الصحوة الروحية من منظور علم النفس… ماذا يحدث قبلها وبعدها؟
قد تأتي بعد خسارة، أو خيبة، أو مرحلة طويلة من التساؤلات. وأحياناً، من دون حدث استثنائي، يبدأ الإنسان بالنظر إلى حياته بطريقة مختلفة. أمور كانت تعنيه تفقد أهميتها، علاقات يعيد تقييمها، وأسئلة لم تخطر له سابقاً تصبح جزءاً من يومياته. يصف البعض هذه التجربة بأنّها "صحوة روحية". لكن ماذا يحدث فعلاً حين يشعر الإنسان بأنّه لم يعد الشخص نفسه؟ وهل نحن أمام تحوّل نفسي عميق، أم مفهوم جديد لتجربة إنسانية قديمة؟
لماذا أصبح الجميع يتحدّثون عن الصحوة الروحية؟
خلال السنوات الأخيرة، اتسع حضور مصطلح Spiritual Awakening على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما في المحتوى الذي يتناول الوعي الذاتي، والتعافي النفسي، والبحث عن المعنى.
يروي أشخاص تجاربهم مع ما يسمّونه "الصحوة"، ويتحدثون عن تبدّل أولوياتهم، وانتهاء بعض علاقاتهم، وتغيّر نظرتهم إلى النجاح والسعادة.

غير أنّ الانتشار الرقمي للمصطلح يطرح سؤالاً أساسياً: هل أصبحت الصحوة الروحية تجربة أكثر شيوعاً، أم أنّ وسائل التواصل منحت اسماً جديداً لتحوّلات عاشها البشر منذ زمن بعيد؟
يرى الاختصاصي النفسي ومستشار الأزواج والبالغين فادي الحلبي أنّ وسائل التواصل أسهمت في نشر مفاهيم إيجابية، مثل الوعي بالذات والتأمل والامتنان، لكنها في المقابل حوّلت أحياناً تجارب نفسية معقّدة إلى وصفات جاهزة.
ويحذّر من المحتوى الذي يصوّر الابتعاد عن الآخرين دليلاً على النضج، أو يوحي بأنّ من يمرّ بتجربة روحية أصبح في مستوى أعلى من الوعي. ويقول إنّ "المشكلة ليست في مشاركة التجارب الشخصية عبر وسائل التواصل، بل في تحويل تجربة فردية إلى حقيقة نفسية عامة تنطبق على الجميع".
ماذا يقول علم النفس عن الصحوة الروحية؟
لا تُعدّ الصحوة الروحية تشخيصاً نفسياً محدّداً، ولا يوجد تعريف علمي واحد يجمع كل التجارب التي توصَف بهذا الاسم. لكنّ بعض مظاهرها قد تتقاطع مع مفاهيم يدرسها علم النفس، مثل إعادة بناء الهوية، وتغيّر القيم، والبحث عن المعنى، وإعادة تقييم العلاقات والأولويات.
يوضح الحلبي أنّ هذه التجربة يمكن فهمها نفسياً بوصفها تحوّلاً ذاتياً عميقاً، يبدأ معه الإنسان بطرح أسئلة تتعلق بهويته ومعنى وجوده وما يستحق أن يكرّس له وقته وطاقته.

ويربط بعض جوانبها بمفاهيم في علم النفس الإيجابي، بينها الحياة ذات المعنى عند مارتن سليغمان، وتحقيق الذات لدى أبراهام ماسلو، وتجاوز الذات، الذي يشير إلى قدرة الإنسان على الانفتاح على ما يتجاوز مصالحه الفردية المباشرة.
لكنّه يميّز بين حقيقة التجربة بالنسبة إلى صاحبها والتفسيرات التي يمنحها لها، مؤكداً أنّ عمق الإحساس الشخصي لا يعني بالضرورة أنّ جميع التفسيرات الروحية المرتبطة به مثبتة علمياً.
قد تدفع تجربة فقدان أو أزمة شخصية الإنسان إلى مراجعة أفكاره عن نفسه والعالم. وقد تكون هذه المراجعة تدريجية، عبر تراكم خبرات وأسئلة داخلية.
وهنا يشير الحلبي إلى مفهوم "النمو ما بعد الصدمة"، الذي يتناول إمكانية حدوث تغيّرات إيجابية نتيجة محاولة التكيّف مع تجربة شديدة الصعوبة. لكنه يشدّد على أنّ المعاناة لا تؤدي تلقائياً إلى النموّ، وأنّ التحوّل قد ينشأ أيضاً من الحب أو التأمّل أو التواصل مع الطبيعة أو تجارب إيجابية أخرى.
لكنّ التحوّل لا يكون دائماً مريحاً. فإعادة النظر في القناعات القديمة قد تترافق مع القلق والحيرة والشعور بالغربة عن الحياة السابقة.
وهو ما تؤكده نور م.، التي خاضت تجربة تصفها بالصحوة الروحية. تقول: "أعتقد أن الصحوة الروحية قد تكون من أكثر التجارب إزعاجاً وعدم راحة، لأنها تدفعنا إلى مواجهة مخاوفنا وجراحنا وأنماطنا القديمة".
وتضيف: "أدركت أن التحرّر لا يعني غياب الألم، وأن الشفاء ليس دائماً تجربة مريحة".
غير أنّ الحلبي يحذّر من إضفاء طابع رومانسي على كل معاناة نفسية، أو تفسير الأعراض المقلقة باعتبارها جزءاً طبيعياً من الصحوة. فالأرق الشديد والمستمر، أو فقدان الاتصال بالواقع، أو الأفكار الاضطهادية، أو التراجع الواضح في القدرة على ممارسة الحياة اليومية، مؤشرات تستوجب تقييماً نفسياً أو طبياً. كذلك لا ينبغي التعامل مع الاكتئاب الشديد أو الأفكار الانتحارية بوصفها مجرد مراحل في مسار روحي.
وهنا يبرز دور الاختصاصي النفسي في التمييز بين التحوّل الشخصي الذي يمكن أن يكون جزءاً من النمو النفسي، وبين أعراض ضيق نفسي تستدعي اهتماماً متخصصاً، من دون اختزال التجارب الروحية أو الحكم عليها مسبقاً.

قبل الصحوة وبعدها… هل يتغيّر الإنسان فعلاً؟
بعيداً من المصطلحات، يبقى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام متعلقاً بالحياة اليومية. ماذا يحدث حين يبدأ شخص بإعادة النظر في علاقته بالآخرين؟ كيف يتعامل مع أصدقاء لم يعد يشعر بالقرب منهم؟ وهل تتبدّل طموحاته المهنية والشخصية؟
بالنسبة إلى بعض الأشخاص، تتمثل التجربة في اكتشاف حدودهم الشخصية، أو القدرة على التعبير عن احتياجاتهم، أو التخلّي عن أنماط سلوكية لم تعد تناسبهم.
تصف نور تجربتها بأنّها "رحلة عودة إلى الذات"، والانتقال من العيش بصورة تلقائية إلى حياة أكثر وعياً. وتؤكد أنّها ليست لحظة تنوير مفاجئة، بل مسار مستمر من الاكتشاف وإعادة النظر في القناعات والمخاوف المتراكمة.
اللافت في شهادتها أنّ التحوّل لم يُبعدها عن الإيمان، كما قد يُفترض أحياناً عند الحديث عن الروحانية خارج إطار المؤسسات الدينية.
تقول: "لم تُبعدني هذه الرحلة عن الدين، بل قرّبتني أكثر من جوهر الإيمان"، موضحة أنّها أصبحت تنظر إلى الروحانية والدين بوصفهما طريقين قد يلتقيان في البحث عن الله والمعنى والحب.
أما على مستوى حياتها الشخصية، فتقول إنّها أصبحت أكثر قدرة على التقبّل، وأقل ميلاً إلى السيطرة على التفاصيل، وأكثر تفهّماً للآخرين واختلاف تجاربهم.
وقد انعكس هذا التغيير أيضاً على علاقتها بجسدها خلال تجربة مرض مرّت بها. فبدلاً من النظر إليه وكأنّه يحاربها، بدأت، بحسب تعبيرها، تراه شريكاً في رحلة التعافي، وتصغي إلى احتياجاته بمزيد من الرحمة والثقة.
من جهته، يعتبر الحلبي أنّ التحوّل النفسي الصحي لا يُقاس بالابتعاد عن الآخرين، بل بالقدرة على بناء علاقات أكثر توازناً، ووضع حدود صحية، والتعبير عن الاحتياجات الشخصية من دون فقدان التعاطف.
فقد يدرك شخص أنّه يبالغ في إرضاء الآخرين، لكنّ التغيير الحقيقي يبدأ عندما يصبح قادراً على قول "لا" عند الضرورة.
ويلخّص الحلبي الفكرة بالقول: "النضج لا يُقاس بقوة اللحظة التي غيّرتنا، بل بقدرتنا على ترجمة هذا التغيير إلى اختيارات وممارسات يومية".
لكنّ الحديث عن "الإنسان الجديد" قد يخفي جانباً آخر من التجربة. فالتغيّر لا يعني بالضرورة القطيعة مع الماضي، ولا يتطلّب التخلّي عن كل ما سبق.
وتختصر نور ذلك بقولها: "لم أعد أقبل أن أعيش وفق توقّعات الآخرين على حساب حقيقتي وراحتي، أو أن أربط قيمتي بإنجازاتي أو بنظرة الآخرين إليّ".
ثم تضيف عبارة تختصر علاقتها بهذا التحوّل: "فالرحلة لم تكن لأصبح شخصاً آخر، بل لأعود إلى نفسي".
الصحوة الروحية: بين الوعي والبحث عن معنى
ربما تكمن أهمية الحديث عن الصحوة الروحية في الأسئلة التي يفتحها، أكثر من الإجابات التي يقدّمها. ففي عالم يميل إلى قياس النجاح بالإنجازات والسرعة والاستمرارية، يبدو التوقّف لمراجعة الذات تجربة تستحق التأمل.
لكنّ الحلبي يذكّر بأنّ النمو النفسي ليس مساراً مستقيماً، وأنّ الإنسان قد يتقدّم في جانب من حياته بينما يواصل مواجهة صعوبات في جوانب أخرى. والنضج لا يعني الوصول إلى حالة مثالية من السلام الداخلي، بل تطوير القدرة على التعامل مع التناقضات الإنسانية بوعي ومرونة وتعاطف.
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية هذه التحوّلات في الاسم الذي نطلقه عليها، بل في ما تتركه من أثر على حياتنا وعلاقاتنا وقدرتنا على فهم أنفسنا.
لكن هل يحتاج الإنسان إلى ما يسمّيه "صحوة" حتى يعيد اكتشاف نفسه؟ أم أنّ ما نطلق عليه هذا الاسم ليس سوى إحدى الطرق التي نفهم بها تحوّلاتنا النفسية والإنسانية؟
والسؤال الأهم: هل نصبح أشخاصاً مختلفين بعد هذه التجارب، أم نتعلّم أخيراً أن نفهم الأشخاص الذين كنّاهم منذ البداية؟
المصدر: النهار