سوريا الجديدة... هل يتقدّم الولاء على الكفاءة؟
خالد حرب*
اعتمد نظام حافظ الأسد في اختيار المسؤولين لشغل المناصب الحكومية والإدارية على معايير متعددة، كان أهمها الولاء المطلق للنظام، ثم الانتماء الحزبي، وتحديداً إلى حزب البعث، مع ترك هوامش محدودة للأحزاب المنضوية تحت ما سُمّي "الجبهة الوطنية التقدمية".
وقامت سياسته على إفساح المجال أمام شاغلي المناصب العامة للاستفادة المادية من مواقعهم، سواء عبر المكاسب المالية أو الامتيازات العينية، من منازل وسيارات وغيرها. وبمعنى آخر، كانت السلطة تشتري الولاءات بالمال والمنافع، وتحوّل الوظيفة العامة إلى وسيلة لضمان التبعية السياسية.
ومن الإجحاف إنكار وجود شخصيات تمتعت بكفاءات إدارية واقتصادية وسياسية بين هؤلاء المسؤولين، لكن تلك الكفاءات كانت تفقد قيمتها بمجرد التشكيك في ولاء أصحابها لحافظ الأسد شخصياً. والأمثلة كثيرة على مسؤولين أمضوا ليلتهم في مواقع السلطة، ليستيقظوا في اليوم التالي وقد أُقيلوا وأصبحوا معزولين في منازلهم.
ونادراً ما كانت إقالة المسؤول تتم لأسباب تتعلق بالنزاهة وحدها. ففي حالات كثيرة، كان الشك في الولاء يُغلّف بملفات معدّة سلفاً، تتضمن مخالفات المسؤول وارتكاباته، ليصدر قرار إبعاده تحت عنوان الفساد أو استغلال المنصب، فيما يكون السبب الفعلي سياسياً. ويمكن استحضار أسماء مثل سليم ياسين ومفيد عبد الكريم، وصولاً إلى كبار الضباط، ومنهم ناجي جميل وعلي حيدر، بوصفها أمثلة تستحق العودة إلى ظروف إبعاد أصحابها عن مواقعهم.
واستمر هذا النهج في عهد بشار الأسد، بل تفاقم الفساد واتخذ أشكالاً أكثر فجاجة، في ظل غياب المحاسبة الفعلية والرقابة المستقلة، حتى باتت مؤسسات الدولة أسيرة شبكة واسعة من الولاءات والمصالح.
من سقوط النظام إلى اختبار الحكم
مع سقوط نظام الأسد، ارتفعت توقعات السوريين إلى مستويات غير مسبوقة، وربما تجاوزت حدود الممكن في بلد أنهكته حرب استمرت نحو خمسة عشر عاماً. وجاء تشكيل الحكومة الأولى معتمداً بصورة أساسية على شخصيات من الدائرة السياسية والتنظيمية التي حكمت إدلب، ومن المقربين إلى الرئيس أحمد الشرع.
كان بالإمكان تفهّم هذا الخيار في الأيام الأولى لسقوط النظام، بالنظر إلى حساسية المرحلة وحجم التحديات. فاستلام دولة منهكة، بمؤسسات متداعية واقتصاد شبه مدمر، قد يدفع القيادة الجديدة إلى الاستعانة بشخصيات تعرفها وتثق بقدرتها على تنفيذ القرارات، بدلاً من اختبار وجوه جديدة في ظروف استثنائية.
لكن ما كان مفهوماً في البداية لا يجوز أن يتحول إلى قاعدة دائمة للحكم.
فبعد مرور ما يقارب عامين على سقوط النظام السابق، بات استمرار الاعتماد على شخصيات من البيئة التنظيمية نفسها يثير تساؤلات جدية حول معايير اختيار المسؤولين، ومدى استعداد السلطة للانفتاح على الكفاءات الوطنية خارج دائرتها الضيقة.
كان المنتظر أن تُفتح أبواب المشاركة أمام الجميع، وأن تقوم إدارة المرحلة الانتقالية على رؤية تشاركية تستعين بالخبرات السورية المشهود لها بالكفاءة والنزاهة، في مواقع مفصلية تشمل الوزارات والمحافظات والمؤسسات الاقتصادية والدوائر الخدمية الأساسية.
إلا أن الممارسة لم تعكس، حتى الآن، تحولاً كافياً في هذا الاتجاه. بل إن بعض التعيينات والتغييرات الإدارية، ومنها ما شهدته وزارة الزراعة وغيرها من المؤسسات، أثارت انطباعاً بأن الانتماء إلى الدائرة الحاكمة لا يزال يتقدم على الاعتبارات المهنية، وأن بعض الشخصيات غير المحسوبة عليها يجري استبدالها بأخرى أقرب إليها.
الولاء لا يعوّض نقص الخبرة
تتزايد شكاوى المواطنين من ضعف الخبرة الإدارية لدى عدد من شاغلي المواقع المهمة. وحتى مع افتراض حسن النيات والرغبة الصادقة في خدمة البلاد، فإن النيات وحدها لا تكفي لإدارة دولة تواجه هذا الكم الهائل من الأزمات المتراكمة.
فسوريا اليوم لا تحتاج إلى مسؤولين عاديين، بل إلى كفاءات استثنائية، تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، ومعالجة ما خلّفته سنوات الحرب من دمار اقتصادي واجتماعي ومؤسسي.
وهذا، للأسف، لم يتحقق بالمستوى المطلوب حتى الآن، وكأن الثقة بالآخر، المختلف سياسياً أو تنظيمياً، لا تزال عقبة أمام الاستفادة من الطاقات الوطنية.
لقد أصبحت أزمة الكفاءات في مفاصل الدولة واضحة، وبدأ التذمر الشعبي يتسع إزاء أداء بعض المؤسسات. فملفات شائكة مثل الاستملاك وإعادة الإعمار وإصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلة المؤسسات العامة، تحتاج إلى خبرات متخصصة، بل استثنائية، تجمع بين العلم والنزاهة والكفاءة ونظافة الكف.
ولا يجوز أن يكون الانتماء السياسي أو الديني معياراً للتعيين أو الإقصاء. فالمعيار الوحيد الذي ينبغي أن يحكم تولّي المسؤوليات العامة هو القدرة على أداء المهمة، إلى جانب النزاهة والخضوع للمساءلة.
ومن الضروري أيضاً عدم الخلط بين الدين والسياسة والإدارة. فرجل الدين له مكانته ودوره في المجتمع، ورجل السياسة له مسؤولياته، والإداري المتخصص له وظيفته التي تتطلب تأهيلاً وخبرة. ولا يمكن بناء دولة حديثة إذا اختلطت هذه الأدوار، أو أصبحت الاعتبارات العقائدية بديلاً من المعايير المهنية.
سوريا تحتاج إلى استثناء إيجابي
إن المرحلة الانتقالية في سوريا ليست مرحلة طبيعية، ولا يمكن إدارتها بأدوات تقليدية أو بعقلية المحاصصة والولاءات. فالبلاد تواجه تحديات استثنائية، وتحتاج بالتالي إلى حلول استثنائية، بالمعنى الإيجابي للكلمة.
وهذا يقتضي الاستعانة بأفضل الكفاءات السورية، في الداخل والخارج، وإشراك مختلف مكونات المجتمع في عملية إعادة بناء الدولة، بعيداً من الحسابات الضيقة والانتماءات السياسية والدينية.
فالدولة لا تُبنى بالثقة الشخصية وحدها، ولا بالولاء للسلطة، بل بالمؤسسات والخبرة والمحاسبة وتكافؤ الفرص.
وإذا كان أحد أبرز أسباب انهيار نظام الأسد تحويل الدولة إلى شبكة من الولاءات، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا الجديدة هو إعادة إنتاج المنطق نفسه، ولو بأسماء وشعارات مختلفة.
*مهندس وأكاديمي وناشط سوري
المصدر: النهار