شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

في الطريق إليكم

في الطريق إليكم

محمد سعيد حميد - اليمن

خمسة وعشرون عاماً، بين الدَّين والحرمان، قضاها أبو أحمد حاملًا ابنه على كتفيه؛ يؤجل قوت يومه كي يعلّمه ويفتح له باباً إلى الغد. كان يراهُ شجرته الوحيدة التي ستُثمرُ يوماً وتُظللُ شيخوخته.
تخرج أحمد. كانت الفرحة بتفوقه قشرةً زاهيةً في زمن الدمار؛ لم تلبث أن تشققت.
طرقا الأبُ والابنُ كلَّ الأبوابِ بحثاً عن عمل، لكنّها ظلت موصدة في وجه أحمد.
ألحّت الأم عليه أن يتزوج. قالت:
- لعل البركة تجد طريقها إلى البيت بزواجه، ونفرح به قبل رحيلنا من الدنيا.
لكن الفقرَ كان أقسى من الأمل؛ تحول البيتُ الصغير إلى ساحةِ ألغام: صرخةُ طفل، طبقٌ مكسور، تلاسن عابر بين الأم وزوجته أو الزوجة والأخوات.
أكلَ الهمُ قلب الأم، فلم تعد ترى في ابنها سوى عبءٍ أضافه زواجه إلى البيت. صبّت جامَ غضبها عليه: "لو كنت جاداً لوجدت عملاً! الجوع التهمنا، أبوك متقاعد وراتبه الزهيد مقطوع، ضيعت عمرك وعمرنا!".
كان أحمدُ يستمعُ مطأطئ الرأس، لم يرفع صوته يوماً، ولم يقل "أُفّ". كان البارَّ الذي ينكسرُ من الداخل كي لا يجرحَ والديه.
في ليلة، كان المطر يضرب زجاج النافذة، وتحت ضغطِ الشجارِ المتواصل وضيق العيشِ، صرخ أبو أحمد، وصوته يرتجف:
- أخرج... لم أعد أتحمل. اذهب إلى حيث تجد نفسك. هذا البيت لم يعد يتسع لنا جميعاً.
فزعت الأم، وصاحت:
- لا. ثم جمدت مذهولة.
تشبثت زوجته بطفليها، وظلت واقفةً لا تعرف ماذا تقول، والطفلان يحدقان في أبيهما بصمت.
نظر أحمد إلى عيني أبيه فوجدهما تدمعان، لكن القرار قد اتخذ.
لم يحتج. بلع غصته. ذهب إلى غرفته يلملم ثيابه، لحقته زوجته، غاضبةً وحزينةً، وهي تقول:
- لن أبقى دقيقةً بعدك في هذا البيت.
قبل أن يغادر البيت، مرّ بغرفة أبيه وترك ورقةً صغيرةً على سريره، كتب فيها:
"أبي العزيز،
لم أخالف لك أمراً. حملت حقيبتي المدرسية كل صباح مبتسماً، بحثت عن عمل حتى يبست قدماي. لم أستطع أن أكون بطلاً في قصة لم أكتبها.
اليوم أُلقى في واقعٍ تنهش فيه الذئاب كل من يسقط. وما أقسى أن يسقط الإنسان من الداخل.
كنت تقول لي وأنا صغير: إن خانتكَ الدروب يا صغيري، فتعال إليّ.
اليوم، أنا خائف يا أبي. أخاف من الشوارع. من الغد. من الجوع".
قرأ الأب الرسالة حتى آخر سطر. ثم وضعها في المصحف.
بعد أيام، طرق الباب رجل يرتدي زياً رسمياً.
- هل أنت أبو أحمد المنصوري؟
تجمد الأب.
- نعم.
أخرج من جيبه محفظة، وانتزع منها بطاقةً وصورة.
- عثرنا على هذه المحفظة عند نقطة التماس.
لم يسأل الأب كيف.
كان وجه الرجل قد قال كل شيء.
تمعن الأب في الصورة.
كان فيها أحمد طفلاً، فوق كتفي أبيه.
مسح عنها الغبار، وضمها إلى صدره.
ثم أخرج هاتفه. خلفه، كانت أم أحمد تحتضن طفلي أحمد بعد أن تركت أمهما البيت.
أعاد قراءة آخر رسالة وصلت منذ أيام، كأنه يقرأها للمرة الأولى:
"أبي، لقد وجدت عملاً. أنا في الطريق إليكم".
غرق في النحيب، وأسند رأسه إلى الباب المفتوح.
وظل ينتظر.

المصدر: النهار