شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

براك يطرح مجدداً التطبيع بين إسرائيل وسوريا... من يوقف توغلات نتنياهو؟

براك يطرح مجدداً التطبيع بين إسرائيل وسوريا... من يوقف توغلات نتنياهو؟

في وقت تواصل إسرائيل توغلاتها العسكرية في الجنوب السوري، يدعو المبعوث الأميركي توم براك إلى اتفاق عدم اعتداء يمهّد لتطبيع العلاقات السورية - الإسرائيلية، مطالباً إسرائيل بوقف عملياتها داخل سوريا. لكن تصريحاته خلال منتدى الأمن العالمي في الدوحة، الثلاثاء، كشفت حدود التحرك الأميركي، إذ ترك مسألة التدخل لوقف العمليات معلّقة بقوله: "لا أعرف إن كان الوقت قد حان لتدخل الولايات المتحدة لوقفها".

تأتي هذه الدعوة بينما تكثّف إسرائيل توغلاتها في الجنوب، وتتبادل الاتهامات مع تركيا بشأن النفوذ العسكري، ويستعد بنيامين نتنياهو لانتخابات تشريعية بعد أيام. وفي هذه الظروف، يبدو احتواء التصعيد أقرب إلى أهداف براك من إنجاز اتفاق لا تزال شروطه موضع خلاف.

اتفاق تحت وطأة التوغلات

نسب براك إلى الرئيس السوري أحمد الشرع استعداداً لاتفاق عدم اعتداء ورغبة في التطبيع مع إسرائيل. غير أن الشرع ربط التفاهم الأمني بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، والعودة إلى خطوط اتفاق فصل القوات لعام 1974. وهنا تكمن العقبة الأساسية، في مدى استعداد تل أبيب للتراجع عن حرية التحرك العسكري التي كرّستها منذ سقوط الأسد.

فعلى الأرض، تواصل إسرائيل توسيع نشاطها العسكري. ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان أكثر من 13 توغلاً وتحركاً برياً وجوياً خلال أقل من 48 ساعة حتى الثلاثاء، شملت القنيطرة ودرعا ومحيط جبل الشيخ، وترافقت مع إقامة حواجز ومداهمة منازل وتوقيف أشخاص، إلى جانب تحليق الطائرات الحربية والاستطلاعية.

وتكشف هذه العمليات عن توجه إسرائيلي لتكريس نفوذ أمني داخل القرى التي تصل إليها القوات، يترافق مع التمركز في المواقع العسكرية والغارات الجوية، ويجعل سكان الجنوب عرضة لتدخلات متكررة.

ويؤكد الخطاب الإسرائيلي اتساع الفجوة مع دمشق. فقد أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس في أيلول/سبتمبر بقاء قواته في جبل الشيخ والمنطقة الأمنية ما دام ما تصفه إسرائيل بالتهديد قائماً. ثم اختار نتنياهو، قبل الانتخابات، الكشف عن اتصاله بالشرع خلال أحداث السويداء العام الماضي، بوصفه إنذاراً أوقف العنف. واستخدم المكالمة لإظهار الرئيس السوري في موقع من استجاب للتهديد العسكري، في رسالة انتخابية تعزّز صورته بوصفه صاحب القرار الأمني.

منشأة عسكرية إسرائيلية كما تبدو من قرية جباتا الخشب في محافظة القنيطرة جنوب غربي سوريا، قرب الجولان المحتل، في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)

تركيا وراء القلق من التصعيد

ويتقاطع كلام براك مع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي قال الاثنين إن أخباراً إيجابية تأتي من سوريا، لكن إسرائيل تعمل على إثارة الفوضى فيها. وتُبرز التصريحات المخاوف من أن تؤدي العمليات الإسرائيلية إلى مواجهة تتجاوز الحدود السورية.

وقدّم براك مثالاً مباشراً على هذه المخاطر، مستعيداً الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في آب/أغسطس. وأوضح أن غياب الإخطار المسبق كان يمكن أن يدفع الطائرات التركية إلى التدخل، ويفتح الباب أمام صدام عسكري غير مقصود.

وكان نتنياهو نفسه قد أقر بخلافه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تركيا، مؤكداً أنه يفضّل تجنب مواجهة مباشرة معها، رغم معارضته توسيع انتشارها العسكري في سوريا. وهنا تبرز وظيفة أخرى لتحرك براك، تتمثل في ضبط التنافس بين حليفين لواشنطن قبل تحوّله إلى اشتباك على الأراضي السورية.

تهدئة من دون ضغط أميركي معلن

دعوة براك إلى وقف العمليات الإسرائيلية لم تترافق مع إجراءات أميركية معلنة للضغط على نتنياهو. فقد أعلن ترامب دعمه لرئيس الوزراء الإسرائيلي في انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بينما امتنع نائبه جي دي فانس عن تأييده، مؤكداً أنه لا يريد التدخل في الانتخابات الإسرائيلية.

وتزامن ذلك مع زيارة غير معلنة لوزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى إسرائيل، حيث التقى نتنياهو وبحث معه التعاون العسكري والتطورات المتعلقة بإيران. وتعكس هذه المواقف مفارقة في السياسة الأميركية، إذ تتزامن دعوة المبعوث إلى التهدئة مع استمرار الدعم السياسي والعسكري الأميركي لإسرائيل، وسط غياب حملة ضغط معلنة لوقف توغلاتها.

ونقل موقع "أكسيوس" في آب/أغسطس عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن طلبت من دمشق ضبط النفس، معتبرة أن معالجة التوتر ستكون أسهل بعد الانتخابات الإسرائيلية. وتمنح هذه الإشارة التوقيت الانتخابي معنى إضافياً، إذ قد يسبق احتواء الأزمة حتى الاقتراع أي محاولة أميركية لمعالجة أسبابها.

احتواء الأزمة أم تسوية النزاع؟

وتساعد بقية تصريحات براك في فهم طبيعة دوره، فقد دعا دول المنطقة إلى بناء تحالفات تعالج مشكلاتها الأمنية بدلاً من الاتكال على الولايات المتحدة، متحدثاً عن إعادة تعريف الدور الأميركي من دون الانسحاب من المنطقة.

وتبدو الأولوية الأميركية حالياً منع تصعيد يجر إسرائيل وتركيا إلى مواجهة مباشرة، مع إبقاء باب التفاوض السوري الإسرائيلي مفتوحاً. وهي مقاربة تتيح لواشنطن إدارة المخاطر من دون الالتزام بفرض تسوية.

غير أن التهدئة بين أنقرة وتل أبيب تختلف عن إنهاء العمليات الإسرائيلية داخل سوريا. فدمشق تطلب الانسحاب ووقف الاعتداءات، بينما تتمسك إسرائيل بوجودها العسكري وحرية تحركها. وإذا اقتصر التحرك الأميركي على منع احتكاك حليفَي واشنطن، فقد تنحسر مخاطر مواجهة إقليمية، فيما تبقى أسباب التوتر السوري الإسرائيلي قائمة، بانتظار ما ستفرزه الانتخابات الإسرائيلية وما إذا كانت واشنطن مستعدة لتحويل دعواتها إلى خطوات عملية.

المصدر: النهار