الحُبّ في عصر الإمام محمد بن عبد الله الخليلي سنة 1366
سلمى بنت سيف البطاشي قد تحمل كلمة واحدة في صفحات المخطوطات ما يدفعنا إلى استحضار عصر كامل، والبحث في أحواله ورجالاته؛ فبينما كنت أتصفح أحد المخطوطات في مكتبة سيدي الوالد الشيخ القاضي المؤرخ سيف بن حمود البطاشي رحمه الله، استوقفتني عبارة كُتبت على بياضه، لم تتجاوز كلمات قليلة، لكنها أثارت لديّ الرغبة في الوقوف عند المرحلة التأريخية التي تشير إليها. فقد جاءت العبارة على النحو الآتي: "سنة 1366 الحب في عصر الإمام محمد بن عبد الله الخليلي أبقاه الله، وعصر الشيخ الأمير عيسى بن صالح الحارثي أبقاه الله، وعصر السلطان سعيد بن تيمور أبقاه الله، وعصر الأمير علي بن عبدالله ولد حموده". (الحُبّ) كلمة واحدة تصدرت العبارة، ثم أعقبتها أسماء أربع شخصيات ارتبطت بتأريخ عُمان، وهي: الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، والسلطان سعيد بن تيمور، والأمير عيسى بن صالح الحارثي، والأمير علي بن عبدالله آل حموده. ومن هنا بدأت الفكرة: ماذا يمكن أن نقرأ في هذه العبارة الموجزة؟ وما ملامح العصر الذي جمع هذه الشخصيات؟ وكيف لكلمة "الحب" أن تقودنا إلى الحديث عن الوفاق الذي اتسمت به علاقاتهم. لكل عصر رجاله الذين ترتبط أسماؤهم بأحداثه وتحولاته، وتتشكل صورته من خلال أدوراهم ومواقفهم. وعندما نقرأ أسماء الشخصيات الأربع الواردة في العبارة، فإننا نقف أمام شخصيات مختلفة في مواقعها ومسؤولياتها، اجتمعت في مرحلة واحدة من تأريخ البلاد. الإمام محمد بن عبدالله الخليلي: وقع صلحًا مع السلطان تيمور بن فيصل في السيب عام 1339هـ/ 1920م وعرف هذا الصلح باسم اتفاقية السيب. اتصفت إمامته ببساطة النظام، وكان لا يتخذ القرارات إلا بعد المشورة. السلطان سعيد بن تيمور آل سعيد: إن الظروف السياسية والاقتصادية السيئة التي عانتها عُمان في تلك الفترة التي تلت ثورة الإمامة في عام 1913م، وحتى قبيل توقيع اتفاقية السيب، دفعت السلطان تيمور بن فيصل إلى الابتعاد عن شؤون الحكم تدريجيًا، وقضاء أغلب أوقاته بعيدًا في الهند. وأعقب ذلك، إعلان السلطان تيمور التنحي عن الحكم نهائيًا، حيث بلغ ابنه الأكبر سعيد الواحد والعشرين من عمره. وبعد مرور ثلاثة أشهر على تنحّيه، أُعلن بشكل رسمي تولى السلطان سعيد مقاليد الحكم في مسقط وعُمان في 2 شوال 1350هـ/ 10 فبراير 1932م. عمل السلطان سعيد على توحيد عُمان واستعادة المناطق العُمانية التي أصبحت خاضعة لقوات الإمامة فأقام علاقات صداقة مع زعماء القبائل العُمانية الذين وجه لهم دعوات لزيارته في مسقط، ولبى كثير منهم وكذلك عامل السلطان سعيد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي معاملة يسودها الاحترام والتقدير. الأمير عيسى بن صالح الحارثي: كان له دور بارز في عهد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ومن أبرز أدواره توقيعه اتفاقية السيب نيابة عن الإمام وقد سعت الاتفاقية لتحقيق الاستقرار والتفاهم بين شطري عُمان؛ الداخل الذي في حكم الإمامة، والساحل الذي يحكمه السلطان. الأمير علي بن عبدالله آل حموده: عُرف عن الأمير علي بن عبدالله الانحياز التام للسلطان سعيد بن تيمور إلا أنه حين اعتلى العرش واجهته مشكلة عصيبة كادت أن تنتهي بتدمير العيجة وبلاد بني بو علي ألا وهي قضية المحاولة الانفصالية لبني بوعلي الذين رفضوا قيام حكومة مسقط وعُمان ببناء مركز جمركي في خور البطح بصور لكن الحادثة انتهت بسلام بعد إلقاء الطائرات الحربية منشورات تضمنت التهديد الصريح بقصف قلعتي آل حموده في العيجة وبلاد بني بو علي بالطائرات والسفن الحربية البريطانية. اتسمت العلاقة بعد هذه القضية الصعبة بالمودة والوفاء وذلك بعد أن دعى السلطان سعيد الشيخ علي لزيارته في مسقط فسافر برفقة 40 رجلًا من جماعته بقي فيها لمدة اسبوعين وكذلك قام الشيخ علي بزيارته في 1938م أهداه السلطان هدايا ثمينة. وعند ظهور النفط في الخليج العربي في بدايات القرن العشرين بدت الحاجة ملحة للتنقيب عن النفط والمعادن، لكن المشكلة أن الأراضي المراد التنقيب فيها واقعةٌ تحت نفوذ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي؛ لذا خطط السلطان سعيد لكسب ولاءات شيوخ القبائل. وفي عام 1939م قام السلطان بالاتفاق مع شركة أمريكية للتنقيب عن المعادن في ناحية مرباط. وفوّض السلطانُ السيدَ سعود بن علي والشيخ علي بن عبدالله آل حموده لإقناع الشيخ سليمان بن حمير النبهاني بالوقوف بجانب السلطان وعدم التعرض للشركة من جانب القبائل، وذلك لأن ابن حموده، والشيخ النبهاني لهما تأثير قبائل الجنبة والدروع القاطنة في منطقة امتياز التنقيب. في 1940م قامت حرب الرواف بين بني بو علي وبني بو حسن استمرت أربع سنوات بسبب مقتل القاضي عبدالله بن أحمد الرواف غيلةً على يد شخصين من بني بوحسن انتهت بصلح الإمام في 1363هـ/ 1944م فحقن الدماء وهدأت الأنفس. وفي إبريل وصل السلطان صور إجابة لدعوة الشيخ علي فحضر الشيخ سليمان النهاني هذه الزيارة. وفي أكتوبر 1946م، وجه السلطان سعيد بن تيمور دعوة للشيخين عيسى بن صالح الحارثي والشيخ علي بن عبدالله آل حموده لزيارته في مسقط لحل مشكلة وادي بني خالد ولقيت هذه الدعوة القبول والاستحسان وانتهت باستتباب واستقرار الأمور في المنطقة. ومن الماضي نستحضر هذا الجانب من تأريخ عُمان ليس مجرد عودة إلى زمن مضى، وإنما هو تذكير بقيمة التفاهم والتآلف في حياة المجتمعات؛ فالأوطان لا يحفظ استقرارها ما تحققه من إنجازات فحسب، بل تحافظ عليه أيضًا بما يسود بين أبنائها من احترام متبادل، وتعاون، وحرص على المصلحة العامة. نسأل الله تعالى أن يحفظ عُمان وأهلها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان، ويحفظ المودة بين الجميع، ويزيدهم وحدةً وتماسكًا، ويديم على هذا الوطن نعمة الاستقرار والرخاء، إنه سميع مجيب.
المصدر: الرؤية