها أكثر من لعبة جميلة، لكنه كان في الحقيقة أول درس في المسؤولية، أن تختار من يمثلك، وأن تتحمل نتيجة اختيارك. كنا نعرف بالفطرة أن العريف الجيد ليس بالضرورة الأقرب إلى قلوبنا، ولا أكثرنا مزاحا، بل هو من يحفظ النظام، وينقل ملاحظاتنا إلى الاستاذ بأمانة، ويقف معنا حين نحتاجه. وحين كنا نخطئ الاختيار، كنا ندفع الثمن طوال العام الدراسي، صف فوضوي، وأصوات لا تصل لإدارة المدرسة، ومشاركات ضعيفة في فعاليات المدرسة. اليوم كبرنا، وكبرت معنا الصناديق. لم يعد الصوت يحدد عريف الصف، بل يحدد من يجلس على مقاعد مجلس الشورى، ومن يمثل ولايتنا في المجلس البلدي، ومن يدير غرفة تجارة وصناعة عُمان ويتحدث باسم القطاع الخاص. لكن الدرس القديم ما زال صالحا، صوتك يصنع الفرق. أنت من يرسم البوصلة، يظن كثيرون أن صوتا واحدا لن يغير شيئا، وهذا وهم. فالناخب هو المحور الأهم في العملية الانتخابية، وهو من يحدد الاتجاه الذي سيمضي عليه المجلس طوال دورته. ويوم الاقتراع ليس يوما عابرا ينتهي بإغلاق الصناديق، بل بداية مرحلة تمتد سنوات، تناقش فيها قوانين، وتعتمد مشاريع، وترسم سياسات تمس حياتنا وحياة أبنائنا. والقاعدة هنا واضحة، قوة المجلس من قوة أعضائه؛ فالمجلس الذي يضم الكفاءات يمارس صلاحياته كاملة ويحسن توظيفها في خدمة الناس، أما المجلس الذي يفتقر إليها فيبقى حضوره باهتا وأثره محدودا. وهذه القوة لا تصنع داخل قاعة المجلس، بل تبدأ من ورقة الاقتراع التي تحملها في يدك. مجلس الشورى هي التجربة الرائدة في مسيرة الشورى العمانية وصوتك في التشريع والرقابة، فمن خلاله يشارك المواطن في مراجعة مشروعات القوانين ومتابعة أداء المؤسسات الحكومية. حين تختار عضو الشورى، فأنت تختار من سيناقش نيابة عنك قضايا التعليم والتوظيف والصحة والاقتصاد، والمشاريع الكبرى، ومن سيحمل صوتك إلى قاعة المجلس. عضو واحد متمكن قادر على أن يطرح سؤالا يغير مسار قرار، وعضو غير مؤهل قد يضيع أربع سنوات من الفرص. ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها تمنح كل مواطن، أيا كان موقعه، حق المشاركة في صناعة القرار. فالموظف والطالب وربة البيت والمتقاعد يقفون جميعا أمام الصندوق متساوين، لكل واحد منهم صوت له الوزن نفسه. وهذه المساواة لا قيمة لها إن بقيت حبرا على ورق، بل تكتسب معناها حين يحضر الناس ويختارون. إذا كان مجلس الشورى يعمل على مستوى الوطن، فإن المجلس البلدي هي الأقرب الى حياتك اليومية، فأعضاء المجلس البلدي يعملون على مستوى حارتك وولايتك. الطريق الذي تسلكه كل صباح، والإنارة في شارعك، والحدائق، والخدمات، كلها ملفات تمر عبر المجالس البلدية. ومع التوجه نحو اللامركزية ونظام تنمية المحافظات، يزداد دور هذه المجالس في تحديد أولويات كل ولاية. غرفة التجارة، صوت القطاع الخاص، قد يظن البعض أن انتخابات غرفة تجارة وصناعة عُمان شأن يخص كبار رجال الأعمال وحدهم، لكن الحقيقة أن كل مؤسسة مسجلة، صغيرة كانت أو متوسطة، لها صوت يحسب؛ فالغرفة هي الجسر بين القطاع الخاص والحكومة، ومن يجلس في مجلس إدارتها ينقل التحديات التي تواجه المؤسسات، ويشارك في صياغة البيئة الاقتصادية التي يعمل فيها الجميع. وإن كانت لديك مؤسسة مستوفية لشروط التصويت، فلا تترك مقعدها فارغا. فصاحب المشروع الصغير الذي يشكو من تعقيد الإجراءات، أو من صعوبة التمويل، أو من منافسة غير متكافئة، يملك في هذا اليوم فرصة حقيقية لإيصال صوته عبر من يختاره. وتذكر أن صوتك أمانة، ففي انتخابات عريف الصف، كان بعضنا يصوت لصديقه المقرب، أو لابن حارته. كنا صغارا، وكانت أخطاؤنا صغيرة. أما اليوم فالأمر مختلف، فالصوت أمانة ومسؤولية وطنية، ولا ينبغي أن تحكمه المحاباة أو المحسوبية. الكفء هو من يجمع بين المعرفة والخبرة والرغبة الصادقة في الخدمة، بغض النظر عن قربه منك. قبل أن تضع صوتك، اسأل نفسك، هل يعرف هذا المرشح احتياجات الناس؟ هل له سجل في العمل والإنجاز؟ هل يملك رؤية واضحة أم مجرد شعارات؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تصنع الفرق بين مجلس فاعل ومجلس غائب. لا تترك مقعدك فارغا، حين تمتنع عن التصويت، فأنت لا تبقى على الحياد كما تظن، بل تمنح غيرك حق القرار نيابة عنك. والمشاركة الواسعة هي ما يمنح المجالس قوتها وثقة الناس بها، وهي التعبير العملي عن الشراكة بين الحكومة والمجتمع التي تقوم عليها النهضة المتجددة. ومن لم يشارك في الاختيار يفقد شيئا من حقه في النقد والمساءلة لاحقا، فمن الصعب أن تلوم مجلسا لم تسهم في تشكيله. ما زلت أتذكر فرحتنا حين فاز العريف الذي اخترناه وأثبت أنه يستحق ثقتنا. كان صوتنا صغيرا، لكنه كان حقيقيا. واليوم كبر صوتنا، وكبرت معه مسؤوليتنا. فلنحمل درس الصف إلى صناديق مجلس الشورى، والمجلس البلدي وأعضاء مجلس غرفة تجارة وصناعة عمان، ولنختر بوعي وأمانة، لأن صوتك ليس مجرد ورقة، بل هو مستقبل ولايتك ووطنك. ** خبير اقتصادي
المصدر: الرؤية