شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

روسيا تحت العقوبات: لماذا يصعب الاستغناء عن اقتصادٍ يمكن محاصرته؟

روسيا تحت العقوبات: لماذا يصعب الاستغناء عن اقتصادٍ يمكن محاصرته؟

كريم المغربي

في التاسع من تشرين الأول، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يجيز معاملات محددة تتعلق ببيع الديزل الروسي وتسليمه واستيراده، بما في ذلك إلى الولايات المتحدة، حتى السابع من نيسان 2027. ويطرح هذا القرار، الصادر في ظل استمرار العقوبات على موسكو، سؤالاً يتخطى تجارة الوقود: ما الذي يمنح روسيا ثقلاً اقتصادياً يصعب تجاوزه، حتى لدى الدول الساعية إلى تقليص تعاملها معها؟
تكمن إحدى الإجابات في الفجوة بين سرعة القرار السياسي والوقت الذي يتطلبه بناء البديل الصناعي. فتقييد التمويل أو الاستيراد يمكن أن يتم بقرار تنظيمي، أما تعويض طاقة إنتاجية متخصصة فيحتاج إلى استثمارات وخبرات وتراخيص، وإلى سنوات من التنفيذ. وخلال هذه المدة، تحتفظ القدرات الروسية القائمة بقيمتها وبموقعها في حسابات المشترين.
ويتجلى ذلك بوضوح في قطاع يحظى باهتمام أقل من النفط والغاز في النقاش العام، هو الوقود النووي. فبحسب وكالة الإمداد التابعة لـ"يوراتوم"، استحوذت روسيا على 22.55 في المئة من خدمات تخصيب اليورانيوم التي تسلّمتها شركات الكهرباء في الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025. ومع أن هذه الحصة تراجعت قليلاً، فإن الكميات الروسية المسلّمة ارتفعت بنحو 11.6 في المئة مقارنة بعام 2024، وفق حساب يستند إلى الجداول الرسمية.
يعني ذلك أن تنويع مصادر الإمداد يمكن أن يتقدم، في حين يتزايد التعامل مع المورّد الروسي في الوقت نفسه. ولا بد من قراءة هذه الأرقام في حدودها، فهي تقيس خدمات صناعية بعينها تتأثر بالعقود والمخزونات ومواعيد التسليم، ولا تعكس حصة روسيا من الكهرباء المنتَجة في أوروبا. لكنها تُظهر أن روسيا لا تزال حاضرة في سلسلة إنتاج بالغة التعقيد، بعد سنوات على بدء العقوبات الواسعة.
وتكشف هذه السلسلة جانباً من العمق الصناعي الروسي. فبين استخراج اليورانيوم واستخدامه وقوداً في المفاعل مراحل عدة تتطلب معرفة تقنية وتجهيزات متخصصة وقدرة تشغيلية. ولذلك، فإن الحصول على المادة الخام من بلد آخر لا يعوّض تلقائياً خدمات معالجتها وتخصيبها. وهنا تتحول الخبرة المتراكمة إلى أصل اقتصادي تفوق قيمته قيمة المورد الطبيعي نفسه.
وتعطي خطط الشركات المنافسة فكرة عن الوقت اللازم لبناء البدائل. ففي حزيران، أعلنت "يورنكو" توسعة كبيرة لقدراتها في الولايات المتحدة، على أن تبدأ أولى مجموعات أجهزة الطرد المركزي الإنتاج عام 2032، تليها إضافات متتالية حتى 2036. كما تعمل الشركة على توسعة أخرى أقرب أجلاً يُتوقع إنجازها في 2027. وتُظهر هذه المواعيد أن البدائل تتقدم فعلاً، لكن توسيع القاعدة الصناعية عملية تمتد لسنوات.
ومن هذه الزاوية، تصبح الاستثمارات المخصصة لتنويع الإمدادات مؤشراً على القيمة الاقتصادية للقدرات الروسية القائمة. فالمشتري الذي يسعى إلى تقليص اعتماده عليها مضطر إلى تمويل القدرة البديلة، وضمان تشغيلها واستمراريتها، وتحمّل مخاطر تنفيذها. لذلك، لا يُقاس الاستقلال الصناعي بما تقرره الحكومات فحسب، بل بما يمكن إنتاجه وتسليمه فعلاً.
ويرتبط الصمود الروسي أيضاً بالقدرة على إعادة توجيه الأسواق. فقد نقلت "رويترز" عن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن صادرات بلاده النفطية بلغت 238 مليون طن في 2025، مقابل 240 مليوناً في 2024، ذهب نحو 80 في المئة منها إلى الصين والهند. وتدعم هذه الأرقام قراءة مفادها أن روسيا تكيّفت عبر الحفاظ على حجم صادراتها وتغيير وجهاتها، وإن ظلت إيراداتها رهينة الأسعار والخصومات وكلفة النقل.
أما بالنسبة إلى أوروبا، فالدرس أن تقليص المشتريات المباشرة لا يعني بالضرورة التحرر من تأثير الإنتاج الروسي. ففي الأسواق المترابطة، يتنافس المشترون على الإمدادات البديلة، وتبقى الأسعار مرهونة بتوازن العرض العالمي. وبذلك تستطيع روسيا الحفاظ على وزن اقتصادي يتخطى علاقاتها التجارية المباشرة مع القارة.
غير أن هذا الوزن لا يمنح موسكو حصانة دائمة. فتنويع الموردين وتطوير التقنيات وتوسيع المصانع عوامل تغيّر موازين السوق مع الوقت. إلا أن هذا الواقع يجعل من سرعة بناء البدائل وكلفتها عاملين حاسمين في تحديد هامش المناورة المتاح لموسكو، وفي تفسير استمرار التعامل معها في قطاعات بعينها.
لذلك، يستدعي الصمود الروسي قراءة تنطلق من المصانع والخبرات والبنية التجارية التي راكمتها البلاد. فالدولة التي تملك قدرات يحتاج الآخرون إلى وقت ورأس مال لتعويضها، تحتفظ بأوراق اقتصادية وتفاوضية حتى في ظل القيود. وبين إعلان الاستغناء وتحقيقه فعلاً، يبقى الزمن الصناعي من أكثر المقاييس دلالة على قوة روسيا.

المصدر: النهار