نتائج مقلقة في المدارس الرسمية: جوع وسمنة وأطعمة مخالفة
أظهر تقييم وطني شمل 528 مدرسة رسمية و6712 تلميذاً، أن البيئة الغذائية في المدارس تواجه مشكلات متداخلة: ضعف الالتزام بالتوصيات الغذائية، وانتشار أطعمة مخالفة للإرشادات، وعجز نحو تلميذ من كل خمسة عن شراء وجبة خفيفة خلال اليوم الدراسي. وفي مقابل هذه المؤشرات، سجّلت المدارس المستفيدة من برنامج الوجبات المدرسية نتائج أفضل، ما يطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن تحويل هذه التجربة إلى سياسة مستدامة تشمل المدارس الرسمية؟ Advertisement المشكلة لا تقتصر على وجود الطعام أو غيابه، بل تمتد إلى نوعيته وكلفته وما يتاح للتلامذة في يومهم الدراسي. فبينما لا يلتزم 57% من المشاركين بالتوصيات الغذائية العالمية، أفاد نحو تلميذ من كل خمسة بأنه لا يتناول وجبة خفيفة خلال اليوم الدراسي ولا يملك المال لشرائها. وفي الوقت نفسه، سجّل التقييم تزايداً في معدلات زيادة الوزن والسمنة، وضعفاً في تنوّع الغذاء، إلى جانب انتشار أطعمة لا تسمح بها الإرشادات المعمول بها، والترويج لمنتجات غير صحية عبر قنوات مباشرة ورقمية. اجتماع هذه المؤشرات قد يبدو متناقضاً: كيف يجتمع نقص الطعام مع السمنة؟ لكن التقييم يسلّط الضوء على فارق أساسي بين الحصول على طعام كافٍ والحصول على غذاء متنوع ومتوازن. فالسمنة لا تعني بالضرورة أن احتياجات الطفل الغذائية ملبّاة، كما أن ضيق القدرة الشرائية قد يحدّ من الخيارات المتاحة أمامه. وتبرز المدرسة هنا بوصفها أكثر من مكان للتعلّم؛ فهي بيئة تؤثر في ما يأكله التلميذ، وفي قدرته على تناول وجبة خلال يومه. وحين تُعرض فيها منتجات تخالف الإرشادات، لا يعود الالتزام بالتوصيات مسؤولية الأسرة وحدها. كما أن وجود قواعد تنظيمية لا يكفي، ما دام التقييم يرصد مخالفات داخل البيئة المدرسية. وهذا يجعل تطبيق القواعد ومتابعتها جزءاً أساسياً من أي خطة لتحسين التغذية. ومن هنا، لا يُقاس تحديث تنظيم الأغذية والمشروبات في المدارس بصياغة التعليمات فقط، بل بما يتغير فعلياً في منافذ البيع، حيث تُطرح اسئلة مشروعة اهمها: ما المنتجات المعروضة؟ هل تتناسب أسعار الخيارات الأفضل مع مصروف التلامذة؟ وكيف تُراقَب المقاصف ويتم التحقق من التزامها؟ فالتنظيم الذي لا يراعي القدرة الشرائية قد يضع خياراً صحياً على الرف، لكنه يتركه خارج متناول من يحتاج إليه. في هذا السياق، ترى أخصائية التغذية باسمة فياض خلال حديث لـ"لبنان24" أن مؤشرات الجوع وزيادة الوزن لا تتعارض بالضرورة، لأن المشكلة لا تتعلق بكمية الطعام وحدها، بل أيضاً بجودته وتنوّعه وقدرة الأسرة على تحمّل كلفته. وتوضح أن الخيارات الغذائية الرخيصة والمتاحة قد لا تلبّي احتياجات التلميذ، فيما يؤثر ما يُباع داخل المدرسة في عاداته اليومية. لذلك، بحسب الأخصائية، ينبغي أن تجمع المعالجة بين وجبات مدرسية متوازنة بأسعار مناسبة، وضبط المنتجات المعروضة في المقاصف، والتوعية الغذائية التي تراعي ظروف الأسر من دون وصم الأطفال أو تحميلهم وحدهم مسؤولية المشكلة. وتلفت إلى أن انتظام التلميذ في تناول الطعام وتنوّع خياراته عاملان مهمان في تلبية احتياجاته خلال اليوم الدراسي. وترى أن الاكتفاء ببيع الطعام داخل المدرسة لا يضمن بيئة غذائية سليمة؛ إذ ينبغي أن تكون الخيارات مناسبة لعمر الأطفال، ومتوازنة، ومتاحة بأسعار معقولة. وتشدد على أهمية متابعة ما يُقدَّم في المقاصف، إلى جانب إشراك الأسر والمدارس في التوعية، بحيث تصبح النصائح الغذائية قابلة للتطبيق في حياة التلامذة اليومية. في المقابل، يقدم برنامج الوجبات المدرسية مؤشراً عملياً إلى ما يمكن أن يتغير حين يصبح الغذاء جزءاً من اليوم الدراسي. فقد أظهر التقييم أن تلامذة المدارس المستفيدة منه يلتزمون بالتوصيات الغذائية بدرجة أفضل، وأن منافذ البيع فيها أكثر التزاماً بالمعايير. كما أفاد مقدّمو الرعاية بأن الوجبات خففت الأعباء المالية عن الأسر، وساهمت في زيادة إقبال الأطفال على المدرسة. وهذه نتائج تجعل البرنامج، إلى جانب أثره الغذائي، عاملاً ذا صلة بقدرة الأسر على تحمّل كلفة التعليم وبجاذبية المدرسة الرسمية. لكن التوسّع في البرنامج يطرح سؤال الاستمرارية. فإذا بقي توفير الوجبات مرتبطاً بتمويل خارجي متقلّب، يظل التحسن معرضاً للتراجع عند تقلّص الموارد. لذلك لا يتوقف الاختبار عند إعلان التوسّع التدريجي، بل يشمل تحديد كيفية تمويله وضمان انتظامه. وإدراج التغذية المدرسية ضمن موازنة التعليم من شأنه أن ينقلها من خدمة مرتبطة بتوافر الدعم إلى جزء من التخطيط التربوي. لا يقدم التقييم وصفة واحدة لمشكلة مركبة، لكنه يرسم ملامحها بوضوح: تلامذة لا يستطيع بعضهم شراء وجبة، وانتشار خيارات لا تنسجم مع الإرشادات، ومؤشرات مقلقة على جودة الغذاء، مقابل نتائج أفضل حيث تتوافر الوجبات المدرسية وتُضبط منافذ البيع. وبين هذه الصورة ووعود الوزارة، ستُقاس جدية المعالجة بما يصل إلى التلميذ فعلاً وما يضمن صحته وفق قدرات اسرته المالية.
المصدر: لبنان 24