شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

البعثة الاوروبية الموعودة.. حُجِّم دورها قبل أن تولد !!

البعثة الاوروبية الموعودة.. حُجِّم دورها قبل أن تولد !!

مع اقتراب مهمة القوات الدولية العاملة في الجنوب «اليونيفيل» من نهايتها، يستعد الاتحاد الأوروبي غدا الاثنين إلى إقرار بعثة سياسية وأمنية يرسلها إلى لبنان. فقد مدّد قرار مجلس الأمن 2790 ولاية القوة الأممية للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول المقبل ، على أن يبدأ بعد ذلك انسحاب منظّم خلال العام 2027. ويُنتظر أن يقرّ وزراء خارجية الاتحاد إنشاء البعثة رسمياً في اجتماعهم يوم الإثنين 12 تشرين الأول. Advertisement يأتي ذلك في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وفي ظل قلق أوروبي من أن يترك غياب حضور دولي منظّم في الجنوب فراغاً تملؤه الحسابات الأميركية والإسرائيلية وحدها. وهذا ما اكدته الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الامنية Kaja Kallas في زيارتها إلى بيروت قبل ايام حيث التقت الرؤساء الثلاثة وعدد من المسؤولين واكدت "ان افضل طريقة للحد من التهديد الذي يشكله " حزب الله " يتمثل بتعزيز الدولة اللبنانية وتمكين مؤسساتها واستعادة احتكارها لاستخدام القوة" . اكثر من ذلك ، دعت كالاس خلال محادثاتها إلى نزع سلاح " الحزب" وحملته مسؤولية جر لبنان إلى حرب لا علاقة له بها . لكنها في المقابل وصفت الأعمال العسكرية الاسرائيلية بانها "استخدام مفرط للقوة يتجاوز ما يبرره للدفاع عن النفس ، وطالبت بوقف الاعتداءات على المدنيين والبنى التحتية المدنية ". غير أن قراءة هادئة لمسار البعثة منذ الإعلان عن فكرتها تُظهر أنها وُلدت مثقلة بالقيود. فما أريد له أن يكون أداة نفوذ أوروبية تحوّل تدريجياً إلى بعثة محدودة الحجم والصلاحيات، أقرب إلى الدعم اللوجستي والتدريب منها إلى الانتشار العسكري. ليست بديلاً عن "اليونيفيل" أول ما ينبغي توضيحه أن البعثة لا تحلّ محل "اليونيفيل" ، لا في الولاية ولا في الطبيعة ولا في الحجم. ذلك ان "اليونيفيل" قوة أممية تستند إلى قرارات مجلس الأمن، وتنتشر ميدانياً منذ عقود في منطقة عملياتها جنوب الليطاني، وتتولى المراقبة والتنسيق مع الجيش اللبناني. أما البعثة الأوروبية فتُنشأ ضمن السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد، وهي بعثة استشارية وتدريبية. وقد شدّدت كالاس، خلال زيارتها بيروت على أن البعثة ستقدّم دعماً تدريبياً واستشارياً ولن تنشر قوات لإنشاء قوة عسكرية جديدة في لبنان. والمعطيات المتوافرة تؤكد هذا التمييز. فبحسب الإعلان الأوروبي، لن تنتشر البعثة في الجنوب ومن المرجّح أن تبلغ مدتها الأولية ثلاث سنوات وتركّز على تدريب القوات اللبنانية المسلحة والأمنية وتقديم المشورة لها. وقد ناقش وزراء الدفاع الأوروبيون في أيلول مهمة لتدريب الجيش في الأمن الحدودي والبحري. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن التقييمات الأوروبية رصدت ضعف التنسيق بين الجيش والأمن العام والجمارك في إدارة الحدود، وهذا ما تسعى البعثة إلى معالجته. وهذا التمييز ليس شكلياً. فمن يتوقع أن تملأ البعثة الفراغ الذي سيتركه رحيل "اليونيفيل" يبني توقعاته على وهم. لقد كانت "اليونيفيل"، على ما يُسجَّل لها وما يؤخذ عليها، مظلة دولية يصعب تجاهلها وغطاءً سياسياً لوجود لبنان على حدوده الجنوبية. أما بعثة صغيرة بلا تفويض أممي ولا قدرة على الردع فلن تؤدي هذا الدور مهما حسنت النوايا. أقصى ما تستطيعه أن تكون رافداً للدولة ومؤسساتها، وأن تبقي أوروبا حاضرة في المشهد. وهذا ما يفسّر أن النقاش يدور اليوم حول «تقسيم أدوار» بين الدولة اللبنانية والأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا حول بعثة تخلف أخرى. واشنطن غير متحمسة العامل الأول في تحجيم البعثة هو الموقف الأميركي. فواشنطن تتعامل مع الملف اللبناني بوصفه جزءاً من ترتيبات أمنية وسياسية أوسع في المنطقة، ولا ترى حاجة ملحّة إلى شريك أوروبي في الجنوب. وهي تفضّل أن تبقى إدارة هذا الملف في يدها أو في يد آليات تشرف عليها مباشرة. لذلك لم تُبدِ حماسة تُذكر لمشروع قد يمنح الأوروبيين موطئ قدم مستقلاً وقدرة على التأثير في مجريات الجنوب. وانعكس هذا الفتور على المشروع كله. فحين لا تدعم القوة الكبرى مبادرة من هذا النوع، تتردد الدول الأعضاء في تحمّل كلفتها السياسية والمالية والأمنية، وتميل إلى خفض الطموح. والمعروف أن الاتحاد لا يملك جيشاً دائماً، فكل بعثة تُبنى بمساهمات وطنية طوعية يُجمع عليها في مجلس الاتحاد، وتبقى القوات المشاركة فيها تحت قيادتها الوطنية. وهذا يعني أن حماسة العواصم، وفي مقدمها الحليف الأميركي، هي التي تحدد الحجم الفعلي. وهكذا انتقلت البعثة من تصور أولي يفترض حضوراً مؤثراً إلى صيغة متواضعة تحاذر الاصطدام بأي طرف. وهنا يبرز الدور الأوروبي الأصلي، وهو المال والتدريب والتجهيز. فقد خصّص وزراء الاتحاد في حزيران مئة مليون يورو من «مرفق السلام الأوروبي» لتجهيز الجيش اللبناني وتدريبه. وهذا النوع من الدعم لا يستفز واشنطن ولا تل أبيب، ولذلك يبدو الأكثر قابلية للتنفيذ ، لاسيما وانه يستبعد اي مشاركة فرنسية احادية بل ضمن مجموعة امنية لا دور لها "على الارض" كما اشترطت الإرادة الاميركية التي اُمليت على لبنان وعلى الذين يحضّرون لانشاء البعثة العتيدة ، فكان لواشنطن ما ارادت ! لبنان المتردد: موافقة «مبدئية» بسبب تحفظ "الثنائي الشيعي" وسط هذه التجاذبات ، لم يكن الموقف اللبناني الرسمي أكثر وضوحاً. فقد تردد لبنان في قبول الفكرة، وجاء قرار مجلس الوزراء بالموافقة «المبدئية» دليلاً على هذا التردد لا على الترحيب. وكانت وزارة الخارجية قد طرحت على الحكومة مقترح بعثة أوروبية مدتها ثلاث سنوات لدعم تنفيذ القرار 1701 وتعزيز مؤسسات الدولة والجيش وقوى الأمن الداخلي، في أعقاب مذكرة من بعثة الاتحاد في بيروت أبدت فيها استعداد أوروبا لإنشاء البعثة. وتعود هذه الصيغة المتحفظة في جانب أساسي منها إلى تحفظ "الثنائي الشيعي"، الذي ينظر بحذر إلى أي حضور أمني أجنبي جديد في الجنوب، ويخشى أن يتحول إلى أداة ضغط عليه أو إلى قناة لترتيبات لا يشارك في صياغتها. وتعكس الموافقة «المبدئية» معادلة الحكم الدقيقة في لبنان، حيث يصعب اتخاذ قرارات ذات بعد سيادي وأمني من دون مراعاة توازنات المكونات. فالحكومة أرادت ألا تغلق الباب أمام شريك أوروبي تقليدي تحتاج إلى دعمه السياسي والاقتصادي، وأرادت في الوقت نفسه ألا تفتح مواجهة داخلية حول بعثة لم تتضح صلاحياتها بعد. ويلاحظ أن الخطاب الرسمي اللبناني يركّز على ما يريحه من البعثة. فقد دعا وزير الخارجية يوسف رجّي الاتحاد الأوروبي، خلال لقائه كالاس، إلى تفادي أي فراغ أمني بعد رحيل "اليونيفيل " ودعم المؤسسات الشرعية، وإلى دعم الجهود الرامية إلى إنهاء الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية المحتلة. والنتيجة موافقة مشروطة بالتفاصيل اللاحقة، فسّرها بعض الأوروبيين تردداً وفسّرها آخرون حذراً مفهوماً. لكن مصادر ديبلوماسية اكدت أن لبنان سمع كلاماً واضحاً من الاميركيين خلاصته عدم المبالغة بالترحيب بالمبادرة الأوروبية او "توسيع البيكار" لان القرار في النهاية هو للإدارة الأميركية من خلال " رجالها" في لبنان… انزعاج فرنسي وتراجع إيطالي في غضون ذلك ، أثار القرار اللبناني انزعاجاً فرنسياً واضحاً. فباريس، التي ترى في لبنان ساحة نفوذ تاريخية وتعدّ نفسها الراعي الأوروبي الأول لملفه، كانت تتوقع من بيروت ترحيباً أوضح بمبادرة أوروبية تتصل بأمنه واستقراره. ورأت في صيغة الموافقة المبدئية رسالة سلبية تضعف حجتها أمام شركائها الأوروبيين، وتمنح المتشككين ذريعة إضافية للتراجع. ولا يخفى أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا من أكبر الدول المساهمة بقوات في "اليونيفيل" ، ما يمنح موقفها وزناً خاصاً في أي ترتيب لاحق. وفي موازاة ذلك، تراجعت الحماسة الإيطالية. فروما تتحجج بأن قرار إرسال جنود إيطاليين إلى الخارج يحتاج إلى موافقة غير مضمونة من مجلس النواب الإيطالي. وهذه حجة دستورية وسياسية حقيقية، لكنها تُستعمل أيضاً لتبرير الحذر من الانخراط في مهمة لا تحظى بغطاء أميركي ولا بإجماع لبناني ولا بقبول إسرائيلي. ويزيد المشهد تعقيداً أن الرئيس الفرنسي ماكرون ورئيسة الحكومة الإيطالية ميلوني أعلنا في 25 حزيران الماضي مبادرة «تحالف دولي لدعم لبنان» بعد إغلاق صفحة "اليونيفيل"، ولم تتضح ملامحها بعد. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن البعثة الأوروبية مستقلة عن المبادرتين الفرنسية والإيطالية، وهي مسار ثالث من مسارات الدعم الأوروبي للبنان. وهذا التعدد في المسارات يعكس تشتتاً في الرؤية الأوروبية: فهناك الاتحاد بمؤسساته، وهناك باريس وروما كل منهما بمبادرتها. وحين يتراجع أحد أبرز المساهمين المحتملين، يصبح التعويض عنه صعباً. ممانعة إسرائيلية شديدة يبقى العامل الأشد تأثيراً، وهو الممانعة الإسرائيلية لأي دور أوروبي أمني في لبنان. فإسرائيل تنظر بريبة إلى كل حضور دولي لا تتحكم في قواعده، وتفضّل ترتيبات يكون لها فيها هامش واسع من حرية الحركة والتأثير. وتخشى أن يقيّد أي وجود أوروبي منظّم قدرتها على التصرف في الجنوب، أو أن يمنح الدولة اللبنانية سنداً دولياً إضافياً. وقد عبّرت عن هذا الموقف بحدة، وربطت بين اعتراضها ومفهومها لأمنها، فصارت أي بعثة أوروبية تُقرأ في تل أبيب على أنها عبء لا شريك. وتتقاطع هذه الممانعة مع الفتور الأميركي، فيعزز كل منهما الآخر. وتجد العواصم الأوروبية نفسها أمام معادلة معقدة: التمسك بحضور فعلي يعني الدخول في خلاف مع حليف وشريك استراتيجي في آن، والتنازل عن الدور الأمني يعني قبول وظيفة أقل بكثير مما رُسم في البداية. ولعل هذا ما يفسّر حرص الأوروبيين على التأكيد أن البعثة لن تنشر قوات ولن تنشئ قوة جديدة في الجنوب، وهي عبارات تُقرأ في جانب منها رسالة طمأنة موجهة إلى إسرائيل التي لم تنس الموقف الأوروبي المعترض والمدين لممارساتها في غزة ثم في الجنوب اللبناني ، فضلا عن مواقف الدول الأوروبية بالمفرّق … بعثة لوجستية بطموح سياسي نتيجة هذه العوامل مجتمعة، جرى تحجيم دور البعثة الأوروبية قبل أن تبدأ عملها لا بل قبل تشكيلها وحتى الإعلان الرسمي عن انشائها ، فهي تتجه لتكون بعثة لوجستية وتدريبية أكثر منها عسكرية وأمنية، تركّز على الدعم الفني والتدريب والاستشارة في الحدود والبحر والمؤسسات، وتبتعد عن أي مهام قد تُفسَّر تحدياً لإسرائيل أو منافسة للدور الأميركي أو تدخلاً في توازنات الداخل اللبناني. لكن هذا التحجيم لا يعني أن المشروع بلا قيمة. فالاتحاد الأوروبي ماضٍ في إرسال البعثة لأسباب تتجاوز حجمها وصلاحياتها. فهو يريد تأمين حضوره في لبنان وإبقاء اسمه حاضراً في معادلة ما بعد "اليونيفيل" ، وكسر الأحادية الأميركية في هذا الملف، وتحدي الممانعة الإسرائيلية ولو بوجود محدود. ومثل هذا الحضور، ولو كان رمزياً في بدايته، يمنح أوروبا موطئ قدم يمكن البناء عليه إذا تبدلت الظروف الإقليمية أو تغيّرت المقاربة الأميركية. وهو للبنان فرصة أيضاً: شريك دولي إضافي يمكن توظيفه في دعم الجيش والمؤسسات، شرط أن تُحسَن إدارته داخلياً وتُضبط صلاحياته بما يحفظ السيادة ويطمئن المكونات. وفي المحصلة، البعثة الأوروبية اختبار لقدرة أوروبا على ترجمة طموحها السياسي إلى فعل في منطقة تحكمها موازين القوى لا النوايا. ومن الآن حتى اكتمال انسحاب "اليونيفيل" ، سيتحدد ما إذا كانت هذه البعثة ستبقى حضوراً هامشياً أم ستتحول، بالتدريج وبقدر من الصبر والدبلوماسية، إلى ركن في ترتيبات الجنوب المقبلة.

المصدر: لبنان 24