صندوق النقد: الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة الاضطرابات
أظهرت توقعات صندوق النقد الدولي للاقتصاد السعودي آفاقاً واعدة للتعافي والنمو، رغم الضغوط التي تفرضها الاضطرابات الإقليمية على إنتاج الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وفي حين يُتوقع أن يتأثر الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في عام 2026 بتراجع نشاط قطاع النفط والغاز، تظل الأنشطة غير النفطية أكثر قدرة على الصمود، بينما يُرجح أن يشهد الاقتصاد انتعاشاً قوياً في عام 2027 مع عودة إنتاج الطاقة تدريجياً إلى طبيعته وتحسن الأوضاع الأمنية والتجارية. ويضع تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، السعودية ضمن الاقتصادات الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، في وقت تواجه فيه المنطقة تداعيات النزاعات واضطرابات إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. يتوقع التقرير انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية بنسبة 3.3 في المائة في عام 2026، نتيجة تراجع نشاط قطاع الهيدروكربونات خلال النصف الأول من العام، في ظل الاضطرابات التي طالت إنتاج الطاقة وحركة الملاحة وسلاسل الإمداد الإقليمية، ولا سيما المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب. وفي المقابل، أظهرت الأنشطة غير النفطية في المملكة قدرة على الصمود وأداء أفضل نسبياً مقارنة بقطاعات الطاقة، مدعومة باستمرار الزخم الاستثماري وبرامج التنويع الاقتصادي المرتبطة بـ«رؤية 2030». وفي قطاع السياحة، سجلت المملكة أقل تراجع في معدلات إشغال الفنادق مقارنة بالدول الأخرى المتأثرة مباشرة بالتوترات الإقليمية، بما يعكس قدرة نسبية على الحفاظ على نشاط الخدمات السياحية في ظل الظروف الراهنة. على الرغم من الانكماش المتوقع في عام 2026، يرجح صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد السعودي انتعاشاً قوياً في العام التالي، مع توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 7.9 في المائة في عام 2027. ويرتبط هذا التعافي بالعودة التدريجية لإنتاج الطاقة إلى مستوياته الطبيعية، واستقرار الأوضاع الأمنية والتجارية، وتحسن حركة سلاسل الإمداد العالمية. وعلى المدى المتوسط، تشير توقعات التقرير إلى استقرار نمو الناتج المحلي الحقيقي للمملكة عند نحو 3.6 في المائة بحلول عام 2031، بما يعكس عودة النمو إلى مسار أكثر استقراراً بعد التقلبات المتوقعة خلال الفترة الحالية. على صعيد الأسعار، يُقدر متوسط التضخم في السعودية بنحو 2.7 في المائة خلال عام 2026، قبل أن يستقر عند نحو 2 في المائة في السنوات اللاحقة، وفق التوقعات الواردة في المادة. وساعدت عوامل تشمل الدعم وضوابط التسعير والانضباط المالي، في احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار نسبي للأسعار مقارنة بعدد من اقتصادات المنطقة. وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، اتخذت البنوك المركزية الخليجية، ومن بينها السلطات النقدية السعودية، خطوات متسقة مع تحركات مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي بهدف دعم استقرار الأسواق المالية والحد من الضغوط التضخمية المحتملة. تتسم السياسة المالية السعودية في عام 2026 بالانضباط والتحوط، مع توفُّر مجال لتوجيه الإنفاق نحو الأولويات الاستراتيجية، بما يشمل تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الإنفاق، ودعم الإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل. كما دخلت المملكة مرحلة الاضطرابات الإقليمية وهي تمتلك احتياطيات ومراكز مالية مريحة، ساعدت على امتصاص الصدمات المؤقتة التي قد تطال الحساب الجاري والاحتياطيات الرسمية، وفق التقرير. وتكتسب هذه الهوامش المالية أهمية في ظل ارتفاع حالة عدم اليقين إقليمياً وعالمياً، إذ تتيح تعزيز القدرة على مواجهة التقلبات مع مواصلة الاستثمار في الأولويات الاقتصادية. يمثل الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أحد المجالات التي تسعى السعودية، إلى جانب دول خليجية أخرى، إلى توسيع حضورها فيها. ويتناول التقرير الاستثمارات المعلنة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، التي تتجاوز قيمتها، وفق الأرقام الواردة في التقرير، 5 في المائة من الناتج المحلي، مع توقعات بأن تسهم هذه الاستثمارات في تعزيز الإنتاجية والنمو على المدى المتوسط. وفي الوقت نفسه، تظل الإصلاحات الهيكلية عاملاً مهماً في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، من خلال زيادة مرونة أسواق العمل، والاستثمار في رأس المال البشري، وتنويع الصادرات غير النفطية. ويشير التقرير كذلك إلى التقدم الذي أحرزته دول مجلس التعاون الخليجي في تنويع صادرات السلع خلال العقدين الماضيين، بما يعزز أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى توسيع القاعدة الإنتاجية والتجارية وتقليل الاعتماد على مصادر الدخل التقليدية. وتعكس هذه المسارات مجتمعة أهمية التنويع الاقتصادي والاستثمار في القطاعات الجديدة في دعم قدرة السعودية على تجاوز تداعيات الاضطرابات الراهنة، والحفاظ على آفاق نموها على المدى المتوسط.
المصدر: الشرق الأوسط