شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

بين العزم والوهن

بين العزم والوهن

يارا الحايك ** قد لا يكون أصعب ما يواجه الإنسان أن يكتشف أنه اختار الطريق الخطأ بل أن يواصل السير فيه بعدما أدرك ذلك. فهناك قرارات نتشبث بها لا لأننا ما زلنا نؤمن بها، وإنما لأننا لا نريد أن نبدو مخطئين، أو أن نعترف بأن السنوات التي بذلناها في سبيلها لم تقُدنا إلى الوجهة التي تمنيناها. وهكذا قد يتحول الخوف من خسارة ما مضى إلى سبب يدفعنا لخسارة المزيد. اعتدنا أن نرى العزم في القدرة على الاستمرار، وأن نمنح الذين لا يتراجعون صفة القوة، بينما ننظر إلى تغيير المسار بشيء من الريبة، كأن مراجعة الاختيارات اعتراف بالعجز. لكن الحياة أكثر تعقيدًا من هذه الأحكام؛ فقد يكون الاستمرار شجاعة حين يستند إلى إيمان حقيقي بالغاية وقد يصبح عنادًا حين لا يبقى وراءه سوى الخوف من الاعتراف بالخطأ. وقد يكون التراجع هروبًا من مسؤولية صعبة، لكنه قد يكون أيضًا الخطوة الأولى نحو حياة أكثر اتساقًا مع ذواتنا. لنتأمل شخصًا أمضى سنوات طويلة في بناء مسيرة مهنية، طامحًا إلى النجاح والرضا. بلغ المنصب الذي سعى إليه وحصل على التقدير الذي عمل من أجله، لكنه اكتشف أن أيامه أصبحت مزدحمة إلى الحد الذي لا يترك له وقتًا لما يحب، وأن الإنجاز الذي انتظره صار مصدرًا دائمًا للضغط. ومع ذلك، يواصل السير؛ لأن التراجع في نظره سيجعل ما بذله يبدو بلا جدوى. قد لا يكون عاجزًا عن تغيير حياته بقدر ما يكون أسيرًا للصورة التي رسمها لنفسه وللصورة التي يخشى أن يراه الآخرون عليها إذا غيّر اتجاهه. في مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال: هل أستطيع الاستمرار؟ بل: لماذا أصرّ عليه؟ فثمة فرق بين أن نتحمل مشقة الطريق لأننا نؤمن بما يقود إليه، وأن نتحملها لأننا نخشى مواجهة أنفسنا بحقيقة لم نعد نرغب في رؤيتها. عندها قد لا يكون ما ندافع عنه هدفنا بقدر ما يكون تاريخنا معه، أو المكانة التي اكتسبناها بسببه أو التقدير الذي ننتظره من الآخرين. وهنا تتضح المسافة بين العزم والعناد. فالعزم يمنحنا القدرة على تجاوز العقبات دون أن يفقدنا صلتنا بالغاية، أما العناد فيجعلنا نخلط بين الوفاء للهدف والوفاء للطريق الذي اخترناه إليه. والوسائل ليست مقدسة؛ فقد نحتاج إلى تغييرها، وقد تتبدل أولوياتنا مع اتساع خبرتنا، وقد نكتشف أن ما كان مناسبًا لنا في مرحلة من حياتنا لم يعد كذلك في مرحلة أخرى. وليس في ذلك ما يستوجب الخجل، بل هو وجه من وجوه النضج الذي تتيحه التجربة. غير أن الإنسان لا يتخذ قراراته في فراغ. فنحن نعيش وسط توقعات اجتماعية تجعل النجاح، في أحيان كثيرة، صورة ينبغي المحافظة عليها، لا تجربة ينبغي أن تمنحنا معنى. نخشى أن نخيب ظن الآخرين، أو أن نفقد المكانة التي وصلنا إليها، أو أن تُفسر حاجتنا إلى الراحة على أنها ضعف. لذلك قد نواصل أداء أدوار تستنزفنا، ونؤجل احتياجاتنا، ونخفي تعبنا حتى عن أنفسنا، كأن الاعتراف بحدودنا ينتقص من قيمتنا. لكن ماذا لو لم يكن الوهن نقيضًا للعزم، بل إشارة إلى أن شيئًا في حياتنا يحتاج إلى المراجعة؟ ليس كل تعب دليلًا على خطأ الطريق، كما أن الراحة ليست دائمًا الحل. فبعض الغايات تستحق صبرًا طويلًا، وبعض المسؤوليات لا يمكن التخلي عنها كلما اشتدت مشقتها. غير أن هناك فرقًا بين تعب نعرف لماذا نتحمله، ونرى معنى في مواصلته، وبين استنزاف يتكرر حتى نفقد القدرة على تذكر السبب الذي بدأنا من أجله. ومن هنا تبدأ مسؤولية الاختيار. أن نسأل أنفسنا بصدق، لا بقسوة: هل ما زلت أريد هذه الغاية، أم أنني أخشى الاعتراف بأنني تغيرت؟ هل أواصل لأن الطريق يستحق، أم لأنني لا أريد أن أبدأ من جديد؟ وهل أقيس نجاحي بما يضيفه إلى حياتي، أم بما يثبته للآخرين عني؟ ليست هذه الأسئلة دعوة إلى الشك في كل قرار، بل محاولة لتحرير اختياراتنا من الخوف الذي قد يتخفى في هيئة إصرار. وتزداد الحاجة إلى هذا الصدق في عالم نرى فيه نتائج الآخرين أكثر مما نرى أثمانها. فالمناصب والإنجازات واللحظات المشرقة لا تكشف دائمًا ما يرافقها من تضحيات وصراعات. وحين نقارن حياتنا الكاملة بما يظهر من حياة غيرنا، قد نندفع إلى أهداف لا تشبهنا، أو نعتبر التغيير تأخرًا عن الآخرين، مع أن لكل إنسان ظروفه وإيقاعه ومعاييره الخاصة لما يستحق أن يسعى إليه. ليست الحكمة أن نصل إلى ما وصل إليه الجميع، بل أن نفهم إلى أين نريد أن نصل، ولماذا. وقد لا تتطلب المراجعة دائمًا قرارًا جذريًا؛ فربما نحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، أو تغيير أسلوبنا في العمل، أو منح أنفسنا مساحة نستعيد فيها توازننا. وفي أحيان أخرى، قد نحتاج إلى شجاعة أكبر: أن نغادر طريقًا استثمرنا فيه سنوات، لأن الاستمرار فيه لم يعد وفاءً لحلمنا، بل خوفًا من مواجهة مستقبل مختلف. وليس من العدل أن نحكم على قرار التغيير من خلال ما نتركه وراءنا وحده، دون أن ننظر إلى ما قد يتيحه لنا من إمكانات جديدة. في النهاية، لا يُقاس العزم بأن نمضي مهما حدث، ولا يُقاس الوهن بأن نتعب أو نتردد. العزم الحقيقي أن نحافظ على قدرتنا على الاختيار، وأن نتحمل مشقة ما نؤمن به دون أن نفقد أنفسنا في الطريق إليه. أما الوهن، فقد يصبح بداية للوعي حين يدفعنا إلى الإصغاء لما أهملناه طويلًا، بدلًا من التعامل معه باعتباره عيبًا ينبغي إخفاؤه. بين العزم والوهن لا تقف حدود فاصلة دائمًا؛ فقد يحتاج العزم إلى لحظة تروٍّ كي لا ينقلب إلى عناد، وقد يحتاج الوهن إلى شيء من الرحمة كي لا يتحول إلى استسلام. وربما لا تكون الشجاعة الأعمق في أن نثبت لأنفسنا أننا نستطيع تحمّل كل شيء، بل في أن نعرف ما الذي يستحق أن نتحمله، وما الذي آن أوان التحرر منه. فليست القوة أن نبقى أو نرحل على الدوام، وإنما أن نملك من الوعي ما يجعل قرارنا، أيًّا كان، اختيارًا نابعًا من قناعتنا لا من خوفنا. ** كاتبة سورية

المصدر: الرؤية