"الشيب" يعود إلى واجهة التوتر العراقي- الإيراني..هل تستعد "فصائل الظل" لجولة جديدة؟
بغداد/ تميم الحسن
اختارت "فصائل الظل" محافظة ميسان مجدداً، في تحركات استباقية ضمن ما يعرف بـ"وحدة الساحات"، التي أنشأتها إيران قبل عامين، رغم أن معلومات استخبارية كانت ترجح استخدام مواقع بديلة.
وفي موازاة هذه المخاوف تم إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران، منذ فجر أمس، للمرة الثانية خلال شهر. لكن الخطوة أثارت غضب طهران، خصوصاً مع تزايد احتمالات اتساع نطاق الإغلاق ليشمل منافذ حدودية أخرى.
وفي ميسان، تقول مصادر محلية لـ(المدى) إن الرواية الرسمية المتداولة في المحافظة تتحدث عن إغلاق لساعات قليلة بسبب "عطل في السونار" المستخدم في التفتيش.
لكن خلف هذه الرواية تتداول مصادر أخرى معلومات عن احتمال تنفيذ هجمات جديدة على دول الخليج، في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية.
وتقول مصادر لـ(المدى) إن إجراءات المراقبة كثفت في الأسبوعين الأخيرين مجدداً حول مواقع يشتبه بإمكان استخدامها في تنفيذ هجمات، خصوصاً مع تصاعد التوتر بين السعودية واليمن.
وكانت التقديرات الأمنية تستبعد أن تعود الجماعات المنفذة إلى الموقع نفسه مرتين، بسبب التشديد الأمني الذي أعقب الهجوم السابق.
وبدأت الهجمات على السعودية في تموز من مناطق في صحراء النجف، قبل أن تنتقل في أيلول إلى محيط منفذ الشيب في ميسان، قرب الحدود الإيرانية.
واعترفت بغداد بالهجوم الثاني فقط، فيما كشفت مصادر لـ(المدى) عن 8 اجتماعات عراقية- سعودية، غالبيتها في الرياض وبمشاركة أميركية، تضمنت اتهامات بانطلاق الهجمات من الأراضي العراقية منذ أيار الماضي.
ورغم التحقيقات وإعفاء قادة أمنيين في ميسان، لم تكشف بغداد هوية المنفذين.
وتراوحت الفرضيات بين تسلل إيرانيين، أو تورط الحوثيين، فيما استبعدت الفصائل من دائرة الاتهام المتداولة بسبب فاوضات "نزع السلاح"، رغم تهديداتها لدول الجوار والمصالح الأميركية.
وتشير تقديرات إلى احتمال تنفيذ الهجمات بواسطة مجموعات صغيرة تضم 5 إلى 10 أشخاص، تعمل بأسلوب "فصائل الظل"، مع اعتبار ميسان ساحة التجربة الأولى لهذا النمط.
طهران تعترض
في طهران، ظهر الاستياء من إغلاق منفذ الشيب واضحاً. وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية الإيرانية، زيني وند، خلال مؤتمر صحافي، إن العراق أغلق المنفذ الحدودي من دون إشعار مسبق للجانب الإيراني.
أما بغداد، فلم يصدر عنها، موقف رسمي يوضح أسباب الإغلاق أو مدته أو ما إذا كان مرتبطاً بتدابير أمنية تتجاوز مسألة العطل الفني المعلن.
وفي وقت لاحق قالت هيئة المنافذ الحدودية انه جرى إدخال شحنات من الخضراوات المتكدسة في الجانب الإيراني، بتوجيه من الزيدي.
وليس هذا الإغلاق الأول، ففي أيلول، أُغلقت 3 منافذ حدودية مع إيران لساعات قبل إعادة فتحها بضغط من قوى شيعية، وسط اتهامات لبغداد بالمشاركة في حصار طهران.
وبحسب أوساط مقربة من رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، سعى الأخير لاحقاً إلى فتح مطار النجف أمام الطائرات الإيرانية، رغم قرار أميركي بمنع الطيران الإيراني في المنطقة.
ويتزامن إغلاق الشيب مع معلومات عن مطالب أميركية بإجراءات حدودية إضافية، بالتوازي مع إعلان باكستان إغلاق منافذها مع إيران.
"إجراءات استباقية "
يربط إحسان الشمري، أستاذ السياسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، بين إغلاق المنفذ واحتمالات التصعيد العسكري في المنطقة. ويقول الشمري لـ(المدى) إن "الموضوع لا يرتبط بالإجراءات الفنية في إعلق المنفذ من وجهة نظري، بقدر ما أن الموضوع قد يحمل دلالات سياسية أمنية، خصوصاً في ضوء تصاعد احتمالية عودة الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فضلاً عن تزايد الإغلاق مع تهديد إيران بتفعيل وحدة الساحات، والعراق جزء من هذه الجغرافيات التي سوف تُفعل".
ويضيف أن إيران، سواء من خلال عناصرها أو حلفائها، قد تسعى إلى استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار العربي، في حال عودة الحرب، مشيراً إلى أن طهران سبق أن هددت هذه الدول في حال تجدد المواجهة.
وبحسب الشمري، إن "الجانب العراقي يعتمد إجراءات استباقية حتى يجنب نفسه الحرب، ومنع هذه الأطراف من أن تتحرك بالشكل الذي يجعل العراق جزءاً من الحرب".
ويضيف أن بغداد تحاول إيصال رسالة تتجاوز حدودها مع إيران إلى الدول العربية، مفادها أن العراق ماضٍ في سد الثغرات الأمنية، وأن هذه الإجراءات تمثل أيضاً رسائل طمأنة إلى الولايات المتحدة. ويخلص الشمري إلى أن العراق يتوقع خطوات إضافية من الجماعات الحليفة لإيران إذا عادت الحرب، الأمر الذي يجعل التحركات الحدودية جزءاً من استعداد أمني أوسع لاحتمالات التصعيد.
"الحكومة تريد إبعاد شبهة التبعية"
في المقابل، يرى مثال الألوسي، السياسي المستقل ومؤسس حزب الأمة، أن الحكومة العراقية الجديدة، التي جاءت من الإطار التنسيقي، تواجه ضغطاً لإثبات أنها ليست امتداداً للسياسة الإيرانية، وأنها قادرة على اتخاذ قرارات تتعارض مع مصالح طهران إذا اقتضت الظروف ذلك.
ويقول لـ(المدى) :"هذه حكومة عليها أن تبعد عنها شبهة التخابر مع إيران، وتنفيذ الرغبات الإيرانية، والدفاع عن إيران، وعن دعم إيران، وإلا هذه حكومة هشة يمكن إسقاطها في يوم وليلة، وممكن إيقاف الدولارات في يوم وليلة".
ويضيف الألوسي أن الإدارة الأميركية تمتلك أدوات ضغط سريعة على بغداد، وأن الحكومة تسعى إلى إظهار استعدادها للتجاوب مع المطالب الدولية والإقليمية الرامية إلى تقليص نفوذ إيران. ويقول إن "الحكومة العراقية تسعى لكي تعطي ألف دليل ودليل على أنها الآن تبتعد عن إيران وجاهزة لتنفيذ كل المخططات الدولية والأميركية والعربية باتجاه تحجيم إيران وباتجاه عزل إيران، فإغلاق المنافذ هي محاولة لامتصاص الغضب الغربي الأميركي الشرق أوسطي". ويرى الألوسي أن ترامب يقترب من حسم خياراته بشأن إيران، بين استسلام النظام وتغيير طبقته السياسية، أو شن ضربات عسكرية واسعة لدفعه إلى الاستسلام وإنهائه. ويعتقد أن اتساع المواجهة قد يشرك "درع الجزيرة" ومصر إلى جانب السعودية، فيما قد يستهدف النظام السوري "حزب الله"، وتواجه تركيا ضغوطاً للمشاركة ضد طهران وحلفائها.
ويتحدث الألوسي عن "تحرك استراتيجي عميق جداً" تقوده واشنطن ولندن لتشكيل تحالف يحسم المواجهة مع إيران، ويربط ذلك بأمن الشرق الأوسط واستقرار أسواق النفط، بما قد يشمل قرارات دولية بشأن الإنتاج والتصدير. ويضع الألوسي ضبط الأوضاع في إيران والعراق والحوثيين وحزب الله ضمن هذه الرؤية، معتبراً أن تحقيقها يتطلب السيطرة على طهران.
"محاصرة التحريض خطوة تأخرت"
يتزامن إغلاق "الشيب" مع مخاوف من تمدد الحرب إلى العراق، ما دفع الإطار التنسيقي إلى منح الزيدي مساحة للتحرك لحصر السلاح بيد الدولة، بدءاً بمواجهة الخطاب الإعلامي الرافض لهذه الخطوة.
ويصف الشمري الإجراءات الحكومية الرامية إلى محاصرة الخطابات المحرضة على رفض تسليم السلاح بأنها خطوة متقدمة تأخرت كثيراً، معتبراً أن بعض الحكومات السابقة وفرت رعاية لأصوات كانت تهدد السلم والأمن المجتمعي، وتدفع باتجاه دعم السلاح خارج إطار الدولة وما يعرف بـ"الدولة الموازية".
ويحدد الشمري أكثر من سبب للتحرك الحكومي. أولها أن الخطاب الرافض لحصر السلاح، وفق رأيه، لم يعد يتناسب مع طبيعة المجتمع العراقي، لأنه يدفع باتجاه الطائفية والولاء للخارج والتحريض والتهديد، الأمر الذي يجعل مواجهته، بحسب تعبيره، ضرورة لردع هذه الأصوات.
أما السبب الثاني، فيرتبط مباشرة بمحاولات الحكومة حصر السلاح بيد الدولة. فالحكومة، كما يقول، تجد نفسها بحاجة إلى ردع الجهات الإعلامية والشخصيات التي ترفض هذه السياسة، وتعمل على تغييب دور الدولة لمصلحة السلاح.
ويضيف الشمري: "لذلك يبدو نحن أمام خطوة موازية، رغم قناعتي بأن حصر السلاح بيد الدولة يتعثر، لكن الحكومة بحاجة إلى خفض هذه الأصوات لكي تقنع الرأي العام العراقي بأن لا مكان للسلاح في هذا التوقيت".
ويرى أن التحرك قد يكون أيضاً إجراءً استباقياً لتدارك تداعيات عودة الحرب، خصوصاً أن التحريض الإعلامي، بحسب قوله، لم يقتصر على ملف السلاح، بل تجاوز إلى دول عربية تربط العراق بها علاقات جيدة.
ويشدد على أن محاسبة المحرضين لا ينبغي أن تتوقف عند إصدار البيانات، بل يجب أن تنتقل إلى إجراءات قانونية فعلية، قائلاً إن "التوجه نحو محاسبة هذه الأصوات التي تدعم الأجندات الخارجية يجب أن يجد تطبيقه على أرض الواقع".
ويضيف أن التحريض الإعلامي، وفق تقديره، يتلقى تمويلاً خارجياً، فضلاً عن تمويل من شخصيات نافذة، بينها شخصيات على مستوى حكومات سابقة، وهو ما يستدعي، في رأيه، إخضاع هذه الجهات للمساءلة القانونية.
The post "الشيب" يعود إلى واجهة التوتر العراقي- الإيراني..هل تستعد "فصائل الظل" لجولة جديدة؟ appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى